استراتيجية ترامب للأمن القومي: عموميات تعكس خطابه الانتخابي

المجهر نيوز

المجهر الاخباري – كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الإثنين، عن استراتيجية إدارته للأمن القومي، بدت في مضمونها أقرب إلى بيان محبوك لشعاراته التي طرحها خلال حملته الانتخابية في هذا الخصوص.

جمعت الاستراتيجية بين صفحاتها التي تربو على الخمسين، بين العموميات والبديهيات والخطوط العريضة المتوارثة من الإدارات السابقة، مع تلميحات كاشفة وفارقة نسبياً، بخصوص بعض ملفات وأولويات الشرق الأوسط.

وبذلك خلت هذه الوثيقة التي يرفعها الرئيس الجديد إلى الكونغرس، من الماركة المسجلة باسم ترامب، وجاءت بصيغة مطاطة تترك المجال واسعاً للاستنساب في التطبيق، ولحفظ خط الرجعة لا سيما حيال التعامل مع “الخصمين” روسيا والصين، بالرغم من اللغة المتشددة التي استخدمها أو بالأحرى ارتضى استخدامها، حيال ممارساتهما الجيو–سياسية والاقتصادية.

وهي لغة أملتها الحسابات والاعتبارات السياسية الداخلية لترامب، وبما يرضي قاعدته الشعبوية والجمهوريين في الكونغرس، أكثر مما هي سياسة يزمع اعتمادها حيالهما، فهو على علاقة ودية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وعلى علاقة تقدير مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يحتاج له في الأزمة الكورية.

لكن اللافت فيما تتسم به هذه الاستراتيجية في عرضها للتحدّيات، هو افتقارها للتفاصيل والخطوات العملية التي يعتزم الرئيس اتخاذها، إذا ما اقتضت مستلزمات الأمن القومي التي عرضها، فضلاً عن أنّها احتوت على قدر من التناقض.

يتحدّث ترامب عن دور الدبلوماسية، في حين جرى وما زال تعطيل دور وزارة الخارجية؛ وزيراً وجهازاً. وإذ أسهبت الوثيقة في سرد وتحديد المخاطر، بقيت في المقابل قاصرة في كتابة وصفة المعالجة. وبذلك بدت مفتقرة إلى العناصر المطلوبة لتصنيفها في خانة الاستراتيجية، ما عدا الاسم.

“فليس كافياً تحديد الأهداف من غير تعيين المهمات والخطط لاعتمادها عند اللزوم”، حسب ما جاء في الرّد الأولي للخبير أنطوني كوردسمان من “مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية” للبحوث في واشنطن.

فقد مرّ الرئيس بصورة سردية على قضايا هامة وخطيرة في عالم اليوم، مثل “الحرب السيبرانية والأمن الاقتصادي” (فيما يمرّر، اليوم الثلاثاء، مع الجمهوريين في الكونغرس، قانون الخفض الضريبي شديد الأذى بالوضع الاقتصادي وفق غالبية الخبراء) وتجديد أساسيات الأمن القومي وأهمية الشراكة التي بقي تعريفها مبهماً، ما عدا إشارته إلى الحلفاء التقليديين، وتحديدا الأوروبيين الذين لا تربطه بهم علاقة موثوقة بكل حال.

وقد تبدّى ذلك بصورة جلية في الجزء المقتضب الذي خصّصه ترامب للشرق الأوسط، حيث حذف منه فلسطين كقضية وغيّب الاحتلال الإسرائيلي، واستغلّ الوضع الراهن في المنطقة لتهميش حقوق الشعب الفلسطيني.

يزعم الرئيس الأميركي في استراتيجيته، أنّه “على مدى أجيال جرى تصوير النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل على أنّه المانع الأساسي للسلام والازدهار في المنطقة. لكن تهديد الإرهاب الجهادي وإيران يكشف اليوم أنّ إسرائيل ليست سبب مشكلات المنطقة”، بحسب قوله.

خطاب عملت مفاتيح إسرائيل في واشنطن طويلاً لحثّ واشنطن على تبنّيه كسياسة معلنة، وهذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها هذه الجهات، في حمل البيت الأبيض على تبنّي هذه المقولة صراحة وخطياً ليقتدي بها ترامب في تعاطيه مع المنطقة التي يبدو أنّ دولاً فيها “قد وجدت الأرضية المشتركة مع إسرائيل لمواجهة التهديد المشترك”، كما جاء في نص خطابه.

وبالرغم من هذا التهميش للقضية الفلسطينية، تصرّ الإدارة الأميركية على أنّها ما زالت “ملتزمة بالعمل على تسهيل التوصل إلى اتفاق شامل مقبول من الفلسطينيين وإسرائيل”، كما ورد في الوثيقة.

وللتأكيد على التزامها الصوري، استخدمت الإدارة الأميركية حق الفيتو في مجلس الأمن، مساء الإثنين، ضد قرار لا يذهب إلى أكثر من التعبير عن الأسف لقرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هيلي رأت في القرار “إهانة” لحقّ أميركا الإقرار بعاصمة إسرائيل، فالأولوية لديها تكمن في تعزيز “الشراكة بهدف تعزيز الأمن والاستقرار” هناك.

كما مرّت الوثيقة بشكل خاطف، على مجلس التعاون الخليجي، في سياق التعبير عن “الالتزام بمساعدة شركائنا لتحقيق الازدهار والاستقرار في المنطقة، وبما يشمل مجلس التعاون الخليجي المتكامل والقوي”، من دون الإشارة ولو بالتلميح إلى حصار قطر، وضرورة التراجع عنه.

وإذ خصّ ترامب في استراتيجيته، العراق، بالعمل على “تقوية علاقة أميركا الاستراتيجية معه، والسعي لتحقيق تسوية للحرب الأهلية السورية تفتح المجال لعودة اللاجئين”، إلا أنّ التركيز بقي “للعمل مع الشركاء لإبطال مفعول نشاطات إيران الشريرة في المنطقة”، فطهران هي محور الاستراتيجية وأولويتها في الشرق الأوسط، وما عداها تراجع إلى الصفوف الخلفية.

استراتيجية ترامب مرآة لمقاربته، وقبل كل شيء لنهجه في التعاطي مع القضايا والأطراف الدولية، فالعلاقة عنده صفقة وليست تحالفاً. بهذا التصور وضع الاستراتيجية فريق بيروقراطي في البيت الأبيض، يفتقر للرؤية والتجربة في هذا المجال.

وقد خضعت استراتيجية الأمن القومي، لأكثر من مراجعة وتعديل من قبل ترامب، بحيث تكون مواتية لخطابه وتصوّراته، وقابلة للتكيف مع أسلوبه في المناورة، أكثر مما هي بوصلة لدور أميركا، في عالم يمرّ بمرحلة انتقالية مضطربة.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق