الدولة القوية: الإصلاحات السياسية حاجة مستمرة في الاردن

المجهر نيوز

الدكتور عارف بني حمد

تحدث دولة الرئيس مؤخرا حول خطته للعامين القادمين والتي تهدف في النهاية للوصول الى الدولة القوية ، والتي تتأتى  وفقا لرؤية دولته من الإصلاحات السياسية وصون الحريات وتطبيق القانون على الجميع وحماية المال العام وتعميق روح المواطنة الفاعلة . ونحن نشاطر دولته بأن الإصلاح السياسي هو الأساس  والمتطلب السابق الذي يعالج  الأزمة الاقتصادية ومكافحة الفساد ويعزز الرقابة الشعبية  ويحقق العدالة الاجتماعية ويعيد الثقة بالنظام السياسي ككل وبالتالي يزيد من الشرعية السياسية للنظام ، وهذا يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية للقيام بإصلاحات سياسية حقيقية .

وبهذه المناسبة نوضح بأن مفهوم الاصلاحات السياسية يعني عملية تعديل وتطوير جذرية أو جزئية في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية داخل الدولة في إطار النظام السياسي القائم وبالوسائل  الدستورية واستناداً لمفهوم التدرج، وبمعنى آخر فإنه يعني تطوير كفاءة وفاعلية النظام السياسي في بيئته المحيطة داخلياً وخارجياً. وتهدف الإصلاحات  السياسية في النهاية الى تعزيز شرعية النظام السياسي  والوصول إلى دولة  ديمقراطية عصرية مستقرة ، يستند فيها الحكم إلى شرعية دستورية وقانونية وشعبية ، وبالتالي تحقيق الإستقرار السياسي وتعزيز ثقة الناس بالنظام السياسي ومؤسساته .

 وتاريخيا إتبع الأردن منذ تأسيس الإمارة عام 1921 إسلوب التدرج في الإصلاحات السياسية والدستورية، وإرتبطت الإصلاحات بظروف الأردن الداخلية والتطورات الٌإقليمية ، وتأثرت سلبا بالصراع العربي – الإسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية وفقدان الأردن للضفة الغربية عام 1967 الى أن أستونفت الحياة الديمقراطية عام 1989 بعد فك الإرتباط مع الضفة الغربية وفي أعقاب أحداث نيسان .

وواجه الأردن تحديات جدية وحالة عدم إستقرار سياسي مع إندلاع أحداث الربيع العربي ، التي بدأت بتونس عام  2010 وإنتقلت الى عدد من الدول العربية الاخرى (مصر ، ليبيا، سوريا ، اليمن ، الأردن ، المغرب ، البحرين ،سلطنة عمان )، ورفعت شعارات في الأنظمة الجمهورية طالبت بإسقاط الأنظمة، بينما في الأنظمة الملكية كانت تطالب بإصلاح الأنظمة.  ففي البداية إستهدفت أحداث الربيع العربي الأنظمة الجمهورية العربية ، والتي عانى فيها المواطن من الاستبداد والفساد وقمع الحريات، والإعتداء على كرامة الناس، وقد نجحت هذه  الأحداث بإسقاط أنظمة كل من :-  تونس  ، مصر، ليبيا، اليمن، بينما في سوريا لا زالت الأحداث مستمرة وتم تدويل الأزمة السورية . ثم انتقلت أحداث  الربيع العربي إلى بعض الأنظمة الملكية العربية (الأردن، المغرب، سلطنة عُمان ، البحرين ) عام 2011، على شكل احتجاجات وحراكات شعبية تطالب بإصلاح هذه الأنظمة، من خلال إجراء إصلاحات سياسية ودستورية تعيد التوازن بين السلطات الثلاث، وتطالب أيضا بمكافحة الفساد المالي والإداري ، وحل مشكلة البطالة والفقر،  وتحقيق تكافوء الفرص والعدالة الإجتماعية .

إن تفاقم الأوضاع الاقتصادية (العجز في الموازنة ، المديونية العالية ، التضخم، البطالة، انخفاض مستوى معيشة الناس، ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات)، وكذلك انتشار الفساد المالي والإداري وغياب تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية كل ذلك ساهم في وصول الربيع العربي للأردن ، وكانت المطالب في البداية تنحصر بعدد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفساد المالي والإداري، ثم تطورت الشعارات لتطالب بالإصلاحات السياسية  والدستورية والعودة لدستور عام 1952، لتعزيز دور مجلس النواب من خلال تعزيز الفصل بين السلطات، للحيلولة دون تغول السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى التشريعية والقضائية.

وقد ساهمت عدة عوامل في تجنيب الأنظمة الملكية ومن بينها الأردن مصير بعض الأنظمة الجمهورية، أبرزها :- شرعية الأنظمة الملكية (تاريخية، دينية ،قبلية) التي لا تزال تحظى بقبول ورضا المواطنين ولم تكن دموية ، التكيف والمرونة وعدم اللجوء  للحل الأمني في  التعامل مع مطالب الحراكات الشعبية، والإستجابة لجزء كبير من مطالب المواطنين بإجراء إصلاحات سياسية.

وقد إستجاب النظام السياسي الأردني  لمطالب الحراكات الشعبية  بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية ،  وتم استكمالها  في عامين (2011 و2012)،  وتمثلت  الاصلاحات بإقرار حزمة من التعديلات الدستورية شملت( 42 ) تعديلاً على نصوص الدستور الأردني، أهمها: إنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، وتعديل مواد تتعلق بتمكين الحريات وحمايتها، وتقليص اختصاص محكمة أمن الدولة، إضافة إلى توفير ضمانات دستورية لحل مجلس النواب تتمثل باستقالة الحكومة التي تنسب بحل المجلس خلال أسبوع من تاريخ الحل، وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات .

كما أن حالة التكيف السياسي للنظام السياسي الأردني وقيامه بإصلاحات سياسية ودستورية إستجابة لمطالب المواطنين قد لعبت دورا رئيسا في تحقيق إستقرار نسسبي في الأردن، لكن بعض القوى السياسية  والحراكية لا زالت تطالب بمزيد من الإصلاحات السياسية والدستورية ، مما دفع جلالة الملك الى إصدار أوراق نقاشية لتطوير الحياة السياسية، لكنها لم تحظ بإهتمام من قبل الحكومات المتعاقبة ومجلس الأمة لتجسيد هذه الأفكارعلى شكل تعديلات دستورية وقوانين للوصول الى حكومات برلمانية حقيقية   .

إن الإصلاح السياسي مهم لإستقرار أي نظام سياسي يريد الاستمرار والبقاء، لعلاقته المباشرة مع التكيف السياسي واستيعاب المتغيرات السياسية والاجتماعية، وهو عكس الجمود إذ أن الأنظمة الجامدة التي لا تستطيع التكيف هي التي تنتج الجمود السياسي والاقتصادي، وتعيش حالة عدم استقرار.

وعلى ضوء ذلك مطلوب من النظام السياسي  الواثق من نفسه والمعزز بالشرعية الشعبية  المضي قدماً وبدون تردد بإجراء المزيد من الإصلاحات السياسية والدستورية  وفقا لرؤية الملك في الأوراق النقاشية ، وإزالة التشوهات التي طرأت على دستور 1952 لإعادة التوازن والفصل بين السلطات الثلاث وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، من خلال وضع التشريعات اللازمة الخاصة بتعزيز الحياة الحزبية، وإعداد قانون انتخاب أكثر تمثيلاً يحظى بقبول أغلبية القوى السياسية والحزبية ، تمهيداً للوصول إلى حكومات برلمانية حقيقية. وكذلك القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة ومحاربة الفساد المالي والإداري .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق