تمازج الألوان الثقافية في سورية يعزز الإستقرار الاجتماعي

المجهر نيوز

د.علي الباشا

كان يُنظر إلى الأزمة السورية على أنها انتقال من حال متصدع افترضته الأنظمة العالمية إلى حال يتمتع به الشعب بقدر عال من الحرية و الإستقلالية. لكن ما ظهر خلال السنوات الثمانية الفائتة أن التفاوت المعزز للقوميات و الطائفيات و المناطقيات إزداد حدة ونتيجة لذلك وجد المواطن ” السوري” نفسه يعيش وسط هذه الإشكاليات ، مع ذلك ، جاهد من أجل إنقاذ يقينياته المرتبطة بالدولة والمواطنة والتي أعاد بريقها أكثر إلتمام شمل الجغرافيا السورية في العام المنصرم تحديداً واليقين بما يليه. وعلى النقيض ، تسعى دول ذات طابع عدائي إلى  ترسيخ استراتيجية جديدة لمنع سيادة الدولة على كافة الجغرافيا السورية وتقوم بتسويق فكرة “المقابل” كجزء من لعبة أخرى لتعميق الأزمة مالم تصل سوريا إلى مرحلة التوافق . في هذا المنحى، يجب أن لا نهمل الفوضى و الدمار والكوارث العميقة التي أحدثتها تلك الدول أثناء الحرب وكذا الفشل الذي منيت به. لكن من قبيل التذكير ، الفراغ الذي أحدثته هو دليل قوي على تحقق الفوضى الممنهجة.

***

ولأن حبل المؤامرة ما زال لم يُقطع والتأزم المهيمن الذي شكل شرخ في التركيبة السورية لم يعالج، فإن تبعات كثيرة تنذر بمخاطرمختلفة. على هذا الأساس، التمهيد لبناء مسار وطني يرقى بمواطنة حقيقية إلى حدود تصغير العامل المناطقي و العشائري و الطائفي يعتبر محرك فاعل لأنه ينطوي على تأصيل المجانسة في إطار الثقافة الوطنية بغناها الحضاري و اللغوي و التراثي التي تختزنه سوريا عبر قرون طويلة.

الأزمة الحالية أظهرت تصدع وهشاشة في البنية التركيبية باعتبارها ثقافية أكثر منها سياسية وهذا يعني أن القوى الأخرى استطاعت الولوج إلى النسيج السوري من هذه الثغرة، وإن كانت فكرة المقابل تقلص هذه الفجوة إلى حدودها القصوى فلا بد من استثمارها بشكل إيجابي عبر سلسلة من الإصلاحات المعيشية والخدمية و الإدارية وأبعد من ذلك الغذاء الثقافي الذي يستمد الإنسان منه طاقاته ويجعل روحه في المواطنة أكثر قوة. يراها “ابن خلدون” المكون الرئيسي لمزاج أي شعب لأنه يستمد منها تصوراته للعالم وبواعثه على السلوك. هنا ، يكون المنطق السيادي متوحداً مع ثقافته كونه يمتلك الثقة والخلاص ويخلق التوازن بين المتناقضات صغُر حجمها أو كبر، وعلى الرغم من التحديات المختلقة يمكن ربط هذا الامتزاج “الثقافي” بالانتقال إلى مرحلة جديدة تقوي مكانة سوريا.

وبرغم ثقل الواقع ، يستقبل المزاج العام سورية كوطن وهوية وثقافة و فكر وكيان ووجود بنظرة تفاؤلية لأنها الحالة الطبيعية والأخلاقية للوطن الواحد الذي يحمل خصوصياتهم المجتمعية و النفسية والتراثية واللغوية.

إن تطوير معالم ” الثقافة الوطنية السورية الجامعة ” وتضمينها في بوتقة واحدة ضمن فضاء التقدم إلى الأمام يقلّص موجبات النزاع المستقبلي ويضمن الاستقرار الاجتماعي ويعيق تطفّل القوى الطامعة، غير أنّ هذا ممكناً من خلال قرار مؤثر يتجاوز المقاربات و الرمزيات ، وبنفس الوقت ، يؤدي إلى خلاصة كبيرة تجعل السوريين على اختلاف مشاربهم أمام التزام ثقافي يحمل في طياته الأصالة و الغنى و التماسك والتنوع.

دمتم بخير ،،

 كاتب و أكاديمي سوري

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق