علاء اللامي: ميناء الفاو العراقي بين العرقلة الداخلية والحصار الكويتي!

المجهر نيوز

علاء اللامي

فيما يحتدم الخلاف بين المجلس المحلي لمحافظة البصرة، التي يقودها منذ شهر آب من العام الماضي محافظ جديد هو رجل الأعمال أسعد العيداني (من حزب “المؤتمر الوطني” لمؤسسه أحمد الجلبي)، بعد هرب محافظها السابق ماجد النصراوي (من حزب المجلس الأعلى حين كان بزعامة عمار الحكيم) إلى البلد الذي يحمل جنسيته الثانية “أستراليا”، على خلفية تهم فساد كبيرة، وبين الحكومة الاتحادية ببغداد حول الطرف الذي سيتولى تأسيس شركة استثمارية مساهمة لإكمال تنفيذ وإدارة ميناء الفاو الكبير المتعثر، يتقدم، في الجانب المقابل من الحدود، إنشاء الميناء الكويتي الضخم “مبارك الكبير” بخطوات واسعة، مهددا قناة خور عبد الله في مرحلته الرابعة ليغلق هذا الممر البحري على العراق ومينائه الكبير، أو يجعل وصول البواخر الكبيرة إليه صعبا جدا.

كانت وزارة النقل العراقية قد قررت قبل عدة أشهر، تشكيل شركة مساهمة لإدارة وإكمال إنشاء ميناء الفاو الكبير، برأسمال قدره مليار وثلاثمائة مليون دولار. وبدأت الوزارة دراسة طلبات الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في هذا الميناء لإخراجه من التعثر المستمر والذي يبدو مقصودا، وحجتها في عرضه على الاستثمارات نقص الأموال لدى بغداد بسبب الأزمة المالية. غير أنَّ تعافي أسعار النفط وارتفاعها حينذاك، ووجود وفرة نقدية أعلى من الحد التخميني لسعر برميل النفطي الذي وضعت الموازنة العامة السنوية على أساسه، ينسف ويسفِّه هذه الحجة ويجعلها نافلة ولا معنى لها، ويشي بأن أوسطاً في الحكومة وخارجها هي التي تدفع باتجاه عرقلة إكمال تنفيذ الميناء العراقي وعرضه على الاستثمارات الأجنبية أو لتوريط العراق بالمزيد من القروض الأجنبية التي يلهث خلفها ويبشر بحسناتها بعض كبار المسؤولين.

من جهتها قدمت الحكومة المحلية في البصرة اقتراحاً مماثلا لتأسيس هذه الشركة واعدة بمنح “أهالي المحافظة”، الذين يقصد بهم عمليا محدثو النعمة من أغنياء الأحزاب المهيمنة على المحافظة، بمنحهم 51%من رأسمال الشركة، تُعرض على شكل أسهم، وتترك 49% منها للشركات الاستثمارية الأجنبية التي ستنفذ المرحلة الأولى منه، التي تبلغ كلفتها ثلاثة مليارات دولار بحسب الدراسة المعدة من الخبير الإيطالي المعين في المشروع ألبرتو سكوتي.

المطلوب من العراقيين، إذن، أن يصدقوا أن بلادهم التي تفوق عائداتها سنويا من النفط مائة مليار دولار، عاجزة عن توفير ثلاثة مليارات دولار للإكمال الميناء وفكِّ الخناق عن رقبتها البحرية ومنفذها الأكبر على ساحلها البحري القصير والمهدد بالإغلاق!

ولحسم موضوع هوية الطرف العراقي صاحب الحق في المشاركة في استثمارات الميناء، وجنى نصف العائدات مستقبلا، كانت حكومة العبادي فقد ناقشت في جلستها في شهر حزيران من العام الجاري (مشروع ميناء الفاو في حضور أعضاء اللجنة العليا للاستثمار والأعمار، الذين بحثوا في استثمار الميناء والعروض المقدّمة والمدة الزمنية لإنشائه وإكمال مراحل التفاوض من قبل اللجنة التفاوضية لاختيار أحد العروض المقدمة) ومن الواضح أن الأمر يتعلق بوضع الميناء وعوائده بعد إنجازه تحت رحمة المستثمرين الأجانب والمحليين. وليس المقصود بذلك الاستثمار في مجال مقاولات البناء، بل في إكمال البناء مقابل أرباح دائمة من عائدات الميناء وهذه هي الكارثة الحقيقية!

من جهته، كان رئيس مجلس البصرة المحلي صباح البزوني، أكثر وضوحا حين أعلن، كما يخبرنا الكاتب أثير العبادي في مقالة له، (أن الحكومة المحلية في البصرة تبنت مقترحا ينص على أن تكون هي الجهة المتعاقدة مع الشركات الاستثمارية بتشغيل مشترك وفق الآلية التي طرحت عام 2016 حسب القرار المرقم 69، وتكون إيرادات الميناء لمحافظة البصرة بالشراكة مع الجهة المستثمرة، بدلا أن يبقى المشروع مهملا من قبل الحكومة الاتحادية). أي أن هناك صراعا صامتا بين الحكومة المحلية في البصرة والحكومة الاتحادية للسيطرة على ما سيتبقى من عائدات الميناء بعد أن يأخذ المستثمرون الأجانب نصفها الآخر!

أما على أرض الميناء، وحتى نهاية ولاية حكومة العبادي، فلم يتم إنجاز الكثير، باستثناء كاسر أمواج واحد، ثم تسلمت حكومة عبد المهدي مهامها وسنتوقف عند تفاصيل ذلك بعد قليل. وكان أول تدخل لرئيس مجلس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي أورد فيه ذكر الميناء باعثا على السخرية حقا، فقد خلط في تصريحه هذا بين ميناء الفاو الكبير وجزيرة خيالية صخرية على الورق صممها كجزء من الميناء أحد رجال الأعمال العراقيين، لا بل أن عبد المهدي أخطأً خطأ فادحاً في ذكر الرقم الخاص بالمسافة الكلية للساحل العراقي حيث قدرها بـ 32 كم، بينما الرقم الدقيق هو الضعف أي (64 كم)، أما إذا اعتمدنا الخط المستقيم (دون تعرجات) فيكون طولها حوالي 58 كم تقريباً. وبكلمة، فقد كانت تصريحات رئيس الحكومة الجديد باعثة على الأسى والتشاؤم حقا، وقد ردَّ الخبير العراقي د. حسن خليل حسن، الباحث في مركز عالم البحار في البصرة، على تصريحات عبد المهدي هذه ردا مفحما ومتهكما!

بالعودة الى موضوع سؤالنا المركزي: ما هو البديل الممكن لإنقاذ العراق من الحصار البحري القادم والخنق الذي تمارسه ضده الكويت بدعم أميركي غربا وإيران شرقا، نقول: إن نظام الحكم العراقي التابع والقائم اليوم، وأنظمة الحكم الدكتاتورية السابقة له، قد فرطت وتفرط بالإطلالة البحرية العراقية الصغيرة في شط العرب قبل الاحتلال الأميركي من قبل نظام صدام حسين،  وفي الخليج و خور عبد الله بعد الاحتلال، وجاء الدور الآن للمطالبة بالتخلي عن مشروع “القناة العراقية الجافة” لمصلحة الكويت وعدم ربطها بميناء الفاو الكبير بل بالميناء الكويتي الذي يتقدم إنجازه بشكل حثيث فيما يُعرقَل إنجاز مشروع ميناء الفاو الكبير. فما هو الحل الممكن للخروج من هذا الواقع المزري والمهدِّد لوجود العراق؟

في الواقع، لا يمكن التعويل على نظام حكم تابع وفاقد للاستقلال والقرار السيادي في تطبيق أي بديل وطني، ويبقى الأمل معقودا على النظام الوطني الديموقراطي المطموح إليه في المستقبل.  ومع ذلك، ومن منطلق تسجيل شهادة أمام التاريخ والعراقيين أسجل الفكرة البديلة التالية كحل ممكن ووحيد وناجع:

-إن مشروعا كاملا ووحيدا تقريبا لإنقاذ العراق من المصير القاتم الذي يريده له أعداؤه حتى يكون دولة قارية مقطوعة عن بحار العالم موجود ومطروح وممكن وقد لا يكون له بديل، وهذه مقاربة سريعة له:

كنت قد ناقشت في مقالة نشرتها “الأخبار” في 1 تشرين الثاني سنة 2011، مشروعا تقدم به رجل الأعمال العراقي، وصاحب شركة متخصصة في بناء أرصفة الموانئ، جوزيف حنا الشيخ، لإقامة جزيرة صغيرة على شكل لسان بحري يمتد من الساحل العراقي الصغير في شبه جزيرة الفاو العراقية نحو الداخل الخليجي، وبناء ميناء ضخم عليها. وقد أهمل هذا المشروع من قبل حكومة علاوي المؤقتة، ثم رُفض من قبل حكومة المالكي. وقد قيل الكثير عن أسباب رفض هذا المشروع ومنها أن المستثمر الذي عرض المشروع كان يريد تحويل الميناء العراقي الضخم إلى شركة خاصة يملك ثلاثة أرباعها! فمقابل أن تتحمل شركته تكاليف إنشاء الميناء كشركة مساهِمة يمولها بنك “لازار” الفرنسي بأثني عشر مليار دولار، يشترط أن يكون له ولحملة الأسهم معه ثلاثة أرباع عائدات الميناء ويترك للدولة العراقية الربع الباقي!

أعود اليوم إلى هذا المشروع لأدعو إلى أن تقوم الدولة العراقية بتنفيذ مشروع الجزيرة الصخرية بجهودها، وبمساعدة شركات أجنبية ضمن عقود مقاولات تنفيذ لا علاقة لها بالعائدات والواردات المستقبلية للميناء وتحت السيادة العراقية التامة.

إن فكرة بناء جزيرة صخرية ممكنة جدا، وهي كفكرة لا علاقة لها بأية تصاميم وضعها هذا الطرف أو ذاك، وهي مستقلة عن أية تأثيرات كويتية أو إيرانية لأنها تحسب جغرافيا على الداخل العراقي، فهذه الفكرة ليست ملكا لمن صادف أن قدم تصاميم فنية وعلمية لإقامتها كالسيد جوزيف حنا الشيخ، ويمكن للدولة أن تشتري من شركة الشيخ التصاميم التي أنجزتها، أو تستعين بها في حقل الدراسات التمهيدية والتصاميم مقابل ثمن محدد. وهذه بعض المعلومات التي نشرت في الإعلام عن مشروع الجزيرة الصخرية ومينائها:

-يقوم المشروع على فكرة تشييد جزيرة صخرية في الجزء العراقي من مياه الخليج العربي، تقام عليها مدينة مساحتها 350 كيلومتراً مربعاً، وتمتد داخل البحر بنحو 250 كيلومتراً مربعاً.

– يتم تشيَّد تلك الجزيرة من خلال طمر مليار متر مكعب داخل البحر بـ 25 مليون طنٍّ من الحجر.

-تكاليف الجزيرة الصخرية والميناء والمدينة التجارية والسياحية قربه تصل إلى اثني عشر مليار دولار، وقد تنخفض إلى 8 مليارات، وسيكون الميناء قادرا على تسديدها كلها من عائداته خلال أربعة أعوام وبواقع ملياري دولار في العام الواحد. أما تكاليف الميناء الذي شرعت الحكومة بتنفيذه على الساحل فتبلغ أربعة مليارات ونصف المليار يورو أي قرابة الستة مليارات دولار يسددها الميناء خلال ثلاثة أعوام من عوائده فلماذا يطرح المشروع بصيغتيه هاتين على الاستثمار الأجنبي؟

ولماذا لا يجري تطوير المشروع القائم والمهدَّد بالخنق ودمجه بمشروع الجزيرة الصخرية للوصول الى التحرر الكامل للعراق من الحصار البحري المتفاقم الذي تمارسه دول الجوار عليه؟ ألا يستحق مشروعا إنقاذيا كهذا أن تشكل له وزارة خاصة به، لها ميزانية مستقلة، وتوَفَر لها إمكانات الدولة الضرورية لإنجاح أعمالها؟ ولماذا لا نبحث عن دعم الدول ذات المصلحة بالقناة الجافة العراقية كسوريا والأردن الذي يمكن أن يتجه إليه فرع من القناة الجافة؟

أما بخصوص أسباب رفض مشروع الميناء والجزيرة الصخرية من قبل الحكومة العراقية فيبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب مهمة -بين أسباب أخرى – وهي :

1-رفض المشروع من قبل الولايات المتحدة والكويت وإيران وجميع دول الجوار العراقي- باستثناء سوريا والأردن اللتين سيحقق لهما مشروع القناة الجافة العراقية وميناؤها مزايا ومكاسب اقتصادية  مهمة – فالدول الرافضة لا تريد أن ينهض عراق قوي ومزدهر، بل هي تريد  الإبقاء عليه ضعيفا مضطربا مهددا بالتمزق الطائفي والقومي وحركات التمرد الانفصالية والأقلمة!

2-فساد النظام وتورط كبار المسؤولين فيه بالرشى الكويتية لعرقلة الميناء العراقي والتنازل عن خور عبد الله، وقد حدثت فضائح عديدة في هذا الميدان منها فضيحة الهدايا الكويتية لوزير سابق والوفد المرافق له في شهر تشرين الأول من سنة 2011 وقد كشفت جريدة “الناس” النقاب آنذاك عن أنَّ هذا الوزير أرسل كتابا رسميا الى رئيس الوزراء نوري المالكي بعد زيارته إلى الكويت زعم فيه أن ميناء مبارك الكويتي لن يؤثر على ميناء الفاو الكبير وهذا غير صحيح تماما!

3-التنافس الضاري بين الأحزاب والكتل والعوائل المهيمنة على الحكومة ورغبة كل منها بالحصول على العظمة الأدسم فيه.

ولكن إلى أين وصل مشروع ميناء الفاو الكبير، والذي تم تحويله الى ميناء صغير داخلي كما يُفْهَم من كتاب وزير النقل السابق كاظم الحمامي، أرسله قبل أسبوعين من انتهاء مهام حكومته إلى رئاسة الوزراء؟ في الواقع لا يمكننا الجزم بحقيقة وضع الميناء الآن، بسبب تضارب المعلومات والفوضى الإعلامية الضاربة أطنابها، ولكن الأكيد هو أن المشروع يتلكأ، وتمت عرقلته وتصغيره وعرضه على الاستثمارات والقروض الأجنبية. فمن المعلومات المنشورة حول واقع الميناء نعلم أن كاسر أمواج واحد هو الشرقي قد تم إنجازه وأن كاسر الأمواج الغربي قد أنجز منه 90% ثم أوقف تمويله في عهد حكومة العبادي، أما كاسر الأمواج الثالث فقد خُوِّل الوزير صلاحية التوقيع على عقد إنجازه مع شركة كورية ولا يعرف إنْ كان الوزير قد وقع العقد وهل بدأت الشركة العمل أم لا؟

خلاصة القول، هي أن العراق حتى إذا نجح في إكمال ميناء الفاو بحجمه الحالي، فإنه سيكون تحت رحمة الميناء الكويتي الذي يهدد بإغلاق الممر المائي الموصل إليه، أو إعاقته المرور فيه بشكل جدي كوسيلة ضغط على العراق ليمنح الكويت ربطا سككيا، لا حياة للميناء الكويتي بدونه. وإذا حصلت الكويت على الربط السككي عبر القناة الجافة العراقية، فإن ميناء الفاو الكبير سيتحول إلى ميناء محلي محاصر. للخروج من هذا المأزق الذي وصل إليه العراق لا بد من إطلاق مشروع الجزيرة الصخرية وإدماجه – إذا كان ذلك ممكنا فنيا وهندسيا- بالميناء الحالي.

إن ميناء الفاو والجزيرة الصخرية سيوفر مساحة تعادل عشرة أضعاف مساحة الميناء الحالي وتبلغ 350 كم2، وتمتد داخل الخليج لمساحة 250 كم2 إضافة إلى مدينة تجارية وسياحية كبيرة ومحطة قطارات عالمية لربط أوروبا بآسيا، وسيقدم هذا المشروع الجريء في مراحله الأولى أكثر من مائة ألف فرصة العمل. إنَّ تكاليف هذا المشروع الضخم والتي قدرها صاحب التصميم سالف الذكر تبلغ 12 مليارا، يمكن أن تنخفض إلى ثمانية مليارات دولار كما قال خبراء، فهل يعتبر هذا الثمن غاليا مقابل فكِّ الحصار البحري القادم عن العراق وتحويله إلى دولة مقتدرة وذات ثقل جيوسياسي وازن ودور تاريخي معهود؟

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق