جامعة باتنة تحتفي بالشاعر عثمان لوصيف

المجهر نيوز

الدكتور محمد سيف الإسلام بوقلاقة

لا يملك المتتبع للشأن الثقافي ببلادنا إلا أن يُثني على المبادرة الحضارية، و  المتميزة التي قامت بها جامعة الحاج لخضر باتنة -1-مؤخراً، حيث أقامت يوم الأربعاء:05ديسمبر2018م،  ندوة علمية متميزة احتفت فيها بالشاعر الكبير عثمان لوصيف الذي وافته المنية خلال شهر جوان:2018م، و  يعد  صوتاً شعرياً متميزاً،  وصاحب تجربة شعرية باذخة، أسهمت بشكل كبير في تطوير مسار الحركة الشعرية الجزائرية المعاصرة ، إذ   يعد الشاعر عثمان لوصيف أحد الوجوه الثقافية، والأدبية البارزة على مستوى المشهد الثقافي، والإبداعي الجزائري، امتدت تجربته مع الكتابة إلى أكثر من نصف قرن، تميز بالغزارة في كتابة النصوص الشعرية، فقد أسس لنفسه مكانة داخل الإبداع الأدبي الجزائري منذ عمله الأول الموسوم ب: «الكتابة بالنار»(1982م)،  وما تبعه من أعمال شعرية أخرى تكتسي أهمية بالغة،  وهي ما تزال بحاجة إلى دراسات عميقة،  وتأويلات متعددة،  ومتنوعة، ومن بين هذه الأعمال: «شبق الياسمين»(1986م)،  «أعراس الملح»(1988م)،  «أبجديّات»(1997م)،  «نمش وهديل»(1997م)،  «اللّؤلؤة»(1997م).

شارك في فعاليات هذه الندوة العلمية المتميزة  لفيف من الأساتذة،  والباحثين المتميزين من مختلف الجامعات الجزائرية ليتدارسوا أعماله ، وذلك تقديراً للجهود، والتضحيات الكبيرة التي بذلها في  إثراء الساحة الأدبية، والشعرية بإنتاجه الغزير.

    فقد احتضنت كلية اللغة والأدب العربي والفنون، بالتنسيق مع مخبر أبحاث في التراث الفكري والأدبي بالجزائر، ومؤسسة بيت الشعر في مدينة باتنة برئاسة الشاعرة الدكتورة سليمة مسعودي صاحبة الفكرة،  و المبادرة النبيلة،  يوماً دراسياً موسوماً ب:«شعر عثمان لوصيف تميز الرؤية والرؤيا وجماليات التشكيل»،

ولا ريب في أن الاحتفاء بالأدباء، والشعراء، وقادة الفكر ، يعد من السنن الحميدة الجديرة بالإشادة والتنويه ، نظراً لما ينطوي عليه من دلالات عميقة تؤكد معنى الوفاء، والاعتراف بالفضل لأصحابه، حيث دمت خلال فعاليات الندوة عدة مداخلات، وأبحاث عن أعماله  ، ومنجزاته الشعرية المتميزة،  فبعد الكلمات الشرفية الأولى التي ألقيت من قبل الشاعرة الدكتورة سليمة مسعودي بلخير، والسيد عميد الكلية،  ونائب رئيس الجامعة للعلاقات الخارجية،  انطلقت فعاليات هذه الندوة العلمية المتميزة بمحاضرة الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عنابة  ، وقد حملت   عنوان:«جماليات الإبداع الشعري عند عثمان لوصيف»، وقد أشار في البدء إلى أن الغوص في عوالم الإبداع الشعري،  وجمالياته عند الشاعر الخنذيذ عثمان لوصيف  هو مغامرة غير محسومة النتائج، إذ أنه شاعر من طراز فريد، و صاحب شاعرية مكتملة  ناضجة،  تنضح بالرؤى الفلسفية،  والفكرية الراقية، وتجربته تدفع القارئ إلى التحليق نحو آفاق رحبة، وعوالم ليست لها حدود، إذ نلاحظ قدراته التلقائية على التعبير، فهو يتسم بصياغته الجذابة، وإيقاعه المنغم الجميل،  وقد وقع اختيار الدكتور سيف الإسلام بوفلاقة –كما ذكر في مداخلته- على ديوان شعري متميز،  وثري للشاعر عثمان لوصيف (شبق الياسمين)، يُفيد  في تقديم قراءة عميقة لمجموعة من قصائده الشعرية الطافحة بالجمال، والتي تكشف النقاب عن المحمولات الثقافية في إنتاج الأديب عثمان لوصيف، وتسمح بالتعمق في خبايا النفس الإنسانية، كما تميط اللثام عن الرؤية الشعرية التي تنبثق من الذخيرة اللغوية،  والمخزون الذي يستغله الشاعر استغلالاً دلالياً،  مفارقاً للمألوف الذي يعبر به، والذي تنضوي تحت لوائه اللغة الشعرية بمختلف عناصرها المفتوحة على التداول،  والتأويل، فالخطاب الشعري الذي هو عمل لغوي غير مباشر، تتجاوز دلالته دلالة الألفاظ، ويتأسس على سمات،  ومواضعات مضمرة،  وخاصة.

وقد أشار الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة إلى أهم النتائج التي توصل إليها في دراسته لديوان: (شبق الياسمين)،  ومن أبرزها:

  أن الشاعر عثمان لوصيف شيد في بعض قصائده جسور تواصل وطيدة مع تراثه العربي، حيث إنه ينظر إلى هذا التراث بحسبانه مصدر إلهام،  وإيحاء مهم لا غنى للشاعر عنه، فعلاقة الشاعر عثمان لوصيف   بالتراث لا تقوم على التقليد،  وإعادة إنتاج التراث كما هو، بل تقوم على التفاعل العميق مع عناصره، ومعطياته،  وذلك بغرض تطويعها،  وتجسيدها في قصائده،  واستغلال طاقاتها،  وإمكاناتها  الفنية للتعبير عن هواجسه،  وإيصال أبعادها النفسية،  والشعورية إلى المتلقي، فالتراث يعد بمصادره المختلفة منجم طاقات إيحائية لا ينضب له عطاء، فعناصر هذا التراث،  ومعطياته لها من القدرة على الإيحاء بمشاعر،  وأحاسيس لا تنفد، ومن ذلك استهلاله قصيدة: «الأمانة» بقوله تعالى: ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال  فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، فقد استلهم هذه الآية الكريمة، في مقطوعة شعرية رائقة الديباجة، وسلسة الأسلوب، و    يتضح من خلال هذه المقطوعة أن شاعرنا قد أفاد من التراث في إغناء شاعريته سواء على المستوى الفني، أو المستوى الفكري، والدارس لشعره يلاحظ أنه قد تأثر بمصادر تراثية عديدة، دينية، وأدبية، وتاريخية، كان لها الأثر الكبير في تعميق تجربته الشعورية ، وإرهاف أدواته التعبيرية.

وأغلب القصائد في ديوان: (شبق الياسمين) تجسد هواجس الشاعر الذاتية، وتصور أحواله النفسية، وانفعالاته،  وتجاربه الخاصة المستمدة من واقع الحياة بإكراهاتها، ومظاهرها المتعددة،  ويتجلى من خلالها وهج المعاناة،  وحرارة الصدق، والحساسية المرهفة.

وبالنسبة إلى اللغة الفنية الموظفة من قبل الشاعر عثمان لوصيف، لاحظ الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة أنها قد توزعت على حقول دلالية متنوعة المفاهيم،  وقد جاء هذا التوظيف الفني للغة الأدبية تعبيراً عن رؤى معينة،  فهو يؤسلب لغته على أساس من المحسنات البلاغية المعروفة من استعارة،  وتشبيه، ومجاز،  وفيما يتصل بالمعجم الفني، أو المستوى المعجمي كما يسميه بعض النقاد فقد اتسم بالثراء،  والغنى ، وتوزع على مجموعة من الفضاءات،  لعل أبرزها:

أ-وصف الفضاء: (فضاء الطبيعة):والذي تجلى من خلال الزمن ومؤشراته، والمؤشرات المكانية، من أهم المصطلحات التي وظفها الشاعر عثمان لوصيف بكثرة، وعبرت عن الزمن ومؤشراته، والمؤشرات المكانية في ديوان شبق الياسمين: الدجى، الظلام، الليل، البرد، الثلج، الضياء، الطقس، والندى، البرق، الوردة، البنفسج، السماء، النجوم، المياه، الفصول، الضوء، الكوكب، الهواء، الحدائق، العواصف، التراب، الغبار، الصحراء، العواصف،

الرمل، النمل، الزهر، الخصب، الأشجار، الأمواج.

 كما استعمل الشاعر عدة ألفاظ موحية بوصف الشخصية الإنسانية من بينها:الفرحة، الذهول، البكاء، المهجة، النعاس، العناء، التعب، الحداد،  الرفض،  العيون، الوفاء، العهد، الألم، الحنين، الأنين، الدموع، الفرح،  الأسى، وغيرها.

و من أبرز  ما يتجلى للمتأمل في ديوان: شبق الياسمين، أن الشاعر ينتقي مفردات من التراث التليد، ويمزج في بعض الحالات بينها وبين اللغة السائدة في هذا الزمن بغرض تحقيق تواصل سليم مع القارئ، دون إهمال الجانب الجمالي، فعثمان لوصيف لديه هوس بتصوير المشاعر،  والانفعالات من خلال مجموعة كبيرة من الألفاظ المحملة بالدلالات الشعورية،  والجمالية،  التي تتردد كثيراً في قاموسه الشعري الثري، وهي ألفاظ تدل على عمق شاعريته  ، مثل:الحب، والنور، والليل، والمصباح،    ، العذاب، الروح، العشق، السكون. وهي ألفاظ تثير الهواجس الرقيقة المُحملة  بالذكريات، والشحنات العاطفية.

وبعد المداخلة الافتتاحية الأولى التي قدمها الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقـة، قدم الدكتور عبد القادر  العربي من قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة المسيلة محاضرة موسومة ب  :«أدب التصوف في تجربة عثمان لوصيف»، بين فيها مظاهر تأثر الشاعر عثمان لوصيف بالكتابات الصوفية في إبداعه الشعري،  وأشار إلى أنه قد عرف الشاعر في حياته، ونبه إلى صفاته الأخلاقية، والإنسانية الراقية،   وبعد مداخلة الدكتور عبد القادر العربي أحيلت الكلمة إلى الدكتورة سميرة قروي   ، حيث كانت مداخلتها  بعنوان:«البعد الصوفي لصورة المرأة في شعر عثمان لوصيف»،  ودرست الدكتورة حنينة طبيش من جامعة خنشلة موضوع  :«اشتغال الرمز في شعر عثمان لوصيف»، في حين تطرق الدكتور صالح زكور من جامعة الوادي في مداخلته إلى موضوع  :«التجربة الفنية في شعر عثمان لوصيف»،  وقد اختتمت فعاليات هذا اليوم الدراسي بمحاضرة متميزة للدكتور عبد الكريم الشريف، الذي كان صديقاً للشاعر ، وكتب مقدمة ديوانه الموسوم ب: «اللّؤلؤة»، وقد استعاد في كلمته ذكرياته مع الشاعر الراحل،  ونوه بلغته المتميزة،  والتي لها دلالات عميقة جداً.

وقد اختتم اليوم الدراسي بتقديم   الباحثة ، والشاعرة الدكتورة سليمة مسعودي؛ رئيسة مؤسسة بيت الشعر في ولاية باتنة  مجموعة من التوصيات القيمة، والجديرة بالاهتمام،  والتأمل،  ومن أبرزها:

ـ إعادة طبع ونشر الأعمال الأدبية الكاملة للشاعر، والأديب المتميز الدكتور عثمان لوصيف-عليه رحمة الله-، والقيام  بتوزيعها على مختلف دور الثقافة الجزائرية، والمكتبات الوطنية، ومكتبات الجامعات في مختلف ربوع الوطن،  مع طبع أعماله العلمية التي قدمها في مختلف محطات دراسته الجامعية،  ومن بينها الرسالة التي نال بها درجة الدكتوراه (العالمية العالية)في الأدب العالمي بأعلى تقدير من جامعة وهران، يوم: 3جويلية2016م، بعنوان:«التجربة الشعرية عند رامبو».

-إقامة مهرجان ثقافي، وأدبي سنوي يُعنى بدراسة،  وتحليل أعمال الشاعر، وإبداعاته الخالدة، ويضم ندوات نقدية، ولقاءات ثقافية تكشف الجوانب الخفية من سيرة هذا الشاعر الفذ.

-تسمية أحد مدرجات، أو قاعات الكلية باسم الشاعر عثمان لوصيف، بصفته أحد طلاب جامعة باتنة الذين شرفوها،  ورفعوا اسمها عالياً في مختلف المحافل الثقافية، كما كتب عدة قصائد متميزة عن هذه المدينة العريقة.

– تركيز الاهتمام على إبداعات الشاعر عثمان لوصيف في الموضوعات المقترحة لإنجازها في مرحلة الدراسات المعمقة بجامعة باتنة.

-الحرص على أن تكون هذه الندوة العلمية المتميزة نقطة البداية،  ويتم تكرارها بطبعات سنوية، لتعميق المدارسة،  والبحث في إنتاج الأديب عثمان لوصيف الثري، والغني بمختلف الظواهر الجمالية،  من أجل كشف النقاب عن جوانب أخرى.

وما يمكن قوله في الختام إن هذا اليوم الدراسي يعد إنجازاً علمياً متميزاً  لجامعة باتنة،  ولمؤسسة بيت الشعر الجزائري في مدينة باتنة الجزائرية العريقة،  التي نجحت في التنبيه إلى تجربة شعرية جزائرية ثرية جداً،   ما زالت تستحق الدراسة، والبحث،  والتنقيب، والمدارسة الجادة.

قسم اللغة العربية-جامعة عنابة- الجزائر

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق