أيُّها المأزومين العرب-المُستعرِبين، تنّحوا جانبًا.. لقد قالها السيد نصر الله

المجهر نيوز

زهير أندراوس

وفقًا لعددٍ من الأبحاث الأكاديميّة التي نُشِرت في إسرائيل مؤخرًا، فإنّ العديد من الخطابات التي ألقاها سيّد المُقاومة، الشيخ حسن نصر الله، باتت مثل المُتلازمات التي تقُضّ مضاجع الإسرائيليين قيادةً وشعبًا، وتؤرقهم كثيرًا، منها على سبيل الذكر لا الحصر، أنّ كيان الاحتلال “أوهن من بين العنكبوت”، و”سنضربكم ما بعد، بعد حيفا”، هذا بالإضافة إلى أنّ السيّد، الذي وصف المجتمع الصهيونيّ بأنّه “مُجتمع الإسبرسو”، يحظى وفق دراسةٍ عمليّةٍ تمّ إجراؤها في كليّة (تل حاي)، شمال إسرائيل، يحظى بنسبة 80 بالمائة من الصهاينة الذين يثقون بتصريحاته. نسوق هذه المُقدّمة لأنّ نُخبةً واسعةً من الأمّة العربيّة، للأسف الشديد، كانت وما زالت، ومن المُخجِل والمُريب، ستبقى، تعتبر دولة الاحتلال الأقوى من الناطقين بالضاد في جميع المجالات، من العسكريّ وحتى الطبيّ مرورًا بالتكنولوجيا المُتطورّة، ولا يتورّع هؤلاء المهزومين، والمأزومين والمهزوزين، عن الردح بأنّ إسرائيل هي الدولة التي لا تُقهَر، وبذلك من حيث يدرون، أوْ لا يدرون، يُلحِقون ضررًا فادِحًا وجسيمًا في الحرب النفسيّة الشرِسة، الدائرة بين الصهاينة من جهة، والأمّة العربيّة من الجهة الأخرى، كما أنّهم يُساهِمون في كيّ الوعي العربيّ ويستدخِلون الهزيمة في قلوب وعقول الأمّة.

***

المأساة أوْ حتى الكارثة أنّ عددًا من المُحلّلين الإسرائيليين، المُختصّين في الشؤون الأمنيّة والحرب السيبرانيّة يُقّرون وبالفم الملآن أنّه على الرغم من عدم تكافؤ الفرص والقوّة، فإنّ المُقاومة اللبنانيّة والفلسطينيّة في قطاع غزّة تُديران ضدّ الدولة العبريّة معركةً نفسيّةً مُثيرةً جدًا، وتُحرِزان النقطة تلو الأخرى، ذلك أنّ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوةٍ واحدةٍ، فكلّ فيديو ينشره حزب الله، يزيد من حالة الهلع والرعب لدى الإسرائيليين، الذين يتساءلون: إذا كشف الموساد وجود مصانع للصواريخ الدقيقة في ملعبٍ بالعاصمة اللبنانيّة، بيروت، لماذا لم يقُم جيش الاحتلال بقصفها وتدميرها؟، والجواب يكون على الأغلب أنّ إسرائيل ليست معنيّةً بخوض حربٍ ضدّ حزب الله، وهو عذرٌ أقبح من ذنب، وبات لا ينطلي على أحدٍ في الكيان الإسرائيليّ، ذلك لأنّ السبب، باعتقادنا المُتواضِع، واستنادًا لمتابعتنا اليوميّة لما يُنشَر في تل أبيب، أنّ الردع المُتبادَل الذي أفرزته حرب لبنان الثانيّة ما زال قائمًا، لا بلْ أكثر من ذلك، إقرار إسرائيل بأنّ حزب الله قادرٌ في “حرب الشمال الأولى” على إطلاق 1500 صاروخًا وقذيفةً يوميًا على عمق الدولة العبريّة، هو السبب الذي يُفرِغ تهديدات إسرائيل بإعادة لبنان إلى العصور الحجريّة من مُحتواها.

***

عُلاوةً على ذلك، حتى وزير الأمن المُستقيل والمُتشدّد والعنصريّ، أفيغدور ليبرمان، قال على رؤوس الأشهاد إنّ إسرائيل توقّفت عن الانتصار في حرب الأيّام الستّة (عدوان يونيو 67 والنكسة)، وهذا الاعتراف من شخصيّةٍ أمنيّةٍ رفيعة المُستوى لا يُمكِن إدخاله في إطار الحرب النفسيّة، إنمّا يُمكِن اعتباره اعترافًا صريحًا، إذا جاز التعبير، بالمأزق الإستراتيجيّ الذي تعيشه دولة الاحتلال على الجبهتين الشماليّة والجنوبيّة، ونحن نُرجّح على الرغم من المُناورة الأخيرة التي جرت في إسرائيل لمُحاكاة حربٍ على جبهتين في آنٍ واحدٍ، أنّها مُحاولةً للتخفيف من حال الهلع التي باتت متأصلةً لدى السواد الأعظم من المُجتمع اليهوديّ في كيان الاحتلال. وفي هذا السياق، لا غضاضة بالتذكير بأنّ إسرائيل، التي لم تُنفّذ أكثر من ستين قرارًا صادِرًا عن مجلس الأمن الدوليّ، باتت تتوجّه إلى المجلس عينه بشكاوى ضدّ حماس وحزب الله، فهل هذا التغيير لا يُعتبر مؤشّرًا على الخوف؟

***

بالإضافة إلى ما ذُكر آنفًا، نذكر ونُذكّر بأنّ مُحلّل الشؤون الأمنيّة والإستراتيجيّة في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة، د. رونين بيرغمان، وهو المُرتبِط قويًا مع جميع أذرع الأمن الإسرائيليّة على مُختلف مشاربها، كتب يوم 29.11.18 مقالاً أكّد من خلاله على أنّ حماس تُدير معركةً شرِسةً ضدّ إسرائيل في مجال السايبر، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ قرار الرقابة العسكريّة بمنع نشر تفاصيل الجنود في وسائل الإعلام العبريّة هو مثل صاحب الحظيرة الذي يقوم بإقفال الأبواب بعد هروب الحصن منها، وأعرب عن أمله في أنّ قدرات السايبر القويّة والذكيّة التي أظهرتها حركة حماس في الجولة الأخيرة لن تُساعِدها في الحصول على معلوماتٍ أخرى عن الجنود الذين نفّذوا العملية، وتمّ اكتشافهم وقتل نائب قائد وحدة (ماغلان) النخبويّة والمُختارة، وجرح ضابطٍ آخر، والحصول على وثائق شخصيةٍ للمُقاتلين، مُضيفًا أنّ هذه التفاصيل ستؤثّر إستراتيجيًا على العمليات السريّة التي تقوم فيها إسرائيل خلف خطوط العدوّ في منقطة الشرق الأوسط، ومؤكّدًا على أنّ هذه الحرب سيكون لها تداعياتٍ كبيرةٍ على كلٍّ من شعبة الاستخبارات العسكريّة (أمان) وعلى جيش الاحتلال ككلٍّ، كما أنّها قد تودي بحياة جنودٍ وضُباطٍ إسرائيليين. وعبّر المُحلّل عن إعجابه الشديد من كفاءات وقدرات حماس في هذا المجال، ناسفًا في الوقت عينه مقولة رئيس الوزراء الإسرائيليّ الأسبق، المُجرِم يتسحاق شامير بأنّ “العرب هم نفس العرب، والبحر هو نفس البحر”.

***

ختامًا، لا غضاضة بالتذكير برواية 1984، وهي رواية ديستوبية من تأليف جورج أورويل قدّمها في عام 1949 والتي كان يتنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرةً تتقاسَم مساحته وسُكّانه ولا تُوفّر أحلامهم وطموحاتهم، بل تُحوّلهم إلى مجرد أرقامٍ في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يُراقِب كلّ شيءٍ ويعرِف كلّ شيءٍ، حيث يُمثّل حكمه الحكم الشموليّ. وفي هذه الرواية نرى نظامًا شموليًا قمعيًا فيه حزبٌ واحدٌ حاكمٌ وشخصٌ يُدعى “الأخ الأكبر” يُمثّل رئيس الدولة. ويُمارِس الحزب-الدولة تزييفًا للحقائق والتاريخ، والناس يُصدّقون كلّ شيءٍ وأيّ شيءٍ، وهذه الرواية تنطبق على إسرائيل وماكينتها الدعائيّة، بدعمٍ أمريكيٍّ-غربيٍّ، وتواطؤٍ من دول التطبيع العربيّة، التي تستغّل أبواقها الإعلاميّة لمُساعدة إسرائيل في حربها ضدّ كلّ مَنْ يختار المُقاومة والمُمانعة سبيلاً ومنهجًا. المؤسف حقًا، كما قال مارتن لوثر كينغ “إنّه لا شيء يؤلِم الناس مثل التفكير”، ذلك أنّك عندما تُحاول النقاش حول المصداقيّة، يُواجِهك الآخر بالصورة، التي نشرتها الدعاية الصهيونيّة، وهنا تكمن المُشكلة أنّ الأغلبيّة من أمتّنا العربيّة ما زالت أسيرة النكسة، والأنظمة الرسميّة بغالبيتها العظمى تعمل على إبقائها هناك.

***

تذكّروا مقولة حكيم الثورة وضميرها، د. جورج حبش: “إسرائيل ليست أقوى من أمريكا، والشعب الفلسطينيّ ليس أضعف من شعب فيتنام”.

كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق