جمال أكاديري : اللوبي الصناعي الأمريكي والمضاربون

المجهر نيوز

جمال أكاديري

  • مقدمة :

  • – تعتبر حلبة الاقتصاد العالمي ساحة معركة هائلة ، حيث لا يكفي أن تصنف من البلدان التي تدير اقتصادا جيدا  معافى من فيروس الأزمات المستقبلية   ، بل عليك أن تكون ، عند ساعة الحسم ، أفضل من الخصوم  في كسب معاركك الاقتصادية بقوة

  • في الأغلب ، يتم تقييم  غنائم هذه المعارك الاقتصادية الاستباقية ،  بكم الحصص المكتسبة في الدورات التجارية الدولية  المقترنة بشتى السلع والخدمات ، وكذلك بتدفق الاستثمارات المباشرة ورؤوس الأموال، التي تتنقل كما نعلم ، باستمرار ، بحثا عن أفضل فرص الربح بأقل المخاطر.

  • وإلى هذين المعيارين إذن (التدفقات الرأسمالية وتدفق السلع والخدمات)  اغلب الدول التي يطلق عليها “الدول المتقدمة” تصرف جهد اهتمامها ،  وتستخدمهما كمؤشرين بارزين لقياس مدى نجاعة خياراتها السياسية الاقتصادية ، قبل أن تفكر في مراجعتها عند ظهور الثغرات.

  • فنجاح العولمة الاقتصادية واكتساحها ، كما صار الان مسلم به عالميا ، لا تستند إلى منطق التعاون بين الدول ، بل  بالمواجهة الشرسة بين الشركات الكبرى

  • فلم تعد قوانين المنافسة في العقود الأخيرة محصورة بين الاقتصادات التي تم ترسيمها حسب المناطق القومية الجغرافية ، ولكن قفزت إلى مستوى الأخذ اولا بمعيار  المواهب والكفاءات (مايسمى بالرأسمال اللامادي ) وبهذا تكون قد  كسرت طوق الجغرافية  و اخترقت الهويات الجنسية أو الإقليمية.

  • فإذن بالإضافة ، إلى المعركة حول السيطرة على المواد الخام والأسواق ، تقود وكذلك الدول الأكثر تقدمًا مطاردة غير مسبوقة لتبني الكفاءات من خلال جامعاتها والشركات متعددة الجنسيات. فهم ، في الحقيقة  ، قد أدركوا أن هنا يكمن  “الأس ” الذي سيضاعف قوى مجهوداتهم أضعاف مضاعفة لكسب الحروب الاقتصادية المستعرة فوق الخرائط التجارية.

  • لكن في هذا السنين الاخيرة سيعود السؤال من جديد للواجهة بخصوص ” الحمائية الاقتصادية ” وخاصة في الأوساط المالية بالولايات المتحدة .

  • سؤال عن ملامح تلك السياسة الاقتصادية الحمائية القومية، التي يحملها كبرنامج ، ويذيعها اللوبي الصناعي الأمريكي المحافظ ، كوعود.

  • غير أن بداية هناك مسألة  تستدعي الإشارة إليها، وهي متعلقة بخط توتر سياسي، يخترق ويقسم المشهد السياسي الأمريكي، إما مشكلا تقاطعاته، أو عاكسا من خلفية الواجهة التي يتخذها، أصداء واقع مالي جد معقد ومتشابك، وراسما خريطة للوبيات ولتيارات أكثر تأثيرا وهيمنة.

  • هذا الخط الانقسامي يؤشر بشكل بارز، على  وجود تنازع من طبيعة مختلفة بين مؤسستين، أو اثنين من الاتجاهات المالية السياسية الأمريكية، المتموقعة دوما على طرفي نقيض، واللتين لعبتا، من وجهة نظرنا، الدور المؤثر والفعلي في مجريات التنافس الاقتصادي الداخلي القائم حتى الآن

  • الرأسماليون المضاربون المتحررون من القيود

o  هناك اولا مشروع شبه انقلابي،  يتزعمه  فريق  السياسي الليبرالي المحافظ  ،- ( سنتحدث عنه في الفقرات التي ستأتي فيمابعد)  – ضد النخب التي تمكنت في ظرف وجيز، من رهن الاقتصاد الأمريكي بتقلبات البورصة العالمية ومتغيرات مؤشراتها الرئيسية مع إفقار طبقات كثيرة كما حدث في أزمة قروض الائتمان العقاري سنة 2008، وحشر أمريكا في الزاوية الصعبة.

  • فلنتذكر، من ناحية الحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة، مثل حركة “احتلوا وول ستريت”؛ وهي حركة مناهضة للرأسمالية الاحتكارية الجشعة، هذه الأخيرة ترتكز أساسا في نشاطها على قوة الرساميل المتنقلة عبر القارات، وعلى ما تجنيه من جبة مرابحات رقمية محضة، مرتبطة في جوهرها بالمضاربات المالية الخالصة، التي هي كما نعلم، المحرك الأساسي لعمليات البورصات العالمية.

  • فهذه الحركة الاحتجاجية، إذا فضحت الوجه الحقيقي لتلك النخب المالية التي تحررت بقوة من كل القيود، وصارت أساسا تعتمد في تقوية حركيتها على التنقل في كل الاتجاهات مخترقة حدود وسيادة دول العالم الرأسمالي، ومتخذة مؤقتا  كمنصة خلفية  للاشتغال والإقلاع، القلب المالي الرئيسي للولايات المتحدة: أي بورصة وول ستريت.

  • إلا أنها لا تتلكأ لحظة في اقتناص فرص الهجرة بالرساميل المتراكمة، خاصة في الوقت الضائع، وحملها نحو مراكز مالية دولية أكثر تألقا وإغراء، أولا بما تتيحه من فرص تحصيل المردودية العالية من الفوائد والأرباح في زمن قياسي، وثانيا بما توفره من مرونة في إجراء عمليات استثمارية سهلة السحب، دون إكراهات جبائية أو متابعات قانونية زجرية من طرف الدول المستقبلة.

  • في نظر اللوبي الصناعي الامريكي المحافظ هذه النخب الجديدة  تمثل ذلك التمويل الرأسمالي المضارباتي الطفيلي المضاد لسياسة الاقتصاد الملموس المنتج، المؤسس على مشاريع  تتطلب مدد زمنية طويلة في إنجازها وإنجاحها.

  • ويبقى هذا النوع من التمويل الجامح في الأسواق المالية الرقمية،هو الذي نافس وامتص وأفرغ جهاز الصناعة الأمريكية، من نواة إنتاجياتها وملموسيتها؛ الذي يقوم، ومازال قائما، على دعاية  العولمة الإمبريالية الكاسحة، المطالبة سياسيا، بمزيد من السلط والصلاحيات  لديكتاتورية بعض النخب الليبرالية الجشعة، المتطرفة دوما في فبركة قرارات مصيرية غير محسوبة العواقب اجتماعيا، التي هددت، وتهدد بشكل مباشر الآن، أجور ومداخيل الطبقات الامريكية المحدودة ماديا، التي كانت تعتمد في معيشتها سابقا على النسق الاقتصادي الحمائي والقار والمؤمن.

  • ففي أمريكا التسعينات، في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون بالضبط، تم اتخاذ قرار سياسي على أعلى مستوى، لصالح لوبي نشاطات هذه النخب المالية الليبرالية المتطرفة، ألا وهو تحرير الأسواق المالية من  كل الحواجز، والسماح للبنوك، لأول مرة  في تاريخ الولايات المتحدة، باستخدام واستثمار، وبكثافة غير معهودة، ودائع العملاء ومدخراتهم في مضاربات الأسواق المالية.

  • 2 – اللوبي القومي المالي المحافظ

  • هذا اللوبي مدعوم من طرف مؤسسات ذات طبيعة مختلفة.  فخلفه هناك كثير من جماعات الضغط المالية، وخصوصا اللوبيات الصناعية، والنخب المثقفة المحافظة،علاوة على الطبقة البورجوازية البيضاء التقليدية التي تأسست ثروتها،  فيما مضى من العقود، على نجاح الصناعة الأمريكية.

  • فهذه النخب الوطنية المتجذرة، التي فقدت في وقت ما تدريجيا، العديد من الامتيازات أمام أصحاب الرأسمال المجازف، هي الآن تطمح من خلال  الدعوة إلى إعلاء مصالح أمريكا   و إحتكام  نظام الحمائية في تدبير  شؤون الاقتصاد الخارجية  ، و إلى استعادة زمام المبادرة وعكس توازن القوى داخل  الحلبة السياسية الأمريكية.

  • هذه النخبة الوطنية لديها برنامج مضاد للمتلاعبين بالرساميل الأمريكية، والمغامرين بترحيلها واجتثاثها، وعولمتها دوليا دون اعتبار للكوارث الاجتماعية التي خلفتها من ورائها: من بطالة وتشتت ديمغرافي هش وانحلال لروابط التجمعات العائلية وهجرة مكثفة من مدن الهوامش المفلسة صناعيا واقتصاديا..الخ.

  • فالشرط الأساسي في نظرها لدعم هذه السياسة الحمائية، هو إعادة التأهيل والتعافي للاقتصاد الأمريكي، لكي يتم فعلا خفض مستوى التوترات الداخلية.

  • ومشروعهم يتطلب لكسب مصداقيته، إنعاش وتنشيط الصناعة الإنتاجية القومية أولا، والأمر حتما سيصب في تخطيطات إصلاحية اقتصادية واجتماعية ضخمة، من خلال سياسة الإنهمام وتفضيل الاقتصاد الداخلي وإعطائه الأولوية، مع توسيع نطاق الاستثمار الاقتصادي في جل الولايات دون استثناء، وإعادة تركيز الجهود على صناعات أمريكية عرفت الاندحار أو فقدت مكانتها.

  • مشروع شبه انقلابي، إذن،   ضد تصور النخب التي تمكنت في ظرف وجيز، من رهن الاقتصاد الأمريكي بتقلبات البورصة العالمية ومتغيرات مؤشراتها الرئيسية مع إفقار طبقات كثيرة كما حدث في أزمة قروض الائتمان العقاري سنة 2008، وحشر أمريكا في الزاوية الصعبة.

  • كاتب- باحث

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق