حسن محمد حسين حمدان: الولايات المتحدة وإشكالية الهيمنة العالمية بين الإستمرارية والإضمحلال

المجهر نيوز

حسن محمد حسين حمدان

إنشغل  مفكرو الولايات المتحدة منذ فترة – ليست بالقصيرة – بمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية في ظل المتغيرات الجارية  في شكل النظام الدولي  – وكتبت الكثير من الكتب والمقالات  وتعددت فيه الآراء والمدارس حتى في داخل الولايات المتحدة الأمريكية وهي ليست قراءات فكرية محضة بل قراءات لواقع سياسي تحقيقا ومعالجة وتوصيات  خاصة مع بروز قوى جديدة كمثل الصين وروسيا وتطلعات ألمانيا و ومحاولات بناء كلي أو جزئي لمشروع إتحاد أوروبي و تراكم الأزمات السياسية والإقتصادية والمالية  بعد فقدان الولايات المتحدة بل والعالم الرأسمالي لدور المبدأ في السياسيات   -بحيث تم وأد المبدأ الرأسمالي من خلال الممارسات للدول وخاصة الولايات المتحدة زعيمة المبدأ الرأسمالي  في كافة المجالات والمستويات الداخلية والخارجية ومنها العالمية فبعد أن كان الكيان السياسي في خدمة المبدأ  أصبح المبدأ خادما و تابعا  للدولة وليس هو المرجع  والمسيّر لها بحيث أصبحت المصلحة ونشر الإستعمار غاية بحد ذاتها  بعيدا عن نشر الفكر الرأسمالي ونظرته للحياة فلم تصبح مثلا نشر المثل والقيم والديمقراطية هي الأساس بل أصبحت المصلحة والإستعمار  هي محل الإعتبار  والتطبيق والملاحقة  والضغط من خلال أدوات السياسية الخارجية  و لو خالفت القيم ولو داست على كل الشعارات وهذا ما هو حاصل الآن  – وبدأ الجدل  يحتدم  بين تيارين، يرى أولهما أن الولايات المتحدة في طور التراجع الذي يجعلها تلحق بغيرها من القوى الكبرى والحضارات العظمى التي سبق أن فرضت هيمنتها على العالم وشكلته، ثم تراجعت واندثرت، خاصة مع تآكل الديمقراطية الأمريكية، وإنهاك إقتصادها بالحروب والمغامرات مما أدى لضعف الكيان السياسي  وظهور أعراض المرض والضعف فضلا عن الأزمات المالية والإقتصادية وبالذات بعد حربي إفغانستان والعراق وأزمة 2008 وأمام هذا الواقع  تعددت النظرات و المدارس والآراء في كيفية التعامل مع هذه الحالة بين التيارات السياسية والفكرية مع الإقرار بحتمية الإندثار  القادم شأنها شأن الحضارات الأخرى  والمسألة تتعلق بالوقت وقوة القوى الأخرى والظروف السياسية والمتغيرات الدولية  ،

في حين يري أنصار التيار الثاني أن القوة الأمريكية لا تزال في ذروتها، وأنها أبعد ما تكون عن التراجع وأن ما يحدث هو نتاج طبيعي وحالات عرضية طبيعية مهما علت وقويت فإن الكيان السياسي الأمريكي قادر على الخروج منها أقوى مما كان عليه  مع التسليم والإقرار بحجم وقوة التحديات الخارجية وتعدد الأزمات وقوتها وأثرها على الكيان السياسي الأمريكي لكنه كمثل الإنسان يمرض ويضعف ولكنه لا ينتهي ويستدلون  على رأيهم  مثلا بتعرض الولايات المتحدة  لأزمات إقتصادية  طاحنة وطويلة، كما حدث في عقود (1890-1930-1970)، وقد إستطاعت بعد كل أزمة وتحدٍ أن  تخرج منها و أن تعود أقوى مما كانت عليه قياسًا بالقوى الأخرى، وقد كانت عقود (1910-1940-1980) أكبر عقود القوة والنفوذ الأمريكي العالمي.

ومن ناحية أخرى لا يعني صعود بعض القوى إقتصاديًّا ووجود بعض التطلعات لبعض الدول برغم ة ضعف الإمكانيات والقدرات مقارنة  بالتطلعات  و مقارنة بما عليه الطرف الأمريكي فهي أشبه بحلم جميل  أو مشاغبات لا ترتقي لأن تشكل خطرا حقيقيا و لا تستطيع من خلالها منافسة الولايات المتحدة على نفوذها في المسرح الدولي،

هذا من جانب الأزمات ، أما  من جانب بروز قوى جديدة  فإنه لا  يعني صعود تلك القوى  لمجرد القوة الإقتصادية بحيث تستطيع منافسة الولايات المتحدة على نفوذها في المسرح الدولي، فلا توجد علاقة حتمية -كما ذكر سابقا- بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي والعلاقة ليست حتمية قطعية  ومتطلبات القوة العالمية لا تقف عند حدود القوة الإقتصادية فقط والحالة التي عليها الولايات المتحدة ليست جديدة وليست مخرجة لها من المسرح الدولي والهيمنة  بدلالة أن  الولايات المتحدة واجهت في  السبعينيات  الأزمات التي جعلت هنري كيسنجر مثلا  يتحدث عن أن أمريكا تجاوزت نقطة الذروة التي تبلغها كل حضارة قبل إنهيارها فظن بعضهم  أنها بداية السقوط والإنهيار السريع أو الأسرع في مقابل الصعود السريع لها والإرتقاء  العالمي في فترة وجيزة ، فقد هبط معدل الإنتاج القومي بمقدار 6% بين عامي 1973 و1975، وتضاعف معدل البطالة من 4.5% ليصبح 9%. بالرغم من وجود قوى كبرى كاليابان مثلا التي أفتقدت أصلا لمقومات الهيمنة العالمية لإنعدام الإرادة السياسية  عندهم بل  قبلت على نفسها أن تكون تحت المظلة النووية الأمريكية تحت عقدة الضربة النووية  لمدينتي هيروشيما وناجازاكي.

 ويجاول  مثلا بعضهم بصعود التنين الصيني وأنها تشكل تحديا حقيقا للهيمنة الأمريكية من خلال ممارسات الصين في بحر الصين الجنوبي وبناء الترسانة العسكرية والإنفاق العسكري والجزر الصناعية ومشروع الحرير العملاق  و بناء بعض القواعد العسكرية (جيبوتي مثلا أو السيطرة على بعض الموانئ نتيجة عجز الدول عن السداد وتمكين الصين من إستغلالها حتى من الناحية العسكرية  ونسبة النمو الميزان التجاري بينها وبين أمريكا لدرجة وصلت حدود الحروب التجارية  وحرب العملات ولكن عند دراسة هذه الحالة (الصعود الصيني) نجدها  متخلفة عما كانت عليه في إحتواء  خطر الإتحاد  السوفيتي  سابقا في ظل إستراتيجية أمريكا لإحتواء الصين الحالية ة والجدية في هذه الإستراتيجية  بربط الميحط الهندي بالهادي  وتفعيل سياسية الاحتواء بأقصى طاقة وأقصى قوة بحيث جعلتها أمريكا حاليا  رأس قمة الأولويات لها و  يتناسى هؤلاء  أن الإتحاد السوفيتي ،- كدراسة سابقة مثلا – كان يمثل بموقعه وحجمه و الدعاية الدولية له وكثرة الدول ومركزية الحكم ووجود الأحزاب الشيوعية الحقيقة المرتبطة بموسكو مباشرة كل هذا كام يشكل  خطرًا  حقيقيا وآنيا على الولايات المتحدة  ومن قبله أولا  كان يشكل  خطرا مبدئيا على المبدأ الرأسمالي و المصالح الأمريكية في شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط،  ومع ذلك  أوجدت العقلية الأمريكية والخلاقة  آنذاك   (استراتيجية الإحتواء ) التي تعاملت بها مع الخطر المبدئي والحقيقي للإتحاد السوفييتي بحيث زال خطره ولم يكتب له النجاح بل نجحت أمريكا و تكللت -برغم العراقيل والصعوبات-سياسية الإحتواء بالنجاح واليوم يرى أصحاب هذا التيار والمدرسة  عن برزو الصين كقوة  منافسة حسب المبالغة في الحجم والإمكانيات  فإنه يتعامى عن الحقائق الماثلة على الأرض منها أن الصين لا تشكل خطرا مبدئيا بداية ولا تشكل خطرا آنيا وليس لديها مقومات القوة العالمية كما كان للإتحاد السوفيتي بل إن الصين لديها من المعوقات الكبيرة والخطيرة جدا  في حال فكرت أن  تكون قوة إقليمية مهيمنة فضلا عن أن تكون قوة  عالمية  ، ومن هذه المخاطر ما هو رئيسي يتعلق بالعقلية السياسية الصينية (عقلية التاجر)وليس السياسي صاحب الفكر الخلاّق الذي  يسخر الإمكانيات  و لو كانت بسيطة متواضعة  لمنفعة الكيان السياسي بدل حالة الضعف السياسي والكسل  الذهني الذي  يتمثل في عقلية تلك الإدارة وتمثل هذا في كافة السياسيات والممارسات منها  مثلا  تنازلات  الصين  لإدارة  ترامب  والتوافق عند قواسم مشتركة بعد تنازلات كبيرة ومؤلمة ليست مضطرة لها ولو كانت تملك العقلية السياسية لما فعلت وهذا  ،وكذلك   ما دامت تايوان مستقلة ومرتبطة سياسيا وعسكريا  (استراتيجيًا) بالولايات المتحدة، وما دامت توجد  قوى  مثل اليابان وأستراليا وكوريا  والفلبين وفيتنام  والكثير من الدول هناك و التي قبلت أن تكون في صف الولايات المتحدة كأدوات وأوراق بيد أمريكا  لتحقيق سياسية الإحتواء وما تملكه هذه الأدوات من قوة منفردة أو مجتمعة ضد الصين وتطلعاتها الإقليمية    وسيطرة الولايات المتحدة على الممرات المائية فضلا على الوجود الحقيقي والكبير للولايات المتحدة في المنطقة و صاحبة الكلمة الفصل فيها  إذ تعتبر هذه المنطقة ذات حساسية وإستراتيجية  كبيرة لوجود قوى كبيرة كان بعضها عالمية أو سعى لها في وقت ما  ولا زال بعضها يحلم بالعودة لما كان عليه ،أما مسألة  مقارنة القوة فالفارق  كبير جدا  بين القوة العسكرية وحتى الإقتصادية  لكلا البلدين في ظل سوء استغلال الصين لمسالة كوريا الشمالية والحوار الإقليمي وفتح الولايات المتحدة وكشف سياسية الديون ذات الأهداف السياسية بعيدة المدى  ولعدم وجود قوة أسطول عسكري قادر للتعامل مع  الأخطار العالمية وسيطرة الولايات المتحدة على مصادر الطاقة والأسواق العالمية ، وأما مسألة طريق الحرير فهو على قوة المشروع الا أنه  سيبقى م مرهونا بالولاء والتبعية السياسية للدول التي يسير بها المشروع فما لم تكن هذه الدول تابعة سياسيا للصين أو صاحبة قرار سياسي مستقل سيبقى أمر سير المشروع مرهونا بالقرار السياسي للدول المتبوعة     إذاً الفرق واضح وكبير بين الصين والإتحاد السوفيتي إذ مجرد المقارنة مشكلة مع الإتحاد السوفيتي  الذي كان بحق خطرا مبدئيا وجودا وآنيا حقيقيا   وكيف استطاعت العقلية الأمريكية التعامل مع ذلك الخطر بحيث أصبح ذات يوم من التاريخ .

ولعل البعض يقرأ في هذا الكلمة النظرة التشاؤمية والإستسلام للواقع الراهن الموجود وكأن الولايات المتحدة قدرا لا يرد فليس الأمر كذلك  لكنها قراءة سياسية بتجرد بعيدا عن الأمنيات والأحلام الجميلة التي تبني بعيدا عن الواقع والتي ستسبب الإحباط نتيجة عدم مطابقتها للواقع والعيش بفقاعات من الفراغ. .

ولكن يبقى هناك سؤال مشروع للتيار الذي يدافع عن إستمراية تلك الهيمنة الكونية والذي كذلك نجد في قراءته مخالفة صريحة لقراءة الواقع الأمريكي آنذاك ويربطه بواقعها اليوم وقدرتها وهذا الإختلاف الجوهري لا يؤهل الولايات المتحدة الامريكية  للإستمرار طويلا كما يزعمون  وأبرز هذه النقاط التي فقدتها الولايات المتحدة وأهمها

أولا أنها لم تعد تلك الدولة المبدئية بل على العكس وأدت مبدأها تحت لهيب الأحداث والمصالح والأزمات وتحقيق المصالح الآنية وأخذ المعالجات من غير فكرتها  ولعل البعض يجادل و هل تعتبر الناحية المبدئية المدخل الوحيد للعالمية وهل  كانت كل من روما والروم والفرس والبرتغال وإسبانيا دولا مبدئية ؟ فنقول صحيح أنها ليست المدخل الوحيد للمسرح الدولي ولكنها الطريق الوحيد للثبات والبقاء والإستمرارية وشتان بين الأمرين ونحن هنا لا نتحدث عن الدخول بل عن البقاء والإستمرارية وبقاء المظاهر المادية للنهضة مرهون بعامل الزمن وبمدى صعود قوة مبدئية أخرى أو قوى أقوى منها ماديا وروسيا بعد سقوط الإتحاد السوفيتي مثال حي على ما نقول فلم تعد موجودة في المسرح الدولي برغم القوة العسكرية لديها ،  هذا جانب ومن جانب آخر خطير ومهم وهو فقدان الولايات المتحدة للتربة السياسية التي تنتج العملاقة والمفكريين السياسيين والتي تستطيع أن تنتج  الخطط والإستراتيجيات العميقة والقوية وتملك الأدوات والعقليات التي تنفذ هذه الخطط المحكمة والخطط الإستراتيجية وكيف تتعامل مع الأوراق والأدوات وكيف تتقي خطر الطرف الآخر  لذلك هناك فرق كبير بين ما كان عليه نهج الآباء المؤسسين ( هم أشخاص من المستعمرات البريطانية الثلاثة عشرفي أميركا الشمالية الذين قادوا الثورة الأمريكيةضد الإمبراطورية البريطانية وأسسوا الولايات المتحدة. كما يشير المصطلح بصورة أضيق إلى الموقعين على إعلان الاستقلال الأمريكي أو من حضر الاجتماع الدستوري) من عقليات سياسية  عملاقة بحق وخلاقة  ومبدئية في الوقت الذي تعاني فيه أمريكا من ندرة وليس إنعدام تلك العقليات وندرة الأدوات في التنفيذ وغير القادرة على تنفيذ خطط محكمة ولعل مجادل آخر يقول أنها لا تعدم تلك الأدوات ولكنها جاءت بها لتحقيق أمر معين وينتهي مع امتلاكها لأدوات قادرة على التنفيذ فإن صح القول   سنبقى بحاجة للسؤال لماذا الإتيان بتلك الأدوات في وقت حساس وخطير مع إمتلاكها للأفضل ولماذا تلجأ لسياسة البلطجة والكابوي والإبتزاز السياسي ومعلوم لدى أي عقلية سياسية مخاطر هذا المسلك وآثاره على المستوى البعيد ويبدو  أن المسألة غاية الأهمية وأكبر من مشكلة أدوات  وهي أن مرجعية تلك الأدوات تواجة إشكالية عقلية في ذاتها فلم تعد تلك العقلية السياسية مبدئية ولم تعد  تعالج الأمور بنظرة مبدئية كما كان نهج الآباء المؤسسون ولم تعد تبتكر الخطط الإستراتيجية كما كان الآباء بل مجرد محاكاة للقديم وتقليد له على الأغلب الأعم ، لذا ستبقى إدارة ترامب وصمة عار في جبين الولايات المتحدة وتلك العقليات المرجعية التي أتت بها في زمن كانت هي بحاجة السير على ما سار عليه المؤسسون من

نهضة مبدئية ورسم إستراتيجيات خلاّقة و وتنفيذها من أدوات تؤمن بالإلتزام المبدئي  وعدم الخروج عنه أو الإنحراف عنه خلال ممارستها للعمل السياسي ،لذا هناك مشكلة يبدو عميقة جدا في العقلية  الأمريكية التي لم ترتقِ للعقلية الأولى صاحبة النهضة والدخول في المعترك الدولي بدل عدم القدرة على التجديد و  محاكاة القديم والإتيان بإدارات غير قادرة على تنفيذ خطط إستراتيجية مسبقة كل هذا يدل على مشكلة في العقلية الحالية.

واخيرا لو كان هناك دولة مبدئية لما إستطاع هذا الكيان البقاء طويلا وليس أولى من أمة الإسلام صاحبة الرسالة المبدئية والإرادة السياسية المتمثلة بكيان دولة الإسلام وتاريخنا يشهد على هذا  والتي حكمت العالم بلا منازع ليس من هو أولى منها في قيادة العالم برحمة الإسلام وعدله  وإزاحة كيانات الظلم والشقاء والعنف الرأسمالي ليكون حال هذه الأنظمة مع راية الإسلام كما صوّره  تعالى في كتابه العزيز

 (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ )

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق