خالد فارس: شرارة “السترات الصفراء” فى فرنسا تُشْعِل الحرب بين الحرية والمساواة

المجهر نيوز

خالد فارس

نعتقد أن ماكرون على دراية بأن عقد الديمقراطية التى تغتال المساواة فى المجتمع, لم يكن لها البقاء الى هذا اليوم, سوى لأسباب, منها يعود, الى أن الديمقراطية الغربية ترعرت على استلاب شعوب الأرض, بالتطفل على خيرات وثروات العالم, الذى منحها, مداخيل اضافية من خارج بنية الاقتصاد الوطنى. أما اليوم, فان هذا التطفل الريعى أصبح عصياً أكثر من أى وقت مضى.

فقدت ثيمات الثورة الفرنسية: (الحرية والمساواة والاخاء), توازنها, أو استدامتها, فهى بحاجة الى استعادة زخم المساواة والاخاء “أن يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه”,  لكى تصبح الحرية معقولة وعقلانية, وليست عنصرية وتمييزية.

فى ستينات القرن العشرين, حدث شرخ فى أوساط الحركات المطلبية والتحررية, مفاده, هل الصراع حول الحرية أم حول المساواة الاقتصادية؟  عَبّرَ الاتحاد السوفييتى وحركات التحرر عن المساواة الاجتماعية, وضرورة ايجاد حلول تاريخية حقيقية للشرائح الاجتماعية تتخلص بها من التفاوت الطبقى. فى المقابل, أميركا والغرب الرأسمالى, تصدت لمسألة الحرية أولاً, والباقى تحصيل حاصل.

بالفعل استطاع الغرب أن يُؤَّثر على الحركات الاحتجاجية فى ستينات القرن العشرين,  وتَبَيّنَ أن مفاهيم حرية الفرد والكرامة الفردية, لها قوة التحشيد وتأثير جارف. وشكلت هذه المفاهيم قوة جذب مركزية لدى الحركات الاحتجاجية فى ستينات القرن العشرين, حركة الطلاب التى اجتاحت العالم-1968 من باريس الى شيكاغو الى بانكوك الى المكسيك. ولاحقاً فى اوروبا الشرقية التى أدت الى تفتيت الكتلة الشرقية, اضافة الى الحركة الطلابية فى ساحة تيان آن مين فى الصين (1989).

بعد أن انتصر برنامج الحرية الفردية على برنامج المساواة, هاهنا نحن, فى عام 2018, تكتشف الشعوب الغربية, بأن الحرية ضرورية, ولكنها بلا مساواة اجتماعية, لا معنى لها. ماهى فائدة انتخابات ديمقراطية, “حرة” و”نزيهة”, تبقى فيها قوى مالية احتكارية تتحكم فى الشعوب, ولا تتغير معادلة الحقوق الاجتماعية, بل تتدهور؟.

ان الحرية بلا مساواة, تُسْقِط مشروع الجمهورية الفرنسية, ولن تستطيع الديمقراطية القائمة انقاذها. وكذلك الأمر فى أميركا, المشكلة متفاقمة أكبر من فرنسا. الذى أوصل دونالد ترامب الى سدة الرئاسة الأمريكية, هو ارتدادات أزمات المساواة. ويؤكد على ذلك العديد من المفكرين.

ففى مجلة Foreign affairs., October 2018, فى مقالة عنوانها (العشائرية-القبلية الجديدة و أزمة الديمقراطية), يقول فراسيس فوكوياما عن أميركا وعن الديمقراطية “المجتمعات الديمقراطية تتكسر الى قطع على أسس هويات ضيقة, تهدد اى امكانية للتداول أو العمل الجماعى على مستوى المجتمع ككل. هذا الطريق يقود الى انهيار الدولة, وفى النهاية, الفشل…. ينتشر التمييز والتعصب واقفاً ضد مجموعات كبيرة, وأن اقتصاد السوق أنتج لامساواة كبيرة جداً”. يتحدث فوكايوما بلغة اليسارى أكثر منه بلغة الليبرالى, وهذه المفارقة, كأنها تستدعى منه اعادة قرائة لما كتبه سابقاً.

استيقظت الطبقات الاجتماعية الفرنسية على قسوة الظروف المعيشية الحادة, أحد متظاهرى السُّتر الصفراء تحدث على شاشات التلفاز, عن دخل شهرى يبلغ 700 يورو, يدفع منها 500 يورو تكاليف ايجار, يتبقى له منها 200 يورو للشهر. اذا كان هناك أعداد كبيرة من هؤلاء, فاننا نتحدث عن خط فقر متفاقم فى فرنسا لاعلم لنا به. ما لفت نظرى هو أنه كان يتحدث ومن حوله مجموعة تعكس التماثل فى الظروف. فيما يبدوا أن مسألة المساواة تداخلت مع الفقر والعَوَزْ المالى فى علاقة مشتبكة, جعلت العنف هو الرد الطبيعى, لمواجهة تجيير المساواة لصالح الحرية, يتناتج منها برلمان يعبر عن مجموعات القوة والضغط والمال واللوبيات.

تشير الأرقام الى دقة ما يقوله هذا المتظاهر. فان معدل دخل الفرد فى فرنسا (عام 2018) يبلغ فى أعلى مستوياته 42,567  دولار أمريكى, وأقل مستوى له 12,991, يعنى ذلك أن معدل دخل الفرد الفرنسى شهريا يتراوح ما بين 3,457-2,459 (دولار), مما يؤكد ما يقوله المتظاهر الذى أشرنا له. ولو قمنا بمعادلة القدرة الشرائية مع الأسعار العالمية, يصبح معدل الدخل الشهرى الحقيقى للمواطن الفرنسى ما بين  3,217- 1,082  (دولار أمريكى).

https://tradingeconomics.com/france/gdp-per-capita.

لن تستطيع فرنسا, كما فى الماضى, أميركا مازالت قادرة, أن تفرض أتاوات على دول العالم الثالث, أو تطلب من العالم تسديد تكاليف اقتصادها, كما يفعل ترامب. فى ظل هكذا مشهد, نعتقد أن العقدة ليست فى تحسين الأجور, أنما فى نظام الحرية الذى أدى الى تحطيم الطبقات الاجتماعية. والسؤال الذى يواجهه ماكرون, هل فرنسا الرأسمالية بحاجة الى نظام استدامة للمناخ والبيئة أم تحسين أجور أم نظام استدامة اجتماعى؟

الغاء الضرائب, بعد أن استيقظ الشعب, بشرارة الستر الصفراء, لن يحل المشكلة. فالأزمة بنيوية, بحاجة الى اطلاق جمهورية سياسية جديدة فى الحرية والمساواة والاخاء. اذا تبناه ماكرون, سيكون بحاجة ماسة الى حليف قوى له, مثل ألمانيا, مما قد يؤدى الى تحويل أوروبا الى أحلاف على غرار أحلاف الحرب العالمية الأولى والثانية, واذا لم يتبناه, وهو الأرجح, سيرحل, ليواجه المجتمع الفرنسى أزماته الحادة الى حين.

نعتقد أن أن الأمر قد قُضَى, وانتهى عقد ماكرون, الليبرالى الأخير.

كاتب عربى.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق