لماذا لم تحذر تركيا خاشقجي من الذهاب للقنصلية السعودية في إسطنبول؟

المجهر نيوز

هشام البواب

المقرات الدبلوماسية تشكل مركزا مهما لتجسس الدول بعضها على بعض، حتى الدول الحليفة ذات العلاقات الحميمية تتجسس على بعضها، فما بالك بدول بينها خلافات وصراعات وثأر كما هو الحال مثلا بين السعودية وتركيا.

والتجسس يكون من الجانبين: السفارات دورها الرئيسي (غير الرسمي) هو التجسس على الدول المُستضيفة لها. والدول المُضيفة تتجسس بدورها على السفارات والقنصليات والدبلوماسيين المتواجدين في بلدها، فالمقرات الدبلوماسية بوابة التجسس القريبة والسهلة على دول بعيدة.

دور أجهزة الاستخبارات

دور أجهزة الاستخبارات هو استشراف ما تنوي الدول العدوة والصديقة على السواء فعله! ومن ثم، وحسب ما تقتضيه مصلحة الدولة: منع حدوث الفعل، أو ترك حدوثه، أو حتى تسهيل حدوثه (بطريقة مباشرة أو غير مباشرة). قوة أجهزة الاستخبارات وجدارتها تكمن في مدى تحقيقها لهذه الوظيفة: (استشراف مخططات الدول العدوة والصديقة، ومنع أو ترك تنفيذها، حسب مصلحة الدولة)، هذا حتى لو كانت المخططات يتم ترتيبها وتدبيرها في بلدان خارج سلطة الدولة التي تتبع لها أجهزة الاستخبارات، فما بالك لو كان تدبير المخططات يتم من داخل البلد الذي يخضع لسلطة المخابرات.

لمحة عن كيفية عمل أجهزة الاستخبارات و”نظام الإنذار”

كل من له ولو اطلاع بسيط على كيفية عمل أجهزة الاستخبارات، بقراءة الكتب المنشورة عن ذلك، يعلم على سبيل المثال لا الحصر، أن المقرات الدبلوماسية والدبلوماسيين تضعهم مخابرات الدولة المُضيفة تحت المراقبة الدائمة، حتى لو كانوا لدولة صديقة، فما بالك لو كانوا تابعين لدولة عدوة أو في صراع وخلاف مع الدولة المُضيفة.

صحيح أن أجهزة الاستخبارات لها أولويات في فحص وتحليل المعلومات والمواد التي تجمعها عن طريق أدوات التنصت ومن التقارير التي يكتبها الجواسيس والعملاء، ومن المعلومات التي تلخصها الفرق المختصة بتصفح الأخبار والأبحاث والمعلومات التي تُنشر في الصحف والمجلات والإذاعات والكتب والمواقع الإعلامية المحلية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك، انستغرام، واتساب، الخ)، الى غير ذلك من أدوات جمع المعلومات والتجسس، إلا أن لأجهزة الاستخبارات ما يمكن تسميته “نظام إنذار” يُنبئها مبكرا إذا كان هناك عمل ما بدأ الترتيب له، ويُلزمها قانونيا بالتركيز على الجهات المشتبه بترتيبها للعمل ورفع وتوسيع مستوى التجسس عليها، وفحص وتحليل كل أدوات ونتائج التجسس والتنصت عليها على الفور، بل وعلى المباشر ـ في وقت تسجيل المكالمات والمحادثات ـ.

هل الاستخبارات التركية مؤسسة هواة فاشلة؟

فمثلا لما ترى تركيا فجأة حركة دخول وخروج غير طبيعية لدبلوماسيين سعوديين كُثُر من وإلى تركيا (كما حصل أياما وأسابيع قبل مقتل خاشقجي)، ونقل معدات وأغراض لتركيا، واستعمال الدبلوماسيين لطائرات خاصة، ولما ترصد تركيا ارتفاع عدد المكالمات والاتصالات بين مقرات دبلوماسية سعودية في تركيا ومسؤولين سعوديين كبار في السعودية وأمريكا، وغير ذلك من التحركات السعودية داخل تركيا، فالبديهي الذي تستنتجه أي مخابرات في العالم هو أن هناك عمل ما يتم التحضير له، فتشرع على الفور بفحص كل أجهزة التجسس وتحليل كل المعلومات التي جمعتها، وتزيد من عمليات الرصد لكل تحرك، لاستشراف نوع “الطبخة” التي تخطط لها السعودية. فتحرك دبلوماسي من هذا النوع يعني بداهة أن هناك شيء ما تدبره السعودية، هذا سيستنتجه الهاوي الذي اكتسب بعض الحس المخابراتي فقط من مشاهدة أفلام “جيمس بوند” مثلا، فما بالك بمؤسسات وموظفين محترفين ومدربين؟

فلما تخرج المخابرات التركية بعد مقتل جمال خاشقجي وتقطيع جثته وتذويبها ورحيل كل السعوديين المتورطين في الجريمة بأمان الى السعودية، لتفيدنا بعد انتهاء كل شيء بتفاصيل ما حدث قبل وخلال وبعد مقتل خاشقجي، استنادا لتسجيلات تجسس لم تَطَّلِع عليها تركيا، حسب الرواية المزعومة، إلا بعدما وقعت الواقعة، فإن سلَّمنا جدلا بصحة هذا الادعاء، فهو يعبر عن فشل ذريع للمخابرات التركية، ويجب على البرلمان التركي استجوابها ومحاسبتها ومعاقبة مسؤولين كبار فيها. فأجهزة الاستخبارات ليست محطات إعلامية دورها نشر تفاصيل جرائم مثيرة بعد حدوثها، وإنما واجبها منع حدوث تلك الجرائم من الأصل، وإلا لم تؤدي مهمتها.

فنحن أمام احتمالين، إما أن المخابرات التركية مؤسسة مبتدئين وهواة، فاشلة، إذ لم تستطع مسبقا اكتشاف خطة السعودية التي كانت تهدف لاستدراج خاشقجي وقتله، رغم كل الإرهاصات والتحركات المكثفة وغير العادية للمخابرات والدبلوماسيين السعوديين في تركيا قبيل وقوع الجريمة. أو أن المخابرات التركية كانت على علم مسبق بالعملية المدبرة وتركت خاشقجي يذهب لحتفه.

لا أظن أن أي عاقل محايد يصدق أن الاستخبارات التركية بهذه الدرجة من الضعف والهزل لكيلا تكون وصلت، استنادا لما سبق ذكره، الى الاستنتاج مبكرا أن السعودية تعد “طبخة” ما في تركيا، بل ولا يمكن التصديق أنها لم تكن تعلم نوع الطبخة أيضا، وأن هدف السعودية هو جمال خاشقجي. فحتى لو افترضنا جدلا أن بعد رصد تركيا للتحركات غير العادية للدبلوماسيين السعوديين واتصالاتهم ومحادثاتهم، فعلمت أن السعودية ترتب لاستهداف شخص ما في تركيا، لكن لم تعرف الشخص المُستهدف. فهنا يُرَد على هذا الادعاء أن أي أجهزة استخبارات، مهما كانت ضعيفة وهزيلة، يسهل عليها ربط التحرك السعودي في تركيا بحلول جمال خاشقجي فيها، الرجل الذي يعلم الكل أن النظام السعودي يعاديه ويريد على أقل تقدير خطفه وإعادته الى السعودية كما فعل مع غيره من المعارضين والأمراء من قبل.

والجدير بالذكر أن صحيفة “دايلي إكسبريس″ البريطانية، نشرت خبرا يوم 29 أكتوبر 2018م مفاده أن الاستخبارات البريطانية كانت على علم مسبق بـ”المؤامرة السعودية” على الصحفي جمال خاشقجي، قبل نحو ثلاثة أسابيع من مقتله. وقالت الصحيفة إن الاستخبارات البريطانية اعترضت اتصالات داخلية أجرتها رئاسة الاستخبارات السعودية تحمل أوامر من “فرد من الأسرة المالكة” باختطاف الصحافي “المزعج” (تقصد خاشقجي) وإعادته إلى السعودية.

فإذا كانت لدى مخابرات بريطانيا معلومات مسبقة على خطة استهداف خاشقجي، فالأولى أن تكون تركيا على علم مسبق بالعملية التي كانت تركيا مقر تدبيرها، تحت سمع وبصر وفي مجال سلطان المخابرات التركية.

لماذا لم تحذر تركيا خاشقجي من الذهاب للقنصلية السعودية في إسطنبول؟

هذا السؤال يقتضي أن عِلم تركيا المسبق بتآمر السعودية لاستدراج جمال خاشقجي الى تركيا وقتله في قنصليتها في إسطنبول أمر شبه محسوم. فكما أنه لا يشك عاقل محايد أن محمد بن سلمان كان يعلم مسبقا بخطة قتل خاشقجي، بل وهو من أمر بذلك. كذلك، بعد كل ما سربته المخابرات التركية عن تفاصيل ما قامت به السعودية قبل وخلال وبعد مقتل خاشقجي، يصعب جدا على كل عاقل محايد ألا يستنج أن تركيا كانت على علم مسبق بخطة السعودية لاستدراج خاشقجي الى تركيا وقتله في قنصليتها.

فلا يسعنا إلا أن نستنتج مما تقدم أن المخابرات التركية تركت خاشقجي يذهب لحتفه، بغية استغلال الجريمة لتحقيق مكاسب سياسية. وأحد أهم المكاسب السياسية التي تسعى لها تركيا هو إنهاء المشوار السياسي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان. محمد بن سلمان الشاب الطائش المتهور العدائي، كما عرفه ووصفه عديد من السياسيين في العالم والهاربين الى الخارج من بطش آل سعود، تحركاته اللاعقلانية التدميرية موجهة ليس ضد قطر فحسب، بل الى حد ما كذلك ضد تركيا. وليس المجال هنا لبحث نوع الخلافات بين تركيا والسعودية وخلفياتها. تركيا (وقطر) تأمل في التخلص من بن سلمان اتقاء كثير ومزيد من الشر الذي لن يطال الشرق الأوسط فحسب، بل سيمتد الى بلدان إسلامية كثيرة، إذا بقي بن سلمان في الحكم.

فكل تصرفات وتصريحات تركيا بخصوص مقتل خاشقجي، منذ إعلان اختفاءه في القنصلية السعودية في إسطنبول مساء الثاني من أكتوبر 2018م، تدل على أن تركيا هدفها الأول هو إسقاط محمد بن سلمان نفسه، الآمر بتصفية خاشقجي، ولم تهتم لكل المخططين والمنفذين لعلمية التصفية، بل ولم تهتم لخاشقجي نفسه، إذ تركت الجريمة تُرتكب ضده.

ولا تستغربوا لتضحية السلطات التركية بخاشقجي، فالسياسة وعالم المخابرات (الغير منضبطين بأحكام الإسلام) لا يعرفان أخلاقا ولا مشاعر ولا إنسانية. فأحداث كثيرة في التاريخ القريب والبعيد علمتنا كم جرائم ارتكبتها دول بنفسها (خِفْية) ضد مواطنيها أو بنايات تابعة لها، لتبرر بها ما تلاها من سياسات وقرارات وحروب لتلك الدول.

السلطات التركية لم تعلن عن اختفاء خاشقجي إلا بعدما انتهى المجرمون من جريمتهم وغادر معظمهم تركيا. والسلطات التركية لم تحاول منع أي واحد من المتهمين من مغادرة البلاد.

تركيا سمحت حتى للقنصل السعودي، محمد العتيبي، بمغادرة البلاد يوم 16 أكتوبر 2018م (بعدما أصبح مقتل خاشقجي ثابتا حتى إعلاميا)، رغم أن قوانين “اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963م” تبيح لتركيا اعتقاله إذا كان متهما بِـ “جريمة خطيرة”. فجريمة قتل خاشقجي ارتُكبت في القنصلية التي يترأسها القنصل وهو المسؤول عن كل ما يحدث فيها، وتصفية خاشقجي تمت خلال تواجد القنصل في القنصلية. قوانين الحصانة تختلف بين القنصليات والسفارات كما بيَّنتُ في بحث سابق تحت عنوان “لمحة تاريخية وحالية لواقع الحصانات الديبلوماسية”، وتبيح للدول المُضيفة اعتقال أصحاب “الحصانات القنصلية” إذا كانوا متورطين في “جرائم خطيرة”.

وبالنسبة لباقي المتهمين في جريمة تصفية خاشقجي من ذوي الحصانات الدبلوماسية، حتى لو لم تسمح القوانين باعتقالهم، كان بإمكان تركيا منعهم من مغادرة البلاد، ثم تقديم طلب للسعودية لرفع الحصانة الدبلوماسية عنهم (حسب قوانين فيينا للعلاقات الدبلوماسية)، ليمكنها بعد ذلك محاكمتهم في تركيا. ومع الضغط الإعلامي والدولي الذي مورس بشدة على السعودية، كانت ستضطر مرغمة لرفع الحصانة عن المتهمين، فالنظام السعودي الذي أُجبر مؤخرا على الاعتراف بقتل خاشقجي في قنصليته في إسطنبول وتقطيع جثته للتخلص منها، لم يكن ليتحمل الضغوطات الأكبر والموقف الأسوأ بإبقاء السعودية الحصانة الدبلوماسية على مجرمين قتلة، بعدما ثبت تورطهم في الجريمة البشعة. أما أن تسمح تركيا لكل المتهمين بمغادرة البلاد، ثم تطلب من السعودية تسليمهم لها لمحاكمتهم، فهذا دليل على عدم جدية تركيا في متابعة ومحاكمة الجناة في محاكمها.

كما أن تركيا لم تطرد السفير السعودي ولا أي ديبلوماسي سعودي، ولا حتى أمرت بإنهاء تواجد القنصلية السعودية في إسطنبول وإفراغ البناية. فلا يُعقل أن يُضطر الناس، من أجل قضاء مصالحهم الإدارية، لدخول بنايةٍ ارتُكبت فيها جريمة بشعة وأصبحت تزرع الرعب والاشمئزاز في نفوس داخليها، بناية أصبحت ترمز أقرب الى معتقل تعذيب ومسلخ بشري منها الى قنصلية.

إذًا الحملة التي تقوم بها تركيا بخصوص قتل خاشقجي هدفها سياسي بالدرجة الأولى وليس قضائي وحقوقي أو إنساني، هدفها الإطاحة بالآمر بقتل خاشقجي، الإطاحة بمحمد بن سلمان.

(محلل سياسي مستقل)

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق