ترميم الثدي: جرّاح أردني يبعث الحياة فيما بعثره السرطان

المجهر نيوز

ينهمك المتطوع أخصائي جراحة التجميل والترميم، الدكتور جهاد الشناق، في متابعة أحوال العشرات من مريضات سرطان الثدي، في مركز الحسين للسرطان، ومن بينهن من لا تجد في نفسها قوة لولوج غرفة الطبيب، خشية مواجع استئصال الثدي، على الرغم من مساعي الأطباء بإقناعهن في الخضوع للعملية.
تقف إيمان (37 عاما) في الممر تحت تأثير ظهور السرطان مجددا بعد عامين من استئصال كتلة سرطانية من ثديها، فاقدة أي أمل بنجاح الجراحة التي تضرب أحد أهم معالم الأنوثة.
تحشد إيمان قواها لدخول عيادة الطبيب المتطوع القادم من الولايات المتحدة لإجراء عمليات مجانية لمصابات بسرطان الثدي، وسط تقديرات لأجر العملية تتراوح بين 4 آلاف دينار و20 ألفا.
تقوم جراحة الدكتور الشناق على تركيب ثديين جديدين للمريضة “إيمان”، التي امتنعت طويلا عن إجراء العملية، وتتم عبر نقل دهون البطن مع الأنسجة والأوعية الدموية والأوردة، إلى الثدي، وربطها تحت الميكروسكوب لإعادة التروية، فربط الأعصاب الحسية في ثدييها لتستعيد الشعور بهما، وصولا لترميمهما من أنسجة جسدها.
يأخذ الدكتور الشناق القادم من ولاية تكساس الأميركية، على عاتقه، إنهاء معاناة مريضات سرطان الثدي أو ناجيات منه، وفق أحدث الوسائل العلمية، ويقول : “إن هدفي هو زيادة الوعي بعمليات تركيب وترميم الثدي بعد استئصال السرطان؛ فهذا يؤصل الأمل لدى النساء بتقدم طرق العلاج القبلي والبعدي، ويشجعهن على الكشف المبكر، ما يزيد فرص الشفاء التام عند اكتشاف السرطان”.
ويلجأ الدكتور الشناق، أخصائي الجراحة الميكروسكوبية الدقيقة، لترميم الثدي المستأصل باستخدام جراحات متقدمة لاستعادة شكل الثديين، وهو يستخدم في بعضها الميكروسكوب لنقل جزء من الجسم إلى الثدي المستأصل بهدف إعادة الشكل، وربط أعصاب البطن الحسية بالثدي لإعادة الإحساس، “فالجراحات الميكروسكوبية تعتمد على ربط الأوعية الدموية للعضو المنقول لإعادة التروية”، حسب الشناق الذي يوضح أن هذه الجراحات تتعدى نسبة نجاحها 90 في المائة، وهي في تطور مستمر منذ أكثر من 20 عاما.
الشناق الذي عالج وأجرى عمليات التجميل والتركيب لآلاف المرضى حول العالم، يقول ان ما يدفع الإناث في دول العالم الثالث للجراحات التجميلية هو خوفهن من التشوهات بعد عمليات استئصال السرطان، لافتا إلى أن الخوف يعود إلى نقص الدعم النفسي والاجتماعي لهن.
يسرد الشناق خطوات إجراء العملية، موضحا أنه ينقل دهونا تؤخذ كقطعة واحدة من البطن مع أوعية دموية وأوردة، والأعصاب الحسية، إلى الثدي، ويربطها بالميكروسكوب لإعادة التروية، مع تلافي استئصال حلمة الثدي، أو زرعها من جديد حال استئصالها، مؤكدا إمكانية تركيب الثدي ولو بعد سنوات من إجراء الأنثى لعملية استئصال كلي للثدي.
وفي الجسم، أعضاء يمكن الإستغناء عنها، وفق الشناق، مثل عظم شظية الرِّجل، وجزء من عظم الحوض، وعضلات، ودهون وجلد من البطن، فهي تعوض نقصا في مكان آخر كالفك أو الثدي.
أما في النحيلات ممن لا تتوفر لديهن كمية دهون كافية في البطن، فيبين الشناق أنه يستخدم معهن موسِّعَ أنسجة شبيها بالبالون، يوضع أسفل عضلة الصدر حين استئصال الثدي، فيما يحقن بمحلول ملحي على مراحل عبر إبرة تدخل في صمام يوضع تحت الجلد لمدة شهرين تقريبا، ليفسح المجال أمام غرس السيليكون.
واليوم، يستخدم الدكتور الشناق مع مريضاته، موسِّعَ الهواء اللاسلكي للأنسجة، الذي كان أول مستخدميه في تكساس، ويوضع في الثدي لمدة أقصاها شهر، بينما تقوم المريضة عبر جهاز التحكم بتوسيع الأنسجة من أي مكان، ودون زيارة الطبيب، ويقول الشناق “يمنح الموسع المريضة فرصة لتشارك فريقها الطبي خطتها العلاجية، وقدرا أكبر من المسؤولية”.
الشناق يرى أن أفضل حالة للترميم هي خلال عملية الاستئصال، حيث تستغرقان في المتوسط 6 ساعات، كما أن الندب والجروح تخفى بطريقة أنجع، علاوة على قصر فترة النقاهة، والاكتفاء بعملية واحدة، اما المدخنة فعليها الإقلاع عن التدخين لمدة لا تقل عن 6 أسابيع قبل العملية لضمان نجاحها.
وفي حالة اكتشاف الكتلة السرطانية مبكرا، واستئصال جزء من الثدي، يفضل الشناق اللجوء للترميم أثناء جرحة الثدي، وقبل العلاج بالإشعاع عند الحاجة إليه، لقناعته بأن “العلاج الإشعاعي لثدي مرمم أفضل من ترميم الثدي بعد الإشعاع”، كما أنه عند استئصال الثدي كاملا فمن الأفضل إجراء الجراحة الميكروسكوبية بعد الإشعاع.
الشناق يؤكد اهمية عرض جراح الثدي مريضته على جرّاح الترميم، وإشراف فريق طبي متكامل، ما يمنع التشوهات الناتجة عن جراحات متقطعة، ولأن التجميل يدخل في علاج سرطان الثدي، وهو عامل مهم في الشفاء، الامر الذي توصي الجمعية الأميركية لجراحة الثدي والكلية الأميركية لجراحي الثدي، بضرورة استشارة جراحي التجميل قبل جراحة الثدي عملا بمبدأ التفكير في النتيجة التجميلية قبل استئصال سرطان الثدي .(oncoplastic)أخصائية جراحة سرطان الثدي في مستشفيي هيوستن ميثوديست وميموريال الأميركيين، الدكتورة كلي ديمسي، تؤيد ما يقوله الشناق، مؤكدة أن “وعي جراح الثدي بمتطلبات التركيب والترميم يحافظ على معالم الثدي الدقيقة، ويحقق أفضل نتيجة”.
ديمسي تحبذ إلمام أعضاء الفريق الآخر من أخصائيي العلاج الكيميائي والأشعة بالحالة المرضية، وأن يعاونوا جراحي الترميم في تحديد توقيت إجراء العملية.
أمّا مسؤولة وحدة الدعم والعمل المجتمع في مركز الحسين للسرطان رجاء الصالحي، فتؤكد رغبة غالبية ناجيات سرطان الثدي في إجراء الترميم، “فهن يلجأن لإجراء الترميم حينما يشعرن بنقص في الأنوثة، ونظرة مجتمع ممتلئة بالشفقة أو النقص”، مشيرة إلى أن اهتمامهن بتجارب من أجرين الترميم. تقول الصالحي “لطالما عبر المريضات لي عن أن الأهم بالنسبة لهن هو عدم علم أفراد المجتمع بمرضهن أو إجرائهن الاستئصال”، معتبرة الترميم أفضل البدائل لجهة الحصول على المظهر الطبيعي.
وتروي الصالحي قصة امرأة خمسينية اكتشف الأطباء إصابتها بسرطان الثدي، فغادرت المستشفى قبل إجراء العملية، لأن “الناس في قريتها وصفوا جارتها الناجية من السرطان بعد استئصال ثديها بأوصاف معيبة فاقدة للإنسانية”، فاستسلمت للمرض واكتفت بالدواء لكي لا تسمع الاوصاف اياها، وفق ما أبلغت أخصائيي دعم اجتماعي تواصلوا معها لإقناعها، لكنها توفيت لاحقا.
“كان إجراء الترميم أمرا مهما بالنسبة لي”، تقول الناجية ربى بلبل (51 عاما)، وهي أم لأربعة أبناء، وأجرت الترميم عام 2014 خلال جراحة الثدي.تضيف أنها أجرته كي لا تشعر بتمكن المرض منها، وسلب جزء من جسدها، وتقول: “شعرت بالراحة والامتنان بعد الترميم الذي كان له دور في تقبل المرض والتعامل معه”.
وتحدثت بلبل قبيل الترميم إلى جراح تجميل أخبرها بتفاصيله، وتؤكد: “النتائج ممتازة وكما توقعت وأعيد لي جزء من إحساسي بالثدي”، مشيرة إلى أن “سلبية نظرة المجتمع الرافض فكرة الإصابة بالسرطان دفعتني للترميم”.
أما “هنا أبو لغد” (34 عاما) فتقول: “إن قراري كان جريئا حينما استؤصل الثدي كاملا وليس الكتلة السرطانية فقط” وترى “انه وقاية لي من عودة المرض ذي النسبة العالية بين أفراد عائلتي”.
“أبو لغد” تعمل اليوم في مجال التسويق في دولة الإمارات العربية المتحدة ، وتقول: “كنت راضية عن النتائج فمظهري بعد الترميم كان أفضل من ذي قبل”.
أما “رولند البواب” (45 عاما) فتعتبر تجربتها غير ناجحة في ترميمها الثدي عام 2010 بعد عامين من الاستئصال، اذ نصحها الطبيب بالخضوع للعلاج الكيميائي، وتأجيل الترميم، بينما اختار لها إجراء جراحة لوضع موسع الأنسجة التقليدي، وراجعته لأربعة أشهر قبل جراحة غرس السيليكون.
تقول البواب: “أحبطتني النتيجة وأنا غير راضية عنها رغم اندفاعي”، مضيفة أن العملية أضنتها لتعدد مراحلها وألمها.
أما الناجية نور حداد (37 عاما)، فتأمل بإجراء الترميم بُعيد استئصال ثديها قبل أشهر، لكنها تشكو تكاليف باهظة الثمن ما قد يبدد أملها باجرائه.
تقول: “تجرأت ووقفت أمام المرآة بعد الاستئصال بأيام لكن مظهري صدمني أضعاف صدمتي بوجود السرطان أساسا”، مضيفة: “تمالكت نفسي بعد أن أخبرتني صديقتي بأن الحل هو إجراء ترميم ميكروسكوبي”.
تضيف حداد: “راجعت أطباء ترميم، وفوجئت بتكاليف العملية”، مستغربة لعدم تزامن الترميم مع الاستئصال في حين تكون تكاليفهما واحدة.
وللترميم خيارات ثلاثة، وفق استشاري جراحة وترميم الثدي الدكتورة ليال الأسير، وهي استئصال الثدي دون ترميم، أو استئصاله والترميم الفوري، أو استئصاله وتأجيل الترميم، فيما تفضل الترميم عند الاستئصال.
تقول الاسير “ما يؤجل الترميم أحيانا هو إحجام المريضة عن اجراء العملية”، بينما تلاحظ أن الناجيات اللواتي يجرين ترميما عند الاستئصال يتمتعن بنفسية أفضل ممن يجرينه بعده لإعادته الثقة بأنفسهن.
تشير إلى أن غالبية المريضات يلجأن إلى الترميم الصناعي عبر السيليكون لسهولته وسرعته.
ويمكن لكل المعرضات لسرطان الثدي جينيا أو المريضات أو الناجيات منه، إجراء الترميم، وفي أي عمر، فهو “لا يؤثر في المرض أو يقلل فرص الشفاء منه حال إجراءه بالشكل الصحيح” وفق ما تؤكد الأسير.
وتلفت إلى أن بعض الناجيات غير آبهات بعملية الترميم لتطلعهن إلى التخلص من المرض، والعودة لحياتهن الطبيعية بالسرعة الممكنة.
وعند اكتشاف السرطان مبكرا، تقول الأسير “نتجنب استئصال الثدي كاملا، ونجري للمريضة ترميما بسيطا وطبيعيا من الثدي”.
وعند المدخنات فالفرصة بعد الترميم قائمة لحدوث مضاعفات تنعكس عليهن سلبا، وفق الأسير، مضيفة أن “المضاعفات عالية في أي ترميم يعتمد على إيصال دورة دموية جديدة عند المدخنين”.
وبات معروفا أنه لا يوجد سجل منتظم لعمليات الترميم التي تجرى في الأردن مما يحول دون معرفة عدد الحالات التي خضعت لهذا النوع من الجراحات التجميلية. فيما تظهر أرقام البرنامج الوطني للكشف المبكر عن سرطان الثدي في وزارة الصحة، انخفاض نسبة المصابات عام 2015 بنحو 3 بالمئة عن العام الذي سبقه، فيما بلغ عدد المكتشف منها نحو 1138 حالة، ما يمثل ضعف المصابات في العام 2000 البالغة 551 حالة.
يقول رئيس قسم مكافحة السرطان في الوزارة الدكتور عمر النمري إن نحو 90 ألف سيدة خضعن للفحص السريري المبكر لسرطان الثدي عام 2017 في مراكز الكشف المبكر بوزارة الصحة، فيما يخضع 5 آلاف منهن سنويا للفحص ذاته من خلال البرنامج الأردني لسرطان الثدي بمركز الحسين للسرطان.
ويشير إلى أن الأرقام تؤكد أن نسب بقاء السيدات ممن يكتشفن سرطان الثدي مبكرا على قيد الحياة تفوق 90 في المائة خلال السنوات الخمس الأولى بعد التشخيص، بينما تنخفض النسبة مع تقدم مراحل المرض واكتشافه متأخرا.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق