عمر نجيب: نقلة جديدة في الحرب شبه الدولية على أرض الشام هل هي نهاية فترة الترقب في مواجهة واشنطن وأنقرة ؟

المجهر نيوز

عمر نجيب

  في نهاية شهر أغسطس 2018 كان جزء كبير من مصادر الرصد في العالم يقدر أن الجيش العربي السوري وبعد تطهيره منطقتي درعا والجولان في جنوب البلاد من التنظيمات المسلحة رغم المعارضة والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية، سيتجه نحو منطقة ادلب في الشمال الغربي لسوريا لتنفيذ نفس المهمة، واعتبر محللون أن معركة إدلب ستشكل آخر المعارك الكبرى في الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهر مارس 2011، وأنه بعد ذلك سيأتي الدور على المناطق الواقعة شرق الفرات وعفرين حيث توجد وحدات عسكرية أمريكية تعدادها حوالي 2540 جندي وبضع عشرات من جنود بريطانيين وفرنسيين تساند تنظيمات عسكرية كردية، في حين توجد وحدات عسكرية تركية متمركزة في جيب عفرين.

  هجوم الجيش السوري لم يتبلور في ذلك التوقيت لأسباب كثيرة وتم الاتفاق بين دمشق وموسكو على تأجيله مؤقتا. يقول ملاحظون أن الولايات المتحدة كانت قد قررت صيف سنة 2018 شن هجوم واسع بالطيران والصواريخ على سوريا بدعم بري من جانب الجيش التركي تحت غطاء اتهام دمشق بإستخدام الأسلحة الكيميائية ولردع مثل هذا المخطط نشر الكرملين جزء هاما من أسطولي المتوسط والبحر الأسود في شرق البحر الأبيض، مما جعل بعض المراقبين يحذرون من خطر مواجهة قد تقود إلى حرب عالمية ثالثة,

تهدئة مؤقتة

  في نطاق المناورات المعقدة للحرب في بلاد الشام وكما تم في مناسبات سابقة وخاصة في الجنوب السوري المحاذي لفلسطين المحتلة والأردن اختارت موسكو أسلوب القضم التدريجي بعد اتفاق على تهدئة مؤقتة.

 في منطقة عازلة منزوعة السلاح، وجد الروس والأتراك مساحة تفاهم لتجنب عملية عسكرية في محافظة إدلب السورية التي تعج بالمدنيين والمسلحين أيضا.

وحددت مذكرة التفاهم، التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي يوم 17 سبتمبر 2018 ملامح المنطقة العازلة وآلية تنفيذها.

وكان هدف المنطقة منزوعة السلاح، التي دخلت حيز التنفيذ في 15 أكتوبر إنشاء حد فاصل بين القوات السورية الحكومية من جهة والفصائل المسلحة من جهة أخرى.

ويتراوح عرض المنطقة بين 15 و20 كيلومترا على طول خط التماس بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة.

وسيتعين على “جميع الفصائل المسلحة” إخلاء المنطقة من السلاح الثقيل بحلول العاشر من أكتوبر. وبحسب مذكرة التفاهم، كان يتعين على فصائل المعارضة المسلحة بما فيها جبهة النصرة الانسحاب من المنطقة.

  غالبية المجموعات المسلحة الكبرى لم تنفذ الاتفاق ومع ذلك لم تقع المواجهة الكبرى، ووسط الجدل حول التزام تركيا بتنفيذ اتفاق سوتشي، جرت بين أنقرة وواشنطن مناورات وصفقات مقايضة، كل طرف يحاول جني مكاسب وتخفيف ثقل خسارة رهانهما على التنظيمات المسلحة لإسقاط سوريا في نطاق مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي وضعه المحافظون الجدد.

توقعات تتحقق

 بتاريخ 7 أكتوبر 2018 نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية عن الخبير العسكري السوري، العميد مرعي حمدان، قوله إن مواصلة قوات الجيش للعمليات ضد التنظيمات المسلحة في ريف حماة الشمالي، تؤكد السيطرة على الأرض، وتمحي آمال المسلحين في استعادة ما فقدوه.

وتوقع الخبير العسكري، أن تشهد الفترة المقبلة محاولات من جانب التنظيمات المسلحة، وخاصة تنظيم “داعش”، للتسلل إلى المناطق التي استحوذ عليها الجيش العربي السوري، بهدف تعطيل التقدم المطرد الذي يحققه، ولعرقلة الوصول إلى حل نهائي بشأن أزمة إدلب. وأضاف حمدان، أن “وحدات الجيش السوري، تمكنت من إحباط عمليات تسلل نفذتها مجموعات مسلحة في ريف حماة الشمالي.

 بعد أيام من تصريحات الخبير السوري وفي نهاية شهر أكتوبر 2018، أعلنت الخارجية الروسية في بيان لها، أن “جماعات الإرهابيين والمتطرفين في إدلب لا تزال  تحاول تنفيذ استفزازات واسعة النطاق باستخدام الأسلحة الكيميائية والمواد السامة، وأضافت ينضم نشطاء من منظمة “الخوذ البيضاء” الإنسانية الزائفة والمشؤومة، المتخصصة في تصوير أحداث تحاكي شن هجمات كيميائية مزيفة للجيش السوري إلى مثل هذه الجهود”.

الهجوم الكيميائي

 يوم الأحد 25 نوفمبر 2018 أي بعد حوالي شهرين من اتفاق سوتشي ذكرت وكالة أنباء رويترز أن أكثر من 100 شخص أصيبوا في مدينة حلب بسوريا في ساعة متأخرة من مساء السبت في هجوم يشتبه أنه بغاز سام أنحت الحكومة السورية وحليفتها روسيا باللوم فيه على مقاتلي التنظيمات المسلحة.

وذكر مسؤول بقطاع الصحة في حلب إن الضحايا عانوا من صعوبة في التنفس والتهاب في العينين وأعراض أخرى مما يشير إلى استخدام غاز الكلور.

وقالت وزارة الدفاع الروسية يوم الأحد إن طائراتها الحربية قصفت مسلحين في إدلب تحملهم مسؤولية شن هجوم بغاز الكلور على مدينة حلب.

وذكر المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف إن موسكو أبلغت تركيا سلفا بالهجمات عبر خط هاتفي ساخن. وتدعم أنقرة بعض الفصائل المسلحة.

وأضاف، اللواء إيغور كوناشينكوف، إن الاستخبارات التابعة للقوات الروسية الموجودة في سوريا رصدت في المنطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب المرابض التي أطلق المسلحون المقذوفات منها لاستهداف المدنيين في مدينة حلب بالمواد الكيميائية، فضلا عن رصد دلائل على تحضير المسلحين لتكرار الهجوم الكيميائي انطلاقا من إدلب.

وأكد كوناشينكوف أنه استنادا إلى المعلومات الاستخباراتية أغارت الطائرات الحربية الروسية على مواقع الإرهابيين التي قصفوا منها حلب بالذخائر المحشوة بالمواد الكيميائية، مساء السبت 24 نوفمبر، ما أسفر عن تدمير كافة الأهداف المحددة.

وسبق أن أعلن كوناشينكوف أن مجموعات من وحدات الحماية الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية التابعة للقوات الروسية في سوريا، قامت بفحص المصابين وتقديم المساعدة اللازمة لهم، فضلا عن مراقبة الوضع في المنطقة المستهدفة بالكيميائي، موضحا أن البيانات الأولية تؤكد نظرا إلى أعراض التسمم عند الضحايا، أن القذائف التي أطلقت على المناطق السكنية في حلب معبأة بغاز الكلور.

 من جانبه ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يراقب الحرب في سوريا والمحسوب على القوى المعارضة لدمشق ومقره في لندن، إن طائرات قصفت مناطق يسيطر عليها المسلحون في شمال غرب سوريا يوم الأحد لأول مرة منذ أن اتفقت روسيا وتركيا على المنطقة منزوعة السلاح في سبتمبر.

مناورات تركيا

 في أنقرة أفادت وزارة الدفاع التركية من جانبها إن وزير الدفاع خلوصي أكار ونظيره الروسي اتفقا يوم الأحد على أن ”الاستفزازات الأخيرة“ تهدف إلى إلحاق الضرر بالاتفاق الخاص بإدلب. ولكن الملاحظين أشاروا إلى أنه لم يرد أي تفسير من جانب الحكومة التركية حول كيفية حصول الفصائل المسلحة في إدلب على أسلحة كيميائية ووسائل إطلاقها.

في دمشق حثت وزارة الخارجية السورية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إدانة الهجوم وقالت ”إن حكومة الجمهورية العربية السورية تطالب مجلس الأمن بالإدانة الفورية والشديدة لهذه الجرائم الإرهابية“.

والقوة المهيمنة بين الفصائل التي تسيطر على إدلب هي هيئة تحرير الشام وهي تحالف لفصائل متشددة يقوده مقاتلون كانوا في السابق على صلة بتنظيم القاعدة.

 رغم البيانات التركية المقدمة لموسكو أكد في العاصمة الروسية موسكو يوم الأحد 25 نوفمبر أن تنظيم “جبهة النصرة” في إدلب قام بنشر نحو 50 صاروخا مزودا بالمواد الكيميائية السامة في عدة جبهات وبحوزة عدة تنظيمات أخرى.

وكشفت مصادر مطلعة في إدلب لوكالة “سبوتنيك” أن مسلحي “هيئة تحرير الشام” قاموا بنقل ما يقارب 50 صاروخا فجر يوم الأحد، وذلك بعد أيام من تعديلها من قبل خبراء فرنسيين في أحد مقرات النصرة بالقرب من سجن إدلب المركزي، حيث باتت هذه الصواريخ تحمل رؤوسا مزودة بمادة الكلور.

وكشفت المصادر أن عملية النقل تمت على خمس دفعات وتوزعت في ريف إدلب الجنوبي الشرقي حيث تم تسليم فصيل “أجناد القوقاز” 10 صواريخ في منطقة تل السلطان، كما سلمت الهيئة تنظيم “جيش العزة” عددا من الصواريخ المماثلة في بلدة كفر زيتا شمال مدينة حماة، وسلمت “حراس الدين” الموالي لتنظيم “القاعدة” عددا من الصواريخ تم نقلها إلى مدينة مورك في ريف حماة الشمالي، فيما تولت “هيئة تحرير الشام” نقل وتسليم مجموعتين من الصواريخ لمسلحي “الحزب الإسلامي التركستاني”، ولجهة أخرى لا تزال مجهولة.

ونقل مراسل “سبوتنيك” عن مصدر أمني رفيع المستوى قوله: إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن المسلحين قاموا باستهداف أحياء شارع النيل والخالدية والشهباء الجديدة بقذائف صاروخية معدلة تحمل رؤوس تحوي مواد سامة يتم حاليا وعبر فرق متخصصة تحديد نوعها.

وذكرت المصادر المقربة من قيادات في تنظيمات مسلحة تنشط في إدلب لوكالة “سبوتنيك”: إن عناصر تنظيم “الخوذ البيضاء” قاموا صباح الأربعاء 21 نوفمبر بنقل خمس عبوات من المواد الكيميائية السامة من أحد مستودعات تنظيم “جبهة النصرة” إلى مستودع في مدينة إدلب، تم إنشاؤه حديثا تحت الأرض بالقرب من سجن إدلب المركزي بواسطة آليات وحفارات خاصة بحفر الأنفاق.

وأضافت المصادر أنه تم تسليم العبوات الخمس المذكورة في المقر “تحت الأرض” لخبراء فرنسيين من “أصول أفريقية”، وصلوا حديثا لإجراء تعديلات على صواريخ “مجهولة الطراز” وصلت حديثا عبر الحدود التركية مع قواعد إطلاقها، بهدف تزويد رؤوسها بالمواد الكيميائية السامة.

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين ذكرت أن جهاز الاستخبارات للقوات الروسية في سوريا على وشك التوصل إلى اتفاق تسوية مع عدد من الفصائل المسلحة في إدلب تمهيدا لشق ما سمي بالجبهة الموحدة للفصائل المعارضة في إدلب مما سيشكل نكسة لكل من تركيا والولايات المتحدة.

 إلى الشرق من إدلب تظاهر عدد من أبناء مدينة الرقة، شمالي سوريا، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديقراطية “قسد” التي تدعمها الولايات المتحدة مطالبين برحيل هذه القوات من المدينة ذات الأغلبية العشائرية العربية مناشدين بدخول الجيش السوري إلى الرقة.

وكانت جهات عشائرية على علاقة مع “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي قد اقترحت بداية نوفمبر 2018على قوات سوريا الديمقراطية “قسد” تسليم مواقعها على الحدود السورية التركية للجيش السوري، تجنبا لهجوم تركي محتمل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها أهالي الرقة، حيث انتفض أهالي المدينة بمسيرات منددة بأمريكا وسياساتها في شهر أبريل 2018.

ولا تعترف الدولة السورية بالوجود العسكري الأمريكي والتركي على الأراضي السورية وأعلنت أن وجهة الجيش السوري ستكون بعد تحرير إدلب هي شرق الفرات “مدينة الرقة تقع شرق الفرات”، وهذا ما قد يؤدي إلى مواجهة بين الجيش السوري والقوات الكردية المدعومة أمريكيا في حال لم يتم تسليم مناطق شرق الفرات إلى الدولة السورية سلميا.

تحالف داعش وواشنطن

 وزير الخارجية الروسي اعتبر أن الولايات المتحدة تنظر إلى تنظيم “داعش” على أنه حليف لها في العمل على تغيير النظام في دمشق.

وأشار لافروف خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البرتغالي أوغوشتو سانتوش سيلفا في لشبونة يوم السبت 24 نوفمبر، إلى أن طرح واشنطن شروطا لمحاربة “داعش” تدل على امتلاكها أجندة خفية في سوريا.

وأضاف لافروف: “الخارجية الأمريكية صرحت قبل أيام بأن “داعش” لم يهزم بعد، وأن دحره يتطلب تغيير النظام في سوريا كشرط مسبق أساسي.. هذا يؤكد تخميني بأن الأمريكيين ينظرون إلى “داعش” كمبرر لوجودهم العسكري في سوريا وما قد يرقى إلى حليف في الصراع مع النظام السوري”.

وأضاف الوزير الروسي: “هذا يعني أن الهدف الرئيس لواشنطن هو تغيير النظام وليس الانتصار على “داعش”.

 يوم الخميس 22 نوفمبر اتهمت وزارة الخارجية الروسية، الولايات المتحدة الأمريكية بتدريب مسلحين في قاعدتها العسكرية بمنطقة التنف جنوب سوريا.

جاء ذلك على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في مؤتمرها الصحفي الأسبوعي بمقر الخارجية الروسية في العاصمة موسكو.

وأوضحت زاخاروفا أن شهود عيان أكدوا لموسكو قيام الولايات المتحدة بتدريب مسلحين في قاعدتها بمنطقة التنف، بحجة مكافحة تنظيم داعش وتقييد إيران.

وأشارت زاخاروفا، إلى تقاعس الولايات المتحدة عن تنفيذ الإتفاقيات بشأن تحسين الوضع الإنساني في مخيم الركبان، الذي يعاني فيه عشرات آلاف النازحين السوريين من ظروف معيشية سيئة جدا.

 بموزاة مع تصريح وزير الخارجية الروسي أفاد موقع “ميغ نيوز” الإخباري، بأن حاملة الطائرات الأمريكية “هاري ترومان” تتقدم 5 سفن حربية، قد دخلت مياه المتوسط، وفي طريقها نحو الساحل السوري.

وعلى ذمة الموقع فإن المجموعة التي ذكرها، ستصل إلى الساحل السوري لتنضم إليها هناك سفينة الاستطلاع الفرنسية “ديبوا دي لوم”.

وعادت “هاري ترومان” إلى البحر المتوسط بعد شهر أمضته قبالة سواحل النرويج، حيث شاركت في مناورات واسعة النطاق لحلف الناتو، وكانت أول حاملة أمريكية تعبر الدائرة القطبية الشمالية خلال الثلاثين سنة الماضية.

واشنطن لن تتخلى عن مشاريعها

 كتب محلل عربي من يظن بأن واشنطن ستكف عن مشاريعها التقسيمية في الشرق الأوسط فهو واهم، واشنطن التي تسعى دائما الى البحث عن ذرائع تمكنها من تهيئة الظروف و الوقائع لضمان استمرار تواجدها أو تدخلها في المنطقة، من هنا يمكننا القول بأن واشنطن تحاول تطوير استراتيجيتها بناء على المستجدات الأخيرة في سوريا والعراق واليمن، وبالتالي فإن واشنطن لم تكن فقط السبب بعدم استقرار المنطقة، بل هي السبب الرئيس للتوترات والأزمات التي عصفت في المنطقة خلال السنوات الماضية، وعليه من الصعب الإمساك بشكل موضوعي بمسارات وتوجهات السياسية الأمريكية، والتي تعتمد اساسا على المراوغة، ومن الأهمية بمكان، التفريق بين السياسة الثانوية للإدارة الأمريكية، و بين السياسة التكتيكية الاستراتيجية طويلة الأمد، خاصة بأن واشنطن تسعى لتوظيف خساراتها في سوريا بملفات ذات أهمية في الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد فيما يخص ايران والقضية الفلسطينية.

التصعيد العسكري الذي يشهده الشرق الأوسط، هو تصعيد مدروس و مخطط له بدقة، ويتناول أبعادا واسعة تتولاه منظمات مدربة أمريكيا، هذه المنظمات تنتشر في بلدان الشرق الاوسط، ويكون مخططا لها بأن تظهر و تختفي فجأة، بناء على معطيات أمريكية حيال التطورات في المنطقة وما تقضيه المصلحة الأمريكية، وهذه هي استراتيجية الحروب المتنقلة التي اعتمدتها واشنطن إبان احتلال العراق، جاء ذلك نتيجة الخسائر الكبيرة التي منيت بها القوات الأمريكية هناك، فكان لا بد من تطوير الاستراتيجيات لضرب الاستقرار في الدول التي تعارض السياسية الأمريكية في المنطقة، ودون خسارة جندي أمريكي واحد، فالخصوصية في هذه الحروب المتنقلة تعتمد على نخبة سرية مؤثرة وبدعم مباشر من الاستخبارات الأمريكية، وتكون هذه المنظمات مستعدة للانتقال وبدعم أمريكي إلى أي جهة تختارها المخابرات الامريكية، وما انتقال قيادات داعش و بمروحيات أمريكية من سوريا إلى العراق وأفغانستان وبالعكس، إلا دليلا و تجسيدا واضحا لسياسة الحروب المتنقلة التي تعتمدها واشنطن.

النوايا الأمريكية واضحة لجهة ضرب استقرار الدول التي لا تسير في ركب السياسية الأمريكية، حيث أن تحويل القوة الأمريكية إلى قوة صامتة يتم استثمارها عبر تنظيمات ارهابية، يدلل على عدم الوثوق في أي تحرك تتبناه السياسة الأمريكية، وأي اتفاق مع ادارة ترامب هو اتفاق ملغوم ويعتمد المقامرة منهجا، و بالتالي فإن حالة عدم الاستقرار في المنطقة رغبة أمريكية واضحة، و لا بد من مواجهتها بالعمل المضاد.

التاريخ يعيد نفسه مرتين

 ورد في تقرير صدر يوم 25 نوفمبر في مدينة الناصرة بفلسطين المحتلة: لا تخفي دولة الاحتلال توجسها العميق من الجبهة الشمالية، فقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، عن مصادر أمنيةٍ رفيعةٍ في تل أبيب قولها إن حزب اللهّ، اتخذ قرارًا إستراتيجيًا بفتح جبهةٍ جديدةٍ ضد إسرائيل من الجزء المحرر في هضبة الجولان العربية السورية لاستنزافها، تمامًا كما فعل في جنوب لبنان، حيث انتهت هناك المعركة بهروب جيش الاحتلال في مايو من العام 2000، بعد احتلال دام 18 عامًا، واليوم بعد مرور 18 عامًا، وربما في هذه العجالة تنطبق مقولة كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرةً على شكل مأساةٍ، ومرةً على شكل مهزلةٍ، وما نراه الآن هو المهزلة”.

وغني عن القول إن المطلب الإستراتيجي الإسرائيلي القاضي بإبعاد القوات المعادية من سوريا ما زال بعيدًا جدًا عن الخروج إلى حيز التنفيذ، فإيران حضرت إلى سوريا بطلبٍ رسمي من حكومة دمشق، وتعويل بنيامين نتنياهو على “صديقه”، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، تبين أن مصيره الفشل المحتوم، حيث قال محلل الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس″، د. تسفي بارئيل، إنه بينما يجد رئيس الوزراء صعوبةً في إيجاد قليلٍ من الوقت في جدول أعمال الرئيس الروسي، التقى الرئيس التركي، مع بوتين 3 مرات شهر نوفمبر.

وشدد على أن العلاقة الإستراتيجية بين موسكو وأنقرة لا تعتمد فقط على تصدير الغاز، إذ تتفق الدولتان في رؤيتهما لحل الأزمة في سوريا، وتتشاركان مع إيران في إدارة مجالات الأمن في هذه الدولة، وللدولتين خلافاتٍ عميقةٍ مع واشنطن فيما يتعلق بمستقبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، ومكانة إيران في سوريا.

وأشار إلى أن الموقف العلني لروسيا حدده وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في أغسطس 2018، عندما صرح أنّه يجب على جميع القوات الأجنبية التي لم تدعوها الحكومة السورية الانسحاب من سوريا، وإيران وروسيا دولتان جرت دعوتهما، لكن أمريكا وتركيا لا تتمتعان بهذا الوضع، لافتًا إلى أنّه بينما تطالِب روسيا بخروج القوات الأمريكية، فهي تبدي مرونةً كبيرةً حيال وجود القوات التركية.

وتابع أنّه في مقابِل الموقف الروسيّ لا تملك أمريكا بديلاً يمكِن أن يكون حلاً ملائمًا للحرب في سوريا أو للوجود الإيراني هناك، وبحسب الموفد الأمريكي الجديد في الموضوع السوري جيمس جيفري، فإن واشنطن تفهم المصالح الروسية في سوريا” التي تشمل قواعد عسكرية ووجود حكومة صديقة.

وأشار المحلل الإسرائيلي إلى أن السياسة الأمريكية تغيرت عندما صرح مستشار الأمن القوميّ جون بولتون في سبتمبر: “لا ننوي الخروج من سوريّا ما دامت القوات الإيرانية تنشط خارج إيران”، أي أن الإدارة الأمريكية تتحدث اليوم عن الحاجة إلى استقرارٍ وحل سياس، وعن خروج القوات الإيرانية كشرطٍ لخروج القوات الأمريكية.

وتساءل المحلل: هل هناك احتمال لدخول القوات الأمريكية في مواجهةٍ مع القوات الإيرانية من أجل إرغامها على الانسحاب من سورية؟ واستعان بالرد في أقوال جيفري الذي أكد على أن خروج إيران سيجري بوسائل سياسيةٍ وبضغطٍ دبلوماسيّ، وحتى نتنياهو قال إن واشنطن وحدها لا تستطيع إخراج هذه القوات من سوريا، واستدرك قائلاً إنّه في ظل الضغط الروسيّ على إسرائيل وتجميد التعاون العسكري، ثمة شك في أن يكون باستطاعة تل أبيب أيضًا العمل حاليًا على تسريع خروج القوات الإيرانية بالوسائل العسكرية.

وخلُص المستشرِق الإسرائيلي إلى القول إنّه عوضًا عن مواجهةٍ عسكرية تأمل واشنطن بأن تؤدي العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران إلى إجبارها على تقليص نفقاتها العسكرية، وربما أيضًا إلى سحب جزءٍ من قواتها من سوريا، لكن إذا كان هناك هدف استراتيجيّ ترغب إيران في المحافظة عليه فهو وجودها في سوريا ونفوذها في لبنان من خلال حزب الله، مشيرًا في الوقت عينه إلى أن الإمكانية الثانية للضغط موجودة في الكرملين الذي يستطيع وحده أنْ يطلب من الأسد إلغاء دعوة الإيرانيين، لكن الكرملين ليس متحمسًا في الفترة الراهِنة للضغط على إيران التي تستخدمها روسيا كورقة مقايضةٍ في مواجهة واشنطن، وعلاوةً على ذلك، شدد بارئيل، على أنّه أنه ليس أكيدًا بتاتًا أن إيران ستستجيب لطلبٍ من روسيا، هذا إن جاء أصلاً، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أن القائد العّام للجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت شدد خلال شهرنوفمبر خلال زيارته للجولان المحتل على أن جيش الاحتلال سيواصِل العمل لإحباط كافة المحاولات الإيرانيّة للتمركز بسوريا، ويضمن الحفاظ على الوضع الأمني الراهن في الشمال طوال الوقت ومن منطلق التزام بحماية مواطني إسرائيل.

تل أبيب قلقة جدًا

تقرير آخر صدر يوم 17 نوفمبر كذلك من مدينة الناصرة تطرق إلى الأخطار التي تواجه إسرائيل نتيجة تطور السياسة الروسية وجاء فيه:

بات واضحًا أن روسيا ماضية في “تأديب” إسرائيل والحد من غطرستها في المنطقة، وليس سرًا أن موسكو ترفض وبشدةٍ “الاستجداء” الإسرائيلي لعقد لقاءٍ بين رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو والرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، وبالإضافة إلى تورطها مع الروس في سوريا منذ إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية في سبتمبر 2018، بدأت دولة الاحتلال تتوجس وتتخوّف من انتقال العدوى إلى لبنان، إذاْ كشف محلل الشؤون العسكريّة في صحيفة “هآرتس” العبرية، عاموس هارئيل، النقاب عن أن موسكو تعمل على تثبيت أقدامها في بلاد الأرز أيضًا، الأمر الذي سيعود سلبًا على المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية، بحسب تعبيره، مضيفًا أن لعب الشطرنج مع حزب الله هو أمر، ومحاولة فك شيفرة ما يريده بوتين، في سوريا وربما في لبنان أيضًا، في الوقت الذي يحاوِل فيه حزب الله إنتاج سلاح هناك، هذا كما يبدو تحد مختلف تمامًا، أكد هارئيل.

ونقل الُمحلل عن مصادر أمنيةٍ وصفها بأنّها واسعة الاطلاع في تل أبيب قولها إن المشكلة التي تقف أمام إسرائيل في الشمال تتعلق باختصار بالخطر الملموس من إغلاق نافذة الفرص العملياتية، لافتةً في الوقت عينه إلى أنّه في سوريا ولبنان تركزت المعركة في البداية على إحباط تهريب السلاح المتطور إلى لحزب الله، ولكن في السنة الأخيرة أضيف إلى ذلك مهمة جديدة وهي منع التمركز العسكري لإيران في أرجاء سوريا.

وتابع المحلل أن استقرار نظام الرئيس السوري بشار الأسد يغير بالتدريج هذا الواقع، سواءً ما زالت روسيا غاضبة حقًا على حادثة إسقاط الطائرة في ذروة هجومٍ إسرائيلي قبل شهرين، أو أنها فقط توظفه من أجل أن تملي قواعد لعب إستراتيجية جديدة في الشمال، ولكن النتيجة واحدة.

وكشفت المصادر، كما أفاد المحلل هارئيل، عن أن الروس أوضحوا لإسرائيل بشتى السبل أنّه من ناحيتهم ما كان لن يكون من الآن فصاعدًا، وأن النشاط المحموم لسلاح الجو يشوش على مشروعهم الأساسي، وهو إعادة السيطرة للنظام السوري على معظم الأراضي السورية وتوقيع اتفاقات طويلة المدى مع الرئيس الأسد تضمن الحفاظ على المصالح الأمنية والاقتصادية لموسكو في سوريا، لافتةً إلى أن عدم الرضا هذا يتم التعبير عنه في السلوك الأكثر عدوانيةً في “الخط الساخن” الذي يربط قيادة سلاح الجو الإسرائيلي بالقاعدة الروسية في حميميم، والذي وظيفته منع أحداثٍ جوية بين الطرفين.

وعبرت المصادر في تل أبيب عن خشيتها من أن تتطور مشكلة في لبنان أيضًا، فنتنياهو حذر في الأمم المتحدة في نهاية سبتمبر من محاولات إيران وحزب الله إقامة خطوط إنتاج للصواريخ في بيروت، ولكن من الشكوك فيه جدًا أن تتنازل إيران عن هذا المشروع الذي يهدِف لإنتاج صواريخ ذات دقّةٍ عاليةٍ لإلحاق أضرارٍ جسيمةٍ بإسرائيل في حال اندلاع المواجهة القادِمة.

وتابعت المصادر قائلةً إن أكثر ما يقلِق هو أن الرئيس الروسي يظهِر في الفترة الأخيرة اهتمامًا أكبر بما يجري في لبنان، وفي سيناريو متطرفٍ أكثر فإن نفس مظلة الدفاع، العملية والرمزية، التي تنشرها روسيا في سوريا ستتسع لتشمل لبنان، وتعقد أكثر نظام الاعتبارات الإسرائيلية.

ولفتت مصادر إسرائيلية إلى أنه بعد اللقاء الذي أجراه نتنياهو، مع قادة دول أوروبا الشرقية شهر نوفمبر، فهِم أن الحديث يجري عن خلافٍ شخصي مع الرئيس الروسي بوتن. وبحسب أحد الوزراء، قال نتنياهو في جلسة “الكابينيت” إنّ الأزمة مع بوتن قاسية جدًا، وحدتها أكثر بكثيرٍ من التقديرات التي اعتمدنا عليها، إذ أن بوتن يرى في إسقاط الطائرة مسا خطيرًا به وبهيبته وبكرامته على حد سواء، وتابع إن الهيبة هي مركب مهم للغاية في الرواية التي يتمسك بها بوتن، وبناءً على ذلك، خلص نتنياهو إلى القول إن الأزمة مع روسيا مست مسا إستراتيجيًا بالعلاقات بين الطرفين، متوقعًا أن الأزمة بينهما ستتفاقم وتتحول إلى صعبةٍ وخطيرةٍ جدًا، على حد قوله.

الشرق السوري بين واشنطن وانقرة

 كتب الاكاديمي الدكتور حسن مرهج يوم 3 نوفمبر في صحيفة رٍأي اليوم التي تصدر في لندن:

لا شك بأن تحركات داعش في الشرق السوري لم تكن محض صدفة، فهذه الفلول المتبقية من التنظيم الارهابي تقاتل وتناور بطريقة تؤكد أن واشنطن تقوم بتوجيهها كيفما تشاء، لتأتي تركيا بعد تحركات داعش الأخيرة وتستهدف القوات الكردية المدعومة أمريكيا وبإذن أمريكي، في خطوة تؤكد أن هناك فصلا جديدا من فصول مسرحية ترامبية يراد منها جذب أردوغان إلى العباءة الأمريكية لنسف تفاهماته مع بوتين وتحديدا فيما يخص ملف ادلب، وفي ذات التوقيت تستمر المناورة التركية لخلخلة جدول الالتزام المنبثق عن قمة بوتين أردوغان المتعلق بإدلب، لكن وضمن هذا المشهد يبدوأن الجيش السوري وحشوداته العسكرية تؤكد أن الحل العسكري السوري المتفق عليه سوريا روسيا سيجعل من أردوغان يتجرع كأس الهزيمة المر.

قمة اسطنبول التي جمعت لاعبين جديد من مرتبة المانيا وفرنسا، تظهر وبشكل جلي أن الأطماع التركية لا حدود لها، كما أظهرت كلاً من ألمانيا وفرنسا بتماهي واضح مع الموقف الامريكي، لكن القانون السوري الذي لا يمكن تجاوزه هو السيادة السورية واحترامها، وأي سيناريوسيخرج عن هذا القانون سيصطدم بمجنزرات الجيش السوري، ليكون الحل في إدلب وسواها عسكريا صَرفا، فالتحفيز الروسي لمفردات الحل السلمي لن تبقى لفترة طويلة، لينقلب هذا المناخ السلمي إلى ناراً خَبرتها جيدا فصائل تركية وأمريكا الارهابية، فالقرار السوري بالنهوض مجددا لا يمكن التراجع عنه، والعائق الوحيد لهذا النهوض هما الاحتلال الأمريكي والتركي، وبالتالي أي أوهام أو خرافات يقوم بنسجها الأمريكي والتركي ستجد المقص السوري في طريقها، ولعل الأمريكي يدرك جيدا أن لا شي يقف في طريق الجيش السوري، والأمثلة كثيرة، من الغوطة إلى الجنوب كان الجيش السوري قادرا على كسر خطوط واشنطن الحمراء.

اعتمدنا في بداية المقال تسليط الضوء على التحركات المسرحية للأمريكي والتركي وأدواتهم الإرهابية في الشرق السوري، ولا يظنن أحد أن لا تنسيق فيما بينهم، فكل هذا متفق عليه، ولعل الرسائل التي تمرر من المسرحيات تأتي عبر الإعلام، فخلال سنوات الحرب على سوريا، كانت الدعاية الإعلامية المرافقة لأي عمل امريكي عنوانا تتناقله وسائلها، فالكذب والخداع والدعايات المشبوهة أسس العمل الإعلامي الذي تعتمده واشنطن وادواتها، فعلى سبيل المثال، تقوم تركيا بتوجيه وسائل إعلامها لفكرة الترويج عن حزام حدودي في عمق الشمال السوري، وتقوم بترويج هذا السيناريو وبشكل يومي ليتلقاه الغرب، وبذات الوقت تقوم تركيا أيضا بالترويج للسيناريو الأمريكي الذي يتحدث عن التغييرات الديمغرافية في الشرق والشمال السوري، والملاحظ وبصورة واضحة أن هناك تماهي في الطرح الأمريكي والتركي، للوصول إلى النتيجة التي يريدون، ألا وهي مناطق حدودية تُذكر بالشريط الاسرائيلي الذي كانت إسرائيل تقوم بالترويج له في الجنوب السوري، لكن هذا الشريط الافتراضي قد سقط بالضربة القاضية بعد أن بسط الجيش السوري سيطرته على كامل الجنوب السوري، لتكون تلك الوعود والخرافات محض هراء أمريكي وتركي، يراد منه إسقاط الشعور الوطني لدى السوريين، تمهيدا لبسط النفوذ إعلاميا ومن ثم جغرافيا، وهذه حقيقة الحرب على سوريا، التي عانت  من النشاطات التي رفدت المؤامرة عليها وعلى وحدة ترابها الوطني وسيادة دولتها بأيد كردية وعربية مجندة في من قبل الأمريكي وحتى التركي، وتلك هي صورة واقعية عن المشاريع الأمريكية والتركية لشمال وشرق سوريا المحتلين.

عمر نجيب

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق