كيف نعيد بناء الإنسان العربي عموما والسوري خصوصا

المجهر نيوز

د. عبد الحميد سلوم

كثُرَت في هذه الأيام الأحاديث عن إعادة بناء الإنسان العربي، والسوري على وجه الخصوص وذلك في موازاة كثرة الحديث عن إعادة الإعمار في سورية.. بل هناك من يجادلون أن إعمار الإنسان أهم من إعمار الحجَر، وهذا صحيح ولكن كيف؟. لم يُخبِرنا أحدٌ عن كيفية إعادة إعمار الإنسان العربي بما فيه الإنسان السوري، وما هو هذا الإنسان الذي بأذهانهم.. بقي الأمر حتى اليوم مجرّد أحاديث وتصريحات ليست لها أية إستراتيجية ورؤية واضح تستند إلى أسس صحيحة ومتينة .

لو أخذنا على سبيل المثال الإنسان السوري (وأُفضِّل أن أقتبس من بلدي لأن ما عانته من دماء ودمار غير مسبوق في أي بلد عربي) وتتبعنا الأجيال السورية الحالية، فقد تم بناؤها وإعمارها منذ أكثر من نصف قرن في رياض الأطفال والطلائع والشبيبة والمدارس والجامعات التي تخضع جميعا لإشراف الدولة وحزب البعث، وأخيرا نكتشف هول الصدمة أن هذه الأجيال تحتاج لإعادة إعمار.. إذا الاستنتاج الأولي والبسيط أن طريقة إلإعمار والبناء والتنشئة لهذه الأجيال كانت كلها فاشلة، وهذا يعني أن العودة لذات النهج والطريقة والأسلوب تعني العودة إلى المربّع الأول وهذه مآلها أيضا الفشل.

الاستمرار في ذات الأسلوب يعني السير في ذات الفشل وعدم الاتعاظ أو التعلُّم من كل التجارب السابقة والفاشلة بامتياز.. إذا ما هو السبيل؟. ما هو الطريق الجديد الذي يجب أن نعتمده هذه المرّة لإعادة بناء الإنسان العربي عموما، والسوري الذي تدمرت بلاده بيدِ أبنائه خصوصا؟.

الطريق الجديد واضح جدا جدا، وهو السبيل الوحيد لبناء الإنسان الذي نطمح إليه سواء في سورية وغير سورية، ودونه كلها طُرُقا فاشلة. إنه الطريق الذي رسمهُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ عام 1948 والذي صدر بقرار للجمعية العامة للأمم المتحدة. فضلا عن الالتزام بكافة الصكوك الدولية في مساعينا لإعادة بناء الإنسان السوري، لأن ما ورد في تلك الصكوك هو ما يتناسب ويتلاءم مع تكوين الإنسان الفطري الذي حباهُ إياه الله، وهو ذات التكوين الذي وصفه الخليفة عمر بن الخطاب في جملة واحدة حينما قال لواليهِ على مصر: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..) .

حينما نفكر بإعادة بناء الإنسان العربي، السوري وغير السوري، وسوف نركِّز على السوري لأنه لم تعاني بلدا عربيا من حيث الدماء والدمار ما عانتهُ سورية ( وأكرر :على يد أبنائها) فعلينا أن نفكر أولا بتطبيق سياسة تربوية منذ رياض الأطفال ومرحلة الطلائع وحتى الجامعة، نُربِّي فيها الإنسان على معرفته أولا بحقوقه، ونغرس فيه الوعي والإدراك بأن هذه الحقوق مقدسة ولا يجوز له أن يسمح بالمساس بها من أي جهة كانت، حتى لو كانت الدولة. هذه الحقوق ، كما أشرتُ، واضحة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي إعلان طهران المنبثق عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان عام 1968 ، وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 ، وكذلك العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي تبنته الجمعية العامة عام 1966 ، وأخيرا مخرجات مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان لعام 1993 .

حينما نتحدث عن إعادة تربية وبناء الإنسان السوري فيجب على هذا البناء أن يستند على تلك الركائز وإلا يكون بناء هشّا قابلا للانهيار بأية لحظة. وهذا يتطلب إدخال مادة للمناهج التربوية اسمها ( مادة حقوق الإنسان) وتوعية الأجيال على حقوقها.  وهذا ما يجب أن يكون في كافة البلدان العربية . فإسرائيل لم تهزمنا فقط بقوة السلاح وإنما بضعف، أو انعدام معرفة الإنسان العربي بحقوقه أولا والتشبث بها، ولذا بدى هذا الإنسان غير مكترث إلا بهمومه الشخصية الضيقة.

إعادة بناء الإنسان يجب أن تقوم على الإيمان بحرية الإنسان وكرامته وحقه في التعبير والرأي والعدالة والمساواة ، وأية تربية تقوم على سلبِ الإنسان لحريته وكرامته وتقوم على تغييب العقل والتجهيل حتى لا يعرف الإنسان ما هي حقوقه ويبقى عبدا تابعا، فهذه ليست إعادة بناء للإنسان وإنما إعادة تدمير للإنسان.

في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاء ما يلي:

(لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم …..ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالمٍ يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة….. ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.. فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ..الخ .).

ثم تقول المادة رقم واحد في هذا الإعلان: يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وُهِبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء.

وتقول المادة الثانية: لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقو ق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز.

وجاء في المادة الخامسة: لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة  القاسية أو اللاانسانية أو الحاطّة بالكرامة.

وجاء في المادة السابعة: الناس جميعا سواء أمام القانون.

وجاء في المادة التاسعة: لا يجوز اعتقال أي انسان أو حجزه أو نفيه تعسُّفا.

وجاء في المادة 19 لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير..

وجاء في المادة 21 لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده .. وأن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم ، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين ..

وجاء في المادة 25 : لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته ، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية ، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو الشيخوخة أو غير ذلك..

إذا إعادة بناء الإنسان السوري يجب أن تستند على هذه الأسس والمبادئ التي تعزّزت أكثر في (إعلان وبرنامج عمل فيينا 1993 ) الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان..

أدعو من يتحدثون عن إعادة بناء الإنسان السوري أن يقرءوا كل تلك الصكوك الدولية، ومن ثم يضعون كتابا من وحيها يُدرّس في المدارس السورية، وفي المنظمات الشعبية، وفي الأحزاب السياسية، وفي الإعلام، وحينها فقط ننتج إنسان سوري جديد صحيح وغير مُزيّف .

نحن في سورية، وفي التربية السابقة التي ثبت فشلها الذريع كنا نبني الإنسان المُزيّف، كما العملة المزيفة وغير الصحيحة، فلا نعلمه كيف يرفع صوته ويقول رأيه بكل جرأة وشجاعة ودون خوف، بل كان يتعلم منذ صغره كيف يساير وينافق، وهكذا كان يتعوّد في مرحلة مبكرة على الكذب والنفاق، ثم تكبر معه هذه الصفات فيتعوّد لاحقا على التمسيح والانبطاح والانتهازية والوصولية والمجاملة الكاذبة، ولا يجرؤ أن يعبر بحرية عما بداخله بسبب الخوف والفزع.. ولذا باتت لدينا دولة غاب فيها العمل المؤسساتي وسلطة القانون (إلا على الضعفاء) وبات لدينا مجتمعا فاقدا لكل القيم والروابط الأخلاقية والإنسانية. وغاب الشعور بالمسؤولية الوطنية وانعدمت كل المعايير التي تفرز بين السيئ والجيد، بين الشريف واللص، بين الوطني الغيور وبين السارق والمرتشي والمغتني عن طريق استغلال السلطة والنفوذ.

هذه التربية السابقة رسّخت كل المعاني التخريبية في الوطن فبات الشريف موضع تندُّر وسخرية لأنه لم يعرف كيف يسرق ويرتشي ويستغل سلطته ونفوذه من أجل الثراء وجمع الأموال. والأنكى أن المرتكبين والسارقين هم أكثر من يبيعون الوطنيات، هم وأولادهم.

نريد إعادة بناء الإنسان السوري؟. فكِّروا بما جاء في هذا المقال وإلا فلا أملا ببناء إنسان سوري في ظل التربية القديمة الفاشلة. الإنسان لا يتربى بالخوف وإحناء الرأس.. إنه يتربى بالحرية ورفع الرأس. التربية السابقة هي من علّمت الإنسان السوري كل أشكال الكذب والنفاق والانتهاز  التي  نشكو من نتائجها وآثارها اليوم، وهذه عوامل غير وطنية، لأنه لا يستطيع أن يكون صادقا ويعبر عن صدقه بحرية فهذا يؤدي به إلى خراب بيته.. ولذا لا بُد من الكذب .. وهكذا باتت لدينا دولة كذابين ومجتمع كذابين.. وإن كانت إعادة تربية الإنسان السوري ستقوم على ذات الأسس والمبادئ السابقة التي ثبت فشلها فهذه لن تُعلِّم إلا ذات الثقافة السابقة التي تفتقد للعوامل الوطنية وتنتج الإنسان المنافق ذي الأوجه المتعددة والمتلونة والمتقلبة.

نحن بحاجة للإنسان الوطني الذي يرى نفسه من خلال الوطن ولا يرى الوطن من خلال نفسه.. نحن بحاجة للتربية التي تجعل من الإنسان متصالحا مع نفسه وليست له عدة وجوه ، يتلون ويتقلب بحسب مصالحه الشخصية. نحن بحاجة للإنسان الذي يتعفف عن الفساد والسرقة والنصب والاحتيال والغش والخداع والاحتكار  والذي يبحث عن الثراء بكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة ، وهذه كلها عوامل غير وطنية.. نحن بحاجة للإنسان الذي يحترم الأنظمة والقوانين والمعايير المتساوية وتكافؤ الفرص، وليس الإنسان الذي يدعس على كل ذلك ويفكر قبل كل شيء بمصالحه الخاصة حينما يستلم موقع مسؤولية.

إذا يبقى السؤال: كيف يمكن أن نبني هذا الإنسان؟. لا يمكن بناؤه إلا بالأسس والعوامل والمبادئ التي أشرت إليها أعلاه وإلا كل كلام عن إعادة بناء الإنسان السوري هو مجرّد استهلاك وإضاعة للوقت لا أكثر.

وزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email
تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق