الدكتور بهيج سكاكيني: ماهية الحرب الامريكية على كل من روسيا والصين

المجهر نيوز

الدكتور بهيج سكاكيني

الحروب والعداء بين الدول تأخذ اشكالا والوانا عدة. وما قد يكون متاحا في فترة زمنية معينة قد لا يكون متاحا في أخرى. وبالرغم من تعدد اشكال الحروب وتداعياتها بين الدول الا أن الهدف الرئيسي من هذه الحروب وبغض النظر عن الاشكال التي تتخذها يبقى السيطرة والهيمنة للدولة المعتدية من عدة نواحي تشمل العسكرية والاقتصادية والتجارية والتقنيات الحديثة..الخ، وفرض شروطها ورغباتها ومصالحها بالدرجة الاولى على الطرف المهزوم والاضعف. وهذا بالطبع ليس بالامر الجديد في تاريخ البشرية فقد قامت الحروب وبأشكال وبوسائل مختلفة منذ ان تواجد الانسان على هذا الكوكب.

ومن اجل ان نتفهم ماهية وطبيعة صراع الولايات المتحدة والحرب التي تشنها على كل من روسيا والصين والتي بدأت تحتد وتتصاعد بمعدلات ووتيرة كبيرة في السنوات القليلة الماضية لا بد لنا من وضعها في السياق التاريخي لنتلمس اسباب نشأتها وتطورها للوصول الى ما نحن عليه الان.

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة أكبر قوة إقتصادية وعسكرية على وجه الارض. وقد استخدمت هذه المكانة المميزة لتفرض نفسها على العالم لما يقارب 60 سنة. وقد عمدت أمريكا على سحق اي تهديد جدي لهيمنتها وسطوتها مستخدمة عدة اساليب منها الاقناع، او الابتزاز الاقتصادي بحكم سيطرة الدولار الامريكي على التبادلات والمعاملات التجارية في الاسواق العالمية، او بتغيير أنظمة الحكومات المتمردة التي رفضت الانضواء تحت العباءة الامريكية، أو الحرب بالوكالة  وفي كثير من الاحيان لجأت الى الغزو العسكري والاحتلال في حال فشل الوسائل الاخرى.

وكان لعدم وجود أية منافسة حقيقية وخطيرة خلال تلك العقود أن ولدت عقلية “الاستثنائية” الامريكية والتي تنادى بها العديد من الطبقة السياسية في المؤسسة الامريكية مثل مادلين اولبريت وبوش وأوباما وغيرهم كثيرون. ومفادها ان القواعد العادية للسلوك المتحضر والانضباط والانصياع للقوانين والمواثيق الدولية  لا تنطبق على امريكا وأن طريقتهم هي الطريق الوحيدة المقبولة وعلى ان احتكارهم للهيمنة والسلطة دائمة الى الابد، وأن على الجميع القبول بهذا والا فإنه سيجابه جبروت الولايات المتحدة المتعدد الاشكال.

وبالرغم من الدعاية المستمرة حول “بعبع” الاتحاد السوفياتي وخطر انتشار الشيوعية في العالم كبديل عن النظام الرأسمالي القائم الا ان هنالك من اعتبر ان الاتحاد السوفياتي آنذاك لم يشكل خطرا جديا على هيمنة الولايات المتحدة وخاصة مع حجم الدمار الهائل الذي تعرضت له روسيا إبان الحرب العالمية الثانية وعلى جميع المستويات.  أما الصين فقد كانت منشغلة بالتشنجات والمشاكل الداخلية ولم يكن لها اية نفوذ او تاثير يذكر خارج حدودها أو على الدول المجاورة لها بشكل مباشر.

ولكن العقدان الماضيان على وجه التحديد  شهدا تغيرات هامة وتسارعت وتيرتها. فبعد عهد الرئيس الروسي يلتسن في بداية تسعينات القرن الماضي والذي جاء بما يمكن تسميته بإنقلاب على غورباتشوف صاحب فكرة الغلاسنوست البروسترويكا        ( برنامج الانفتاح السياسي والاصلاحات الاقتصادية)  الذي ادت الى جانب بعض الظروف الموضوعية داخل الاتحاد السوفياتي وكذلك تدخلات خارجية -لا مجال لمناقشتها هنا-  الى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته بالكامل. بعد هذه الحقبة الئليمة بدات روسيا في عملية تجديد ونهوض واضح في إقتصادها ووضعها السياسي وخاصة مع مجيء بوتين الى سدة الرئاسة والحكم وهو الذي اعتبر انهيار الاتحاد السوفياتي أكبر كارثة في تلك العصر وعمل جادا على إعادة بناء روسيا وساعده في هذا تحسن الوضع الاقتصادي الروسي مع القفزة النةعية في اسعار البترول العالمية لتصل الى ما يقابر 140 دولار للبرميل قبل ان تعود للانخفاض ثانية .

أما الصين فقد بدأت القفزة النوعية الكبيرة بعد عملية الاصلاح والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي تحت قيادة دينغ سياو بينغ في نهاية سبعينات القرن الماضي والذي يعتبر مهندس الاصلاحات الاقتصادية التي جعلت الصين ثاني اكبر إقتصاديات في العالم وهذه النتائج لا مثيل لها في التاريخ الحديث. فلقد ازداد دخل الفرد في الصين 25 ضعف ما كان عليه عندما بدأت اصلاحات دينغ. الى جانب ذلك فقد تقلصت مستويات الفقر المقاسة من قبل البنك الدولي من اكثر من 90 في المائة من السكان عام 1978 الى اقل من 2 في المائة اليوم. واستمر معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين عند مستوى يبلغ نحو ثلاثة أضعاف معدل معظم الاقتصادات المتقدمة وحافظت على تلك المعدلات لعدة عقود. وقياسا  بمستويات القوة الشرائية اصبحت الصين الان أكبر إقتصاد في العالم.

ويعود نمو الصين الديناميكي الى درجة كبيرة في استثمارها في التعليم ولا سيما العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) حيث بلغ حوالي ربع جميع العاملين في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم اليوم هم من الصينيين. والتوقعات هي أنه بحلول عام 2025 (وهو تاريخ مهم في التخطيط الصيني) سيصبح عدد العاملين الصينيين في مجال العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM) أكثر من عدد العاملين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مجتمعة.

 أما روسيا وبالرغم من ان استثمارتها كانت اقل من تلك الصينية الا انها استثمرت وبشكل كبير في تعزيز التميز التعليمي في مواضيع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والتي ساهمت الى حد كبير في تقدم روسيا في جميع المجالات وخاصة المرتبطة بالتقنيات الحديثة وعلى وجه التحديد بتقنيات الاسلحة الحديثة.

وفي الوقت التي كانت كل من روسيا والصين تشهد تطورا وتصاعدا في قدراتها الاقتصادية والعسكرية نجد حالة من النقيض على الجانب الامريكي .فقد انشغلت الولايات المتحدة بشن الحروب ومحاولة السيطرة على العالم وبناء الامبراطورية الكونية الامريكية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والاختلاء في الساحة الدولية ونشوء نظام عالمي احادي القطب. فمنذ عام 2001 أنفقت الولايات المتحدة ما يقرب من 6 تريليون دولار في الحروب الخارجية. الولايات المتجدة تنفق مبالغ كبيرة جدا كل عام للحفاظ على ما يقارب من 800 قاعدة عسكرية حول العالم.  وهذه الشبكة من القواعد ضرورية للتحكم في الدول التابعة وعملية “احتواء” كل من الصين وروسيا، هذا بالرغم من اي من هذه البلدان لم تبديا إهتماما بالتوسع خارج حدودها الحالية. هذه النفقات والاستثمار في الجانب العسكري لامريكا ذو الطابع العدواني، يقابلها إهمال شديد في الاستثمار اللازم والضروري والملح في البنية التحتية الامريكية المتآكلة والتي عفى عليها الزمان وشرب ويقدر الاستثمار المطلوب هنا بما يقارب 4 ترليون دولار.

حالة الازدهار الوحيد الذي شهدته أمريكا وللان هو إزدهار المجمع الصناعي العسكري الامريكي وهذا لم ينطبق على بقية الولايات المتحدة. وهذا ما تشهد عليه بعض الاحصائيات فوفقا لإحصائيات الأمم المتحدة ، فإن الولايات المتحدة هي الآن 42 في العالم في متوسط ​​العمر المتوقع. هذا مؤشر حساس للغاية يشير إلى مجموعة من أوجه القصور في التعليم والرعاية الصحية والمعايير الغذائية والبنية التحتية الاجتماعية. ووفقا لدراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ونشرتها مجلة “تايم” الامريكية فقد حلت الولايات المتحدة المركز 28 عالميا بالنسبة لمستويات تعليم الرياضيات والعلوم في المدارس مظهرة تخلفها عن دول فقيرة جدا مثل فيتنام.

كل من روسيا والصين بالرغم من ان ميزانيتهم العسكرية هي جزء قليل بالقياس لتلك الخاصة بأمريكا الا انها استطاعت تطوير مجموعة من الاسلحة عالية التقنية التي تفوق بكثير مثيلتها في الولايات المتحدة وحلفائها. وما كشفه بوتين في مارس من عام 2018 في حديثه للجمعية الفيدرالية الروسية حول قدرات الاسلحة الروسية التي تفوق سرعتها سرعة الصوث كان بمثابة صدمة عنيفة للمؤسسة الامريكية بشقيها السياسي والعسكري. وبعد الانكار والرفض الاولي من قبل المؤسسة الامريكية حول القدرات الروسية إضطرت أمريكا للاعتراف بحقيقة ما صرح به بوتين وسعت على الفور الى المزيد من الانفاق العسكري في محاولة للحاق بها. وهذا التمويل والنفقات على الجانب العسكري تأتي على حساب الاستثمار في البنية التحتية المدنية كما ذكرت سابقا مؤدية الى مزيد من التدهور في المرافق للناس العاديين.

هنالك سبب وجيه للاعتقاد بان قدرات الصين العسكرية لم تبلغ المستوى الروسي بعد ولكنها مع ذلك فهي هائلة بحد ذاتها.  فعلى سبيل المثال فإن مجموعة صواريخ دونج فينج تعطي الصين قدرات دفاعية وهجومية التي لا مثيل لها من قبل الامريكيين.

ضمن هذا السياق والتقييم نستطيع ان نستوعب ونتفهم لجوء الولايات المتحدة الى وضع العقوبات وشن الحروب التجارية وغيرها من اشكال الحروب التي تشن على كل من روسيا والصين.

حقيقة ان الحروب التي تشن على روسيا والصين من قبل الولايات المتحدة  لم تشمل إطلاق نار بعد لا يجعلها بأي حال ان تصنف اقل حربا، فالحرب تأخذ عدة صور واشكال وتجليات. فالعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على العديد من الدول على سبيل المثال هي حرب عدوانية بحد ذاتها لانها في معظمها تفرض خارج إطار القانون الدولي وبالتحديد خارج نطاق مجلس الامن. وفي الحالة الروسية هنالك عقوبات واسعة النطاق مطبقة على الحكومة الروسية والافراد والشركات. وهذه تشكل معيارا لعدم احترام الولايات المتحدة للقوانين الدولية لكونها عقوبات غير شرعية، وهي تخدم بوضوح سلسلة من الاهداف الجيوسياسية لامريكا. وخط انابيب الغاز نورد ستريم 2 مثال على ذلك. وهذا المشروع يتضمن بناء خطين لانابيب الغاز بطاقة 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من الساحل الروسي عبر بحر البلطيق الى المانيا. وتبلغ كلفته 8 مليرات دولار وتشارك به عدة شركات عالمية، غازبروم الروسية وكونسورتيوم مكون من خمسة شركات طاقة اوروبية. ولقد رمت امريكا كل ثقلها وسعت بكل ما اوتيت من قوة واساليب لمنع بناء هذا الخط. وفي الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية بومبيو ونائب الرئيس بنس للدول الاوروبية وجهت تهديدات بفرض عقوبات على الدول والشركات الاوروبية التي تتعاون مع مشروع نورد ستريم 2.  والامريكيون يفضلون ان يكون الاعتماد الاوروبي على الغاز الطبيعي المسال الامريكي الاكثر تكلفة بكثير عن الغاز الروسي، وذلك لفك الشراكة الروسية-الاوروبية في مجال الطاقة الذي يوفر للدول الاوروبية ما يقدر بـ 30% من احتياجاتها النفطية والغازية والتي تعتقد الولايات المتحدة ان هذا يجعل المواقف السياسية الاوروبية تجاه روسيا أقل عدوانية من المواقف الامريكية.

النخب السياسية في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي يدعون ويتحدثون وبشكل مستمر عن “التدخل الروسي” في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الاخرى، ودون تقديم اي دليل واضح وملموس بهذا الشأن. هذا في الوقت الذي تضع أمريكا الضغوط على الدول الاوروبية بشأن خط الغاز نورد ستريم 2 الى جانب قيامها  بتهديد هذه الدول والمؤسسات والشركات الاوروبية إذا ما تجرأت على التعامل مع أيران بما تضمنتها الاتفاقية الموقعة مع الدول الستة الكبرى وايران حول برنامجها النووي والتي بموجبها تم رفع العديد من القيود الاقتصادية والتجارية التي كانت مفروضة لعقود على إيران. أمريكا تريد ان تفرض ارادتها على بقية الدول وتطالبهم بالسير وراء ارادتها بعد ان إنسحبت من الاتفاقية ومن جانب واحد ضاربة بعرض الحائط ما تم الاتفاق عليه وتصديقه من قبل مجلس الامن الدولي، وضاربة أيضا بعرض الحائط المصالح الاقتصادية والتجارية لحلفائها وتهددهم بالعقاب إن لم يستجيبوا للاوامر الامريكية. وماذا نسمي ذلك غير تدخل في شؤون الدول الاخرى؟ هذا ولم نتحدث بعد عما تفعله امريكا في فنزويلا وغيرها من الدول حيث تعلن على الملأ انها تسعى لتغيير الانظمة في تلك الدول تحت ذرائع ما انزل بها الله من سلطان.

الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد الصين تتخذ عدة اشكال، احداها يتمثل بما يمكن تسميته بالحرب التجارية. فالتعرفة المفروضة أو التي يتم التهديد بفرضها على الصادرات الصينية لا تشكل ضررا للامريكيين فقط بل يتعدى ذلك الى التجارة العالمية بشكل عام. وهنالك اشكال اخرى من الحروب تشمل على الحرب السيبرانية، المناورات العسكرية التي تجريها القوات الامريكية بالقرب من الاراضي الصينية، كما ان هنالك ما يقرب من 400 قاعدة امريكية موجهة على الصين كجزء من استراتيجية “الاحتواء”، هذا بالاضافة الى وابل مستمر من الدعاية حول التجسس الصيني المزعوم، وسرقة الملكية الفكرية، و “مصائد الديون” للدول الفقيرة التي تقبل المساعدة الانمائية الصينية.

القول بأن أيا من هذه الادعاءات لا تصمد أمام التدقيق الجدي ليس هو الهدف بحد ذاته. فهذه بمجملها تشكل جزء من سياسة الحرب الموجهة بهدف عزل الصين، وتقويض تنميتها ومنعها من تحدي الهيمنة والسيطرة الامريكية في كل قارة ومنطقة في العالم. ولا يحتاج المرء ان ينظر أبعد من تقرير المجتمع الاستخباراتي الامريكي لعام 2019 “تقييم التهديد العالمي”. فهذا التقييم يستخلص ان الصين تستخدم مبادرة الطريق والحزام ( الطريق الحريري) الصينية لتوسيع إمتداد الصين عالميا وإقتصاديا وسياسيا بهدف ” تقليص النفوذ الامريكي”. ولمجابهة هذا التحدي فإن على الولايات المتحدة بحسب استراتيجيتها للامن القومي “منع نجاح العدو” و “حماية مصالحنا”. والاعداء المعنيون رسميا هم روسيا والصين. ومن الواضح انه لا يوجد حدود على اشكال المجابهة التي ستتخذها الولايات المتحدة لهذه “الحماية”.

الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة ذد الصين في حقيقة الامر لا علاقة لها في الواقع بخلل الميزان التجاري بين البلدين. فكما يشير كايكل كلير بناء على وثائق مسربة ان الهدف من الحرب التجارية هو التخريب على برنامج صنع في الصين 2025. والهدف من وراء هذا البرنامج الصيني هو تطوير تميز رائد عالميا في مجموعة من المجالات التقنية. والهدف الامريكي في المباحثات التجارية الجارية هي اجبار الصين القبول بدور خاضع للرغبات الامريكية في جميع المجالات في المستقبل. ومن الوهم الاعتقاد بأن الصينيين سيقبلون بمثل هذا الوضع، ناهيك عن تقليل او تقليص مساعيهم الخاصة للتميز والقيادة.

الحملة ضد شركة هواوي ليست سوى جانب واحد من الاستراتيجية الاوسع. شركة هواوي متهمة من قبل الولايات المتحدة على انها وكيل للحكومة الصينية وعلى أن تقنيتها العاملة بتقنية 5ج التي تقود العالم هي في حقيقة الامر كما يدعي الامريكيون وغيرهم وسيلة للصين للتجسس على العالم.

ومرة اخرى لدى المشتكين مفارقة ساخرة هنا. فعلى الاقل ومنذ مشروع “اكليون” الذي بدأ عام 1960 فالامريكيين وحلفائهم في مجموعة “الخمسة عيون” التي تتضمن استراليا، وكندا، ونيوزيلندا والمملكة المتحدة يقومون بإعتراضات للاتصالات الخاصة والحكومية في جميع انحاء العالم. وقدمت المعلومات التي كشفها ادوراد سنودن دليلا اضافيا وتأكيدا أخر على التجسس الاليكتروني بالجملة من قبل وكالة الامن القومي الامريكية. وكل شريك في هذه المجموعة اوكل اليه مراقبة جزء من العالم من منطقة محددة بهذه الدول. ولا شك ان التطور التكنولوجي أتحاح لهذه الدول التوسع في نطاق التجسس الاليكتروني.

ويهدف جزء كبير من هذا التجسس إلى الحصول على ميزة تجارية للشركات الأمريكية، وهذا ليس بالامر الجديد. فالامريكيون كانوا مشاركين في عمليات التجسس الصناعي على البريطانيين في القرن التاسع عشر عندما كانت بريطانيا قوة صناعية رائدة. وسرقة الملكية الفكرية ليست إختراعا جديدا.

الصين الان تقود العالم بطلبات براءات الاختراع فقد بلغ عدد الطلبات 1.38 مليون عام 2017 مقارنة مع اقل من 607000 في الولايات المتحدة. وإذا ما كانت اي بلد من المرجح ان تكون ضحية لسرقة الملكية الفكرية فهي الصين. هنالك ادلة تشير الى ان أحد ردود الفعل على الكشف عن التفوق الروسي في مجال الصواريخ كان زيادة الجهود الامريكية لسرقة الملكية الفكرية الروسية في هذا المجال. ردود فعل غالبية دول العالم لهذا الهجوم الامريكي ضد روسيا والصين يشير الى انها على الارجح لن تنجح. إحدى الاسباب للاستعداد الاكبر الذي تبديه الدول في تحدي طلبات الهيمنة الامريكية هو تزايد معرفة ان البلطجة الامريكية مبنية على بنية مالية على وشك الانهيار. بحسب جريدة الفايننشال تايمز إن الولايات المتحدة بحاجة لبيع سندات بقيمة 12 ترليون دولار في العقد القادم. ولقد اوقفت كل من روسيا والصين شراء سندات الخزانة الامريكية وبقية المشترين الكبار قد قاموا بتخفيض مقتنياتهم ورغبتهم في الاتجار بالدولار الامريكي.   وبناء على ذلك فإن الولايات المتحدة بحاجة إما إيجاد مشترين بدائل ( وهذا غير مرجح) أو تخفيض نفقاتها والذي هو ايضا من غير المحتمل. وسيؤدي المدى الذي تتوقف فيه الدول عن استخدام الدولار كوسيلة للتجارة إلى تسريع زوال قدرة أمريكا على الهيمنة.أعلن ترامب مؤخرا عن التزامه بتحديث النفقات العسكرية والتي هي بالفعل قد وصلت الى مستويات قياسية، وكذلك بمنافسة الصين في سوق 5ج وهذا لا يعدو  عن كونه مجرد أحلام صعبة المنال. فالولايات المتحدة لا يوجد لديها القدرة حاليا على منافسة الصين او روسيا كما تبين بوضوح الهوة الكبيرة في مجال تكنولوجيا الصواريخ  التي تفوق سرعة الصوت.

وعدم القدرة هذه على المنافسة هي المحرك للحرب المعاصرة للحروب الجمركية، الحروب المختلطة، العقوبات، البلطجة وعمليات التخريب الاقتصادي. وعلى أفضل الاحوال فإن هذه الحرب سيكون لها تأثير على تأجيل استمرار نهوض الصين الذي لا مفر منه، والذي هو في نهاية المطاف إعادة المكانة التاريخية للصين التي انقطعت لخمسة قرون نتيجة السيطرة الاستعمارية الاوروبية. وعلى اسوأ الاحوال كما راينا من انسحاب امريكا من عدة إتفاقيات دولية والتي تبين تجاهل اوسع لحقوق ومسؤوليات مجتمع الامم، فإنها ستفضي الى حرب فعلية تحت الاعتقاد الخادع ان سيطرتهم وهيمنتهم على سنوات ما بعد الحرب يمكن الحفاظ عليها لاجل غير مسمى.

وفي النهاية نود ان نؤكد ان هذا التقدم لكل من روسيا والصين على النطاق الاقنصادي والعسكري والذي قابله ضعف السيطرة والهيمنة الامريكية على نطاق واسع من العالم وخاصة الاخفاقات ان لم نقل فعلا الهزائم التي لحقتها في كل من أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا واليمن وعدم القدرة على القضاء على النفوذ الايراني في المنطقة الى جانب الاخفاقات التي شهدتها في أمريكا اللاتينية،  قد اتاح لكلا الدولتين بالنهوض على الساحة الدولية بثقل فاعل ووازن وكاسر لاحادية القطب الذي ميزت النظام العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. هذا الفعل الوازن والكاسر للعربدة الامريكية شهدناه في استخدام الفيتو الروسي والفيتو المزدوج الروسي والصيني في الحالة السورية والفنزويلية. ومن هنا ايضا باستطاعتنا القول ان جانب اساسي من هذه الحروب المتعددة الاشكال التي تشنها امريكا على كل من روسيا والصين تأتي ضمن صراع أمريكي في محاولة للابقاء على نظام عالمي احادي القطب. ولا شك ان هذه المحاولة ستبوء بالفشل إن لم تكن قد باءت بالفشل فعلا بحسب المعطيات والادلة على الساحة الدولية.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق