سمير أحمد: 48 ساعة هزَّت الكيان.. بين إنجازات المقاومة وإخفاقات العدو

المجهر نيوز

سمير أحمد

لم يكن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بوارد التفكير بقطع زيارته إلى باريس التي حظي خلالها بلقاء الدقيقتين على الواقف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والعودة مسرعا إلى تل أبيب، لولا أنباء فشل “العملية الخاصة” في خانيونس، التي صادق عليها بطلب من وزير “الأمن الداخلي” جلعاد أردان، والتي انتهت بمقتل قائد العملية برتبة مقدم وجرح آخر، وبتدخل الطيران الحربي لتدمير الحافلة التي أقلت أفراد مجموعة “النخبة”، وتغطية فرارهم ونقل الجرحى منهم.

والشيء المثير للتساؤل في هذه العملية هو أنها تمت في وقت كانت فيه الأنباء توحي بقرب التوقيع على اتفاق التهدئة، الذي يدير خيوطه جهاز المخابرات العامة المصري، الذي دخل حيز التنفيذ بإدخال (السولار والدولار القطري) عبر معبر (بيت حانون إيريز).

وفي توضيح لحيثيات ما جرى، وردا على سؤال، إذا كان هناك حاجة  لتلك العملية السرية، قال المتحدث بلسان جيش العدو، إن “العملية كانت في عمق القطاع، وهي نهاية طرف نشاطات يتم تنفيذها بصورة مستمرة، وهدفها تحقيق التفوق والقدرات الإسرائيلية كما هي موجودة الآن”. وهي رسالة أراد منها المخططون والموافقون من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين، وعلى رأسهم  توجيه رسالة إلى من يعنيهم الأمر، أن “إسرائيل” تعبر إلى “التهدئة” من بوابة إنجاز أمني نوعي، (لا تزال تفاصيله طي الكتمان) تستثمر مفاعيله في الداخل والخارج على حد سواء…

إلا أن حسابات البيدر جاءت معاكسة ومختلفة عن حسابات الحقل، إذ شكلت يقظة كتائب المقاومة الفلسطينية المسلحة وجهوزيتها العالية ضربة قوية لقادة العدو، بإفشال “عملية خانيونس” وإلحاق خسائر مادية ومعنوية بالمنفذين والمخططين، تحولت معها هذه العملية إلى شرارة أشعلت مواجهات استمرت على مدى 48 ساعة اهتز خلالها الكيان بحكومته وقادته العسكريين والأمنيين وجموع مستوطنيه، بفعل إنجازات قوى المقاومة التي بدأت باستهداف الحافلة العسكرية بصاروخ الكورنيت المضاد للدروع، وبإطلاق 460 صاروخا، كشفت “سرايا القدس” الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي أحدثها وأكثرها تدميرا، واستكملت بالإعلان المصور عن عملية العلم الفلسطيني، لألوية الناصر صلاح الدين، التي نفذت بتاريخ 17 شباط 2018.

وقد أرغمت هذه التطورات والإنجازات حكومة العدو على قبول التهدئة التي سعى إليها الجانب المصري، وبعض الأطراف العربية والدولية، وكان لمواقف الأجهزة “الأمنية” بقبول الوساطة المصرية والعودة إلى التهدئة الأثر الكبير في قرار الحكومة، بالرغم من معارضة بعض الوزراء من بينهم وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، ووزير التربية نفتالي بنيت ووزيرة الرياضة اييليت شاكيد وزئيف الكين (نائب وزير الخارجية) خلال الاجتماع الذي استمر نحو 7 ساعات، وتخلله مناوشات علنية بين نتنياهو وليبرمان، الذي سارع بتقديم استقالته من الحكومة، كما جاء في وكالة واللا العبرية.

المواجهة بين الإنجازات والإخفاقات

لقد حملت الساعات ال48 للمواجهة المفتوحة بين كتائب المقاومة الفلسطينية المسلحة وجيش العدو الصهيوني الكثير من المفاجآت، حققت خلالها قوى المقاومة إنجازات ميدانية على كافة الصعد والمستويات: العسكرية والأمنية والتسليحية واللوجستية والإعلامية، في مقابل سلسلة متصلة من الفشل والإخفاقات التي لاحقت قادة العدو السياسيين والعسكريين والأمنيين، التي انعكست توترا واتهامات متبادلة داخل الغرف المغلقة، وتظاهرات من قبل مستوطني «غلاف غزة» وحرق إطارات وقطع طرقات وهتافات ضد الحكومة التي اتهموها بأنها «جبانة» احتجاجاً على صورة الهزيمة التي مني بها الجيش، ما أدى إلى مصادمات بينهم وبين شرطة الاحتلال وفق إذاعة «ريشت كان» العبرية. فما هي أبرز إنجازات المقاومة الفلسطينية وإخفاقات العدو؟

الإنجاز الأول، نجحت المقاومة الفلسطينية بيقظة مجاهديها وجهوزيتهم في إفشال عملية “خانيونس” وقتل قائد المجموعة “الأمنية الخاصة” وهو برتبة مقدم في “وحدات النخبة” بجيش العدو وجرح آخر، وملاحقة بقية أفراد المجموعة بالنيران، اضطر معها العدو لاستخدام الطائرات الحربية والهليوكبتر لتغطية وسحب الفارين من الميدان، وتدمير الحافلة التي كانوا يستقلونها بأكثر من عشرة صواريخ.

وبهذه العملية سجل العدو أول إخفاقاته وفشله في هذه المواجهة، وهو ما أقر به مراسل إذاعة الجيش “الإسرائيلي” تساحي دبوش، الذي أكد بأن “العملية التي نفذها (جيش الاحتلال) مساء الأحد، فشلت على الرغم من أن نتنياهو تجند من أجل تضليل حركة حماس ودفعها لعدم أخذ الاحتياطات اللازمة”، مؤكدا أنه “لا يمكن تنفيذ هذه العملية دون الحصول على تصريح مسبق من نتنياهو”، أن الاحتلال “خسارته مزدوجة” في هذه العملية.

الإنجاز الثاني الذي حققته كتائب المقاومة الفلسطينية المسلحة تمثل بتدمير الحافلة العسكرية التي كانت تقل جنوداً صهاينة بصاروخ كورنيت مضاد للدروع، واللافت أن هذه العملية المصورة ضاعفت من تأثيراتها على قادة العدو وبخاصة العسكريين والأمنيين منهم. الذين حاولوا منع نشر هذا الشريط المصور بتدمير مبنى فضائية الأقصى، وغيرها من المباني.

وبهذا الخصوص قال “يوسي يهوشع” الكاتب والمحلل السياسي لصحيفة “معاريف” العبرية: “كادت حادثة الحافلة التي استهدفتها كتائب القسام أن تنتهي بشكل جنوني بمقتل 30 جنديا”… فلو “حدث ذلك السيناريو لأصبح رأس رئيس الأركان (غادي إيزنكوت) تحت المقصلة”.

الإنجاز الثالث، تمثل بإطلاق كتائب المقاومة مئات الصواريخ والقذائف باتجاه المستوطنات والمدن، وقد أدخلت المقاومة مدينة عسقلان في دائرة القصف المركز، تلقى المستوطنون فيها أكثر من 100 صاروخ، ما أدى إلى مقتل واحد منهم على الأقل وإصابة أكثر من 70 بينها إصابات خطيرة انتشلت من تحت أنقاض منازل مدمرة وفق وسائل إعلام عبرية، الأمر الذي دفع قيادة «الجبهة الداخلية» إلى الطلب من السكان الذين ليس لهم مكان في الغرف المحصنة بعد امتلائها، الجلوسَ في أماكن آمنة داخل منازلهم. لكن ذلك لم يلهِ المقاومة عن ضرورة استهداف “غلاف غزة” بالصواريخ الصغيرة وقذائف الهاون. وقد حافظت المقاومة على منسوب ردها العالي أمام القصف “الإسرائيلي” الذي بات مركزاً ضد أهداف مدنية لجعل الثمن كبيراً عليها…

أما الإخفاق الذي مني به العدو فتمثل بفشل منظومة القبة الحديدة في اعتراض صواريخ المقاومة، إذ اعترضت أقل من 100 صاروخ من أصل 460.. وعلق عضو الكنيست حاييم يلين بالقول: “خلال 24 ساعة تم إطلاق 500 صاروخ على “إسرائيل” – لقد اختفت القيادة وتركونا نتوجه إلى طريق مسدود.. أما المحللين والمعلقين في الكيان فطالبوا بالبحث عن أسباب الفشل، مقابل دفاع المؤسسة الأمنية عنها.

الناطق باسم جيش العدو، العميد رونن منليس، أشار في دفاعه إلى أن “أداء القبة الحديدية وصل إلى حده الأقصى، وهذا ما يمكن أن تقوم به، إذ لا أداء محكماً لدى المنظومة”. كذلك كشفت تقارير عبرية، أن الفصائل في غزة استطاعت العمل هذه المرة على تجاوز المنظومة، عبر تكثيف الهجمات وتعدد الصليات، وكذلك العمل على إطلاق الصواريخ من زوايا وأماكن يصعب على القبة تتبعها.

الإنجاز الرابع الذي نجحت بتحقيقه قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة، هو إفراغ المستوطنات والمدن الصهيونية من ساكنيها الصهاينة، ودفع عشرات الآلاف منهم إلى الاختباء بالملاجئ، وفرار أعداد منهم باتجاه الداخل المحتل…

في حين فشل العدو الصهيوني فشلا ذريعا، في استعادة ثقة الجمهور بقادته السياسيين والعسكريين والأمنيين على حد سواء، الذين لحقت بهم اتهامات الفشل والجبن والشتائم من قبل المستوطنين المتظاهرين الغاضبين في مستعمرات “غلاف غزة” من أداء قادتهم…

الإنجاز الخامس، تمثل بالوحدة الميدانية والشعبية التي تمظهرت بغرفة العمليات العسكرية المشتركة لكافة كتائب المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي قادت المواجهة، وبالالتفاف الشعبي الكبير حول المقاومين الذين طالبهم الغزيون بتصعيد المواجهة ضد هذا العدو الغادر. ولم تنفع عمليات التدمير الصهيونية الممنهجة في تأليب الرأي العام الفلسطيني ضد قواه المقاومة.. فكان هذا التلاحم الحجر الأساس في إلحاق الهزيمة بجيش العدو، وصنع الانتصار.

وفي المقابل شهد الكيان الصهيوني مواجهات علنية واتهامات متبادلة بين وزراء في الحكومة الواحدة، وتباينات واضحة بين مواقف الأجهزة الأمنية ومواقف الحكومة، لجهة استمرار المواجهة ووقف إطلاق النار والتهدئة، وهو ما ساهم في تعميق عدم ثقة الجمهور الصهيوني بقادته على اخلاف مؤسساتهم ومستوياتهم.

بعد 48 ساعة من المواجهات تحتفل غزة ومعها كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وكل المدافعين عن فلسطين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية والأحرار في العالم بإنجازاتها.. وتتعالى أصوات المتظاهرين بالدعوة لتعزيز الوحدة الميدانية المقاومة، ومواصلة التجهيز والإعداد، واستمرار مسيرات العودة…

وبالمقابل تظاهر المستوطنون ضد حكومتهم وقادتهم وأحرقوا الإطارات المطاطية وقطعوا الطرقات، واتهموا الحكومة بأنها جبانة، وذلك احتجاجا على صورة الهزيمة التي مني بها الجيش الذي زعم بعض قادتهم في يوما من الأيام أنه لا يهزم.

ان فشل عملية خانيونس الصهيونية “النوعية” ومشاهد الدمار والنيران التي التهمت المنشآت في المستوطنات، واستهداف حافلة الجنود، وعملية العلم النوعية، سوف تحفر عميقا في الذاكرة الصهيونية وتسهم في تعميق الإرباك لدى قادة العدو، الذين يتشاركون بسمة الفشل والعجز، وتضيق عليهم خياراتهم في مواجهة خيار الصمود والمقاومة في غزة وكل فلسطين.

يقول المعلق في صحيفة معاريف العبرية بن كسبيت، لا أحد في حارتنا (الشرق الأوسط ) يكترث لأقوال نتنياهو عن القوة. وقاسم سليماني الإيراني يواصل تموضعه في سورية كالمعتاد، وبوتين يصنع جميلا عندما يخصص لنتنياهو دقيقتين لمحادثة، ولم تبدو القوة “الإسرائيلية” هشة إلى هذه الدرجة منذ مدة طويلة، رغم أنها حقيقية”.

*كاتب فلسطيني مقيم في بيروت

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق