آهات ساكنة

المجهر نيوز

الكاتب مراد ساره

عندما يتغلب الوجع على سنين عمرك ويشد أذيال ملامحك الفقيرة ويجعد أطرافها ، سوف تعرف كيف سقطت تلك الشجرة بعد أن تيبست وريقاتها ونزفت أطراف اغصانها وأصبحت حريق المدافئ .

في المخيم كانت الاوجاع صامتة حتى لا تزعج ملك الموت ، قبور فوق الارض نزلت لعذابها الامم ، والملائكة من كانت تنظرنا بعين الرحمة والشفقة ، كان الكل امواتاً برغم استصدار شهادات ميلاد .

العيادة كانت تسمى ب (الحكمة) ، وراس الحكمة أن تخاف الله وكأنك انتقلت الى البرزخ بدمغة أممية ممهورة بعلامةٍ زرقاء (UN) ، وخز للضمائر بأبر ضد الحصبة والكوليرا والسل والتفوئيد ، وكأننا بحاجة إلى (رج) للضمائر بعد أن تعطلت (هؤلاء وأولئك وهم) وقضي علينا (نحن) .

كنت ابكي كثيراً لكثرة الوخز ب (العضل) ، مؤخرات تكشفت بفعل النكبة ، ودماء سالت من الوريد حتى ندافع عن الوطن ، فمن يعيد تجميع الاشلاء وكل الشواهد اصبحت فوق المدافن بعيداً عن الوطن .

بعد وجع كل إبرة لا بد أن تحصل على (كعكة بسمسم) محشوة بالزعتر ، وسيلة اسكات الاطفال الوحيدة بعد أن دفعت قرص (الكسيبة) واستمتعت بصوت (العامري) الذي يمدك بالعزيمة وهو الضرير الوحيد الذي قهر الحياة .

كبرتُ وسكن الوجع ، وحمل الحب كل الآهات وتركها على لسان ام كلثوم وميادة ووردة ، وهرمتُ وبدأت الحياة بالقسوة وانا الذي لا أزور الطبيب ولا أشرب الادوية ، فقد يأتي الموت بغتة ً ولا أحتاج بعدها لأي وصفة .

في رحلة الشقاء الاخيرة وجدت أخاً مسح اوجاع الماضي ونظف الهواء من الميكروبات الضالة لطريقها والهاربة إلى قلب المخيم ، الدكتور (طارق الجيلاني) جعلني استبدل (آآآآه) الوجع الساكنة ب (أأأأأخ) جميل اتحسس من أخلاقه الشفاء وأخذ من فرعه الطيب بلسم يعيد لقلبي الحياة .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق