انتفاضة فلسطينية جديدة؟ من يقطف الثمار

المجهر نيوز

د. هشام أحمد فرارجة

لم يكن أبدا غريبا على الشعب الفلسطيني أن يهب في انتفاضة جديدة ضد محتليه. فتاريخه حافل بمحطات نضالية مشرفة عديدة متعاقبة منذ بداية تنفيذ المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين قبل أكثر من قرن من الزمن.

فلا بطش الانتداب البريطاني أقعده. ولا فتك النكبة أو النكسة به ثناه. ولا امعان الاحتلال الاسرائيلي في التنكيل به والترهيب له كان قادرا على أن يردعه.

بل على العكس! كان الشعب الفلسطيني يخرج من كل تجربة نضالية أقوى وأصلب عودا من ذي قبل, رغم ما يتكبده من خسائر بشرية ومادية تكاد لا يمكن حصيها.

ولكن السؤال الذي تجدر الاجابة عليه يتمثل في ضرورة معرفة وفهم أسباب عدم تمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق أهدافه وممارسة حقوقه الوطنية رغم كل نضالاته الباسلة وعطائه المميز حتى الآن.

بالتأكيد, لم يكن مرد ذلك يوما هو ما يتمتع به خصوم الشعب الفلسطيني من تفوق في مقومات القوة المادية, رغم أهميتها القصوى. ولم يكن ذلك عائدا لتقاعس عند الشعب الفلسطيني طيلة مراحل نضاله.

ان السبب الاكثر الحاحية في فهم عدم تحقيق الاهداف الفلسطينية الاستراتيجية المتمثلة بالتحرير والاستقلال والعودة والحرية يكمن بالدرجة الرئيسية في جوانب وظيفية وتركيبية فلسطينية داخلية, تكاد تتكرر منسوخة تقريبا في كل محطة نضالية يخوضها الشعب الفلسطيني. ان المتمعن في كافة المحطات النضالية لا محالة يجد أن من أهم القواسم العظمى بينها هو حالة انقسامية من نوع ما, تعمل على تفتيت الجهد الفلسطيني وتمزيقه, ومن ثم بعثرة نتائجه واجهاضها. ففي كافة المحطات تقريبا, لم يكن مردود الحصاد السياسي منسجما مع حجم ما قدم من تضحيات وبطولات.

وللتدليل فقط, فان ما أجهض الثورة الفلسطينية الكبرى التاريخية ضد الانتداب البريطاني والاستعمار الصهيوني عام 1936-1939 لم يكن أبدا قوة بطش هذه القوى المتجبرة, رغم كل ما أحدثه من نتائج وخيمة, وانما, وهو الاكثر ايلاما, الانقسام الفلسطيني القيادي العائلي الحاد بين حسيني ونشاشيبي, وما أفرزه ذلك الانقسام من طاقة سلبية هائلة أثقلت واقع الحال الفلسطيني في حينه, وساهمت في اجهاض الزخم الذي تمكنت تلك الثورة التاريخية  من انتاجه.

والى حد كبير, يمكن قول ذات الشيء عن الانتفاضة الفلسطينية لعام 1987. ففي الوقت الذي نجحت فيه تلك الانتفاضة في توحيد كافة قطاعات الشعب الفلسطيني خلف فكرة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بالحجر, كانت الساحة الفلسطينية تئن في بداية الامر تحت وطأة انقسام القيادات بين حركة حماس الناشئة والقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. هذه الحالة الانقسامية تركت بالغ الاثر على الواقع الفلسطيني في حينه, تماما كما فعلت في مراحل لاحقة. وان كانت هذه الحالة الانقسامية ليست كافية, فقد تفاقمت بشكل بائس بين داعم للمفاوضات والعملية السياسية المنبثقة عن مدريد وأوسلو ومعارض لها, الامر الذي أنتج مجموعة اختلالات وظائفية وتركيبية فلسطينية وخيمة, خاصة على مستوى القيادات الحزبية والفصائلية, ما زال الشعب الفلسطيني يعاني الامرين منها حتى الآن. فما تمخضت عنه انتفاضة عام 1987 من نتائج سياسية حقيقية ملموسة لم يكن بحجم ما قدم من تضحيات وبطولات.

ولم تكن انتفاضة الاقصى لعام 2000 مخالفة للاستثناء. ففي حين نجحت تلك الانتفاضة في تغيير ميزان الرعب لصالح الشعب الفلسطيني بشكل غير مسبوق, فقد طغت الانقسامات القيادية على بعض مجرياتها, وبالتأكيد وقفت حائلا في تمكنها من تحقيق نتائج سياسية بحجم ما تخللها من زخم نضالي.

ليس مبالغة القول أن وقع الانقسامات القيادية الفصائلية والحزبية على الشعب الفلسطيني كان أقوى من تحديات كثيرة اخرى.

وهذا هو واقع الحال اليوم! فما الذي سيمنع من أن تندلع انتفاضة فلسطينية بطولية جديدة حتى لتغرق في أتون الانقسامات والحزبيات والفصائليات الضيقة, ولربما العشائريات!

ليس كافيا, بل ولا مقبولا, أن تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة دون أن تتمكن من تحقيق غايات سياسية دقيقة, ملموسة وحقيقية. لا يحتاج الشعب الفلسطيني الى مراكمة المزيد من البطولات, حتى لتجهض انجازاته على مذبح التنافسات المصالحية الضيقة التي أصبحت وبالا لا يحتمل.

حتى الآن, لم يستطع الشعب الفلسطيني من قطف ثمار نضالاته وانتفاضاته وثوراته التي يمكن له أن يفاخر بها الشعوب, وذلك بسبب تعاظم أزمة القيادات, جيلا بعد جيل. لقد آن الاوان لوضع كافة الخلافات السياسية والحزبية والقيادية جانبا, تجنيبا لهذا الشعب للمزيد من الاجهاضات لنضالاته. وان ما تعذر ذلك, فلربما على الشعب الفلسطيني المعطاء أن يتوخى الدقة والحذر, وأن يتحلى بالمزيد من الصبر ورباطة الجأش حتى يسود الساحة الفلسطينية منطق الكرزماتية والتجميع والتوحيد.

فلأي جولة فلسطينية نضالية جديدة حتى تكون ناجحة, لا بد الا وأن تتركز حول غاية سياسية جامعة. فللمتتبع أن يتذكر أن ما مكن الثورة الفلسطينية المعاصرة من جذب قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني لصفوفها كان بالدرجة الرئيسية يتمثل في طروحاتها الجامعة التي لا تستثني أحدا بسبب انتمائه العقائدي أو الديني. وما أحوج الشعب الفلسطيني اليوم لدثر ثقافة الانقسام والتقسيم, والاحلال مكانها ثقافة التعاضد والتوادد واعتبار تضخيم الخلافات خروجا عن الصف الوطني.

– استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق