الهند على موعد مع أكبر عملية ديمقراطية في العالم

المجهر نيوز

د. وائل عواد

كثيرا” ما يتساءل البعض ممن يزورون شبه القارة الهندية :كم ديانة هنا في الهند ؟ وكيف يتعايشون بسلام وامان  لقرون من الزمن ؟نشرح ونجادل ونضع البراهين والأسباب التاريخية وراء الفلسفة الهندوسية وقبول الاخر ومبدا التسامح والتعايش السلمي إنها دهارما(دارما) الكلمة السنسكريتية ، تأخذ العديد من المعاني والشرح التي تؤكد على الطريق البر للعيش بأمن وسلام والممارسة الدينية الصحيحة وطبقتها معظم الأديان القديمة لتشمل العديد من المعاني والشرح والقواعد التي خلقت الكون من الفوضى والسلوك البشري لترتيب هذا الكون على المستويين الفردي والمجتمعي .ولعل من أهم الأسباب لانتشار الأديان والمعتقدات في شبه القارة  هو تقبل الطرف الآخر . كيف والهند هي التي تحررت من الاستعمار البريطاني دون إطلاق رصاصة واحدة على يد الأب الروحاني المهاتما غاندي مذهب اللاعنف وهو أول من عارض الانفصال في شبه القارة الهندية .

تختلف  الحركات الفاشية القومية في الثلاثينات(ألمانيا واليابان) عن القومية الحالية التي تجتاح العديد من الدول . وانفصلت باكستان باعتبارها موطن المسلمين بينما بقيت الهند بطوائفها ودياناتها وعرقيتها المتعددة وحافظت على علمانية الدولة  باعتبار أن التعددية مصدر قوتها وبقاءها موّحدة ومارست الحياة الديمقراطية وعززت من المؤسسات الديمقراطية في البلاد وكانت بسياستها الاشتراكية أقرب إلى المعسكر الشيوعي بينما باكستان  التي بنيت على اسس دينية، كانت أقرب إلى الولايات المتحدة ضد الشيوعية . لعب الجيش الباكستاني  دور حكومة الظل في باكستان ولم تستطع حكومة مدنية منذ الاستقلال على البقاء في الحكم دورة انتخابية كاملة

 دفع  سكان  شبه القارة الهندية الثمن لنيل  الاستقلال من  الاستعمار البريطاني  الذي  أدخل الثقافة الليبرالية الأوروبية لشبه القارة وقرر تقسيمها  على أساس شعبين مستقلين  بعيدا” عن الثقافة الشرقية التقليدية الأمر الذي أدّى إلى نشوب حروب وصراعات وعنف طائفي، مازالت شعوب المنطقة  تعاني منها وتعيشها حتى بعد أكثر من سبعين عاما” على الاستقلال.

خرجت الهند من الاستعمار منهمكة وعمدت على تعزيز دور المؤسسات الديمقراطية في إدارة شؤون البلاد والقضاء على الفقر والجهل وتحسين مستوى الحياة المعيشية لسكان شبه القارة  وتطوير اقتصادها وقدراتها البشرية .وكانت الهند اقرب إلى الاشتراكية .

وعلى مدى السنين بدأت الهند تعزز من مكانتها إقليميا” وعالميا” واستطاعت ان تحقق تطورا” ملحوظا” في العديد من المجالات .وساهمت الحياة الديمقراطية في تطوير المجتمع الهندي وتقوية أعمدة الدولة من استقلال القضاء وحرية التعبير ووضع دستور يحمي جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية والطبقية .وعندما نتحدث عن الهند علينا ان نشير ان دول المنطقة تتشابه في المشاكل والتحديات التي تعصف بسكان المنطقة وتسعى هذه الدول للعمل معا” لمحاربتها والقضاء عليها معا” وإن كانت الإجراءات المشتركة بطيئة لكنها مازالت في الطريق الصحيح.

هندكة الهند

تعرضت الهند للغزو مرات عدة  عبر التاريخ وتم تقسيمها ونهب خيراتها  و لم ترض المنظمات الهندوسية الأم عن الانفصال في شبه القارة وبدأت تنمي الشعور الديني وسط الأغلبية من الهندوس تحت شعار حماية الهند ومحاربة أعدائها.وتولّد شعورا” لدى بعض الحركات القومية أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو ضعف الهند وعدم قدرتها على مواجهة الاستعمار .وأن خلاص الهند يكمن في قوتها ولابد من إحياء القومية الهندوسية لاعادة اللحمة للشعب ومنع أي كان من الاعتداء عليها .وبدأت هذه الحركات تكّثف من وجودها وتجنّد العديد من الكوادر لتحقيق أهدافها في الوصول للحكم  .وظهر حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي الوجه السياسي للمنظمات الأم وبدأت هذه المنظمات بحشد الرأي العام والهنود للتصويت للحزب لتسلم السلطة المركزية وتحقق ذلك في انتخابات عام 1999 حين استلم قيادة الحكومة الائتلافية وفي عام 2014 فاز بأغلبية المقاعد في البرلمان وأصبح حزب بهارتيا الحزب الرئيسي الأول على غريمه حزب المؤتمر الوطني الذي حكم البلاد لأكثر من نصف قرن .

لم تلتئم جراح التقسيم في شبه القارة ،بل على العكس أصبحت مصدر التوتر والمشاكل بين الدول المنفصلة . بدأت الحركات القومية في الهند تنمو وتسعى لهندكة الهند باعتبارها وطنا” للهندوس وان” الهندوس والمسلمون أمتان  منفصلان “(أمة هندوسية وأمة مسلمة) وتلقي باللوم على القادة المسلمين وتحملهم مسؤولية الانفصال في شبه القارة  وتطالب بطرد المسلمين من الهند أو الارتداد عن دينهم والعودة للهندوسية  مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل ، تسعى هذه المنظمات إلى حشد الجماهير وكسب اصوات الناخبين لصالح برنامجها والتركيز على العدو الداخلي وإلغاء التمييز بين الحقيقة والخيال وبين الأساطير والتاريخ .

مارست هذه الحركات ، سياسة القوة القومية الناعمة للوصول للحكم ومحاربة الاقليات ،بإطلاق العنان لمجموعة من الغوغائيين ،  باستهداف الاقلية المسلمة  بشكل خاص ،التي في الواقع تشكل ثاني أكبر جالية من المسلمين بعد اندونيسيا لكنها اقلية في الهند مقارنة بالاغلبية الهندوسية التي تشكل 80% تقريبا” من سكان شبه القارة .

ويقول البروفيسور برابات باتنايك ،جامعة جواهر لال نهرو في دلهي ،بدأت هذه الحركات الفاشية تركز على العدو الداخلي وتمّجد بالقومية التي تضع الامة فوق الشعب وتطالب بالتضحيات من الشعب لصالح الأمة .وانه على مدى السنين الماضية ظهرت في الهند حقبة الليبرالية الجديدة وهيمنة الشركات المالية على زمام البلاد في الوقت الذي بدات في ازمة الليبرالية الجديدة .ودخل التحالف بين التطرف والشركات التجارية .هذا التحالف ادى إلى تدهور في الوضع الاقتصادي للقوى العاملة في البلاد .

وفي مقالة للبروفسور برابات طالب بضرورة توحيد صفوف المعارضة ضمن برنامج موّحد لمنع هذه القوى من السيطرة على السلطة ووضع حد لحماية الأقليات وإلغاء القوانين المجحفة بحقهم وإلغاء الأحكام الصورية وفرض سيادة الأمن والدستور ومنع استهداف الاقليات من قبل الجماعات المتشددة ومحاربة الفاشية الجديدة والنزعات القومية الحديثة لحماية المؤسسات الديمقراطية في الهند والحفاظ على علمانية الدولة .ويجادل البروفيسور برابات أنه لا مستقبل للهند ما لم يكن هناك أحزاب شيوعية اشتراكية لمحاربة الليبرالية الجديدة .

           الصراع في جنوب آسيا سوف يشتد سعيره والحركات القومية اليمينية  تنمو بسرعة كبيرة وتتوسع وتبقي على العداوات وتشعل الفتن  في ظل انحسار اليسار والانقسام وسط الأحزاب العلمانية والاجتماعية .وهذا ليس مقتصرا” على الهند بل حتى على معظم دول المنطقة .الأوضاع الاقتصادية متدهورة ،البطالة متفشية ، التضخم وغلاء الأسعار أضف إلى ظاهرة التطرف الديني ، عوامل  ستزيد من حالة عدم الاستقرار و ستقود إلى الاضطرابات الداخلية  ونهضة القوى العاملة التي تدهور وضعها الاقتصادي .الأوضاع الامنية وظاهرة الارهاب متفشية الصراع بين القوى العظمى على اشده فهل يتحول الصراع إلى مواجهات عسكرية وحربا” مفتوحة؟ام أن تقاسم الادوار لم يكتمل بعد في ظل إعادة هيكلة النظام العالمي الجديد ؟

الصراع على السلطة المركزية

تنطلق الانتخابات البرلمانية العامة  السابعة عشر في الهند، على سبع مراحل ،في الحادي عشر من الشهر المقبل وتستمر حتى 19 من شهر مايو ايار وسيتم فرز الأصوات في 23 من الشهر ذاته .تعد هذه العملية أكبر عملية ديمقراطية في العالم حيث يحق ل 900 مليون ناخب الإدلاء باصواتهم لانتخاب 543 عضو برلمان اي بزيادة قرابة 150 مليون يصوتون للمرة الأولى .وسوف يتم استخدام أجهزة التصويت الإلكترونية التي تحمل صورا” للمرشحين ايضا” لتسهيل ذلك على الناخب.وتنظم هذه العملية الانتخابية المفوضية العليا للانتخابات التي وضعت القواعد والضوابط للمرشحين وحملاتهم الانتخابية وقواعد الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي بالاضافة إلى حظر الخطابات العدائية والمثيرة للفتنة والكراهية .

هناك مليون مركز للاقتراع و 1950 خط هاتف للمساعدة وأكثر من 1100000 من عناصر الأمن والشرطة للإشراف على سير العملية الديمقراطية .

الأحزاب المتنافسة

 يشتد التنافس بين الأحزاب اليمينية المتمثلة بحزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي الحاكم من جهة والأحزاب الاقليمية و العلمانية واليسارية المتمثلة بحزب المؤتمر الوطني الذي يسعى لنزع السلطة من حزب بهارتيا جاناتا الذي جاناتا يستخدم كل ما لديه من اوراق للفوز بالانتخابات البرلمانية المقبلة  والاحتفاظ بالسلطة وتحكيم قبضته على البرلمانيين العلوي والدنيوي واجراء تعديلات في الدستور . .وسوف تلعب الأحزاب الإقليمية دورا” هاما” في تشكيل الحكومة المقبلة بعد ان تؤكد استطلاعات الرأي ان الحزب الحاكم لن يكون بمقدوره الفوز بأغلبية المقاعد لتشكيل الحكومة بمفرده على الرغم من استخدامه كافة الاوراق لكسب الناخب الهندي.

لماذا هذه الانتخابات هامة ؟

 بالنسبة لحزب بهارتيا جاناتا فهو يسعى لفرض سيطرته على البرلمانيين وتحقيق أجندته و طموحاته وتطلعاته للهند الجديدة  ويبذل قصارى جهده لتنفيذ أهم بند في برامجه الانتخابية وهو بناء معبد رام مكان مسجد بابري الذي دمر على أيدي متطرفين هندوس في مدينة ايوديها من ولاية اوتار براديش في السادس من ديسمبر كانون الأول 1992، بحجة أنه بني على انقاض معبد هندوسي ومازالت القضية قيد الجدال في المحكمة العليا للبت بالنزاع حول مكان المسجد وسط ضغوط من أنصار الحزب على المسلمين لتسليم الأرض للهندوس لبناء المعبد حتى خارج الإطار القانوني للقضية .

إذا” هذه الانتخابات مصيرية بالنسبة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي الذي تعرض لانتقادات شديدة من قبل أحزاب المعارضة بسبب العديد من القضايا الاقتصادية والرشاوى والفساد فقد ارتفع نسبة البطالة بشكل ملحوظ واتهمته أحزاب المعارضة  بإخفاء الحقائق عن المواطن الهندي وكذلك الاتهام بالرشاوى في صفقة الطائرات الحربية الفرنسية  رافائيل .وحاول مودي ركوب موجة الوطنية من خلال المناوشات الأخيرة مع باكستان وأنه حكومته لا تتهاون مع الإرهاب والبلاد “آمنة” بعهدته في الوقت الذي انخفضت فيه شعبيته في الآونة الأخيرة لعدم تنفيذه وعوده الاقتصادية والاجتماعية لتحسين مستوى الحياة المعيشية لأبناء الطبقات الفقيرة  التي تشكل السواد الأعظم من السكان .

هناك العديد من القضايا تشغل الناخب الهندي مثل البطالة وانخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار والتضخم وغيرها من الملفات الشائكة في ظل التحول الاقتصادي الذي تشهده الهند .وهناك تغييرات جذرية في قطاع التعليم . ومن المبكر الحديث عمن سوف يفوز بهذه الانتخابات لكنها تستحق المتابعة والاطلاع عن كثب على البرامج الانتخابية للأحزاب الرئيسية المتنافسة وقدرتها على كسب صوت الناخب الهندي لصالحها بالاضافة إلى التحالفات والائتلافات قبيل خوض المعركة الانتخابية ومن سيفوز لننتظر ونراقب مستقبل الهند العلمانية وقدرتها على تجاوز المحن والتحديات والحفاظ على أعمدة الدولة مستقلة.

كاتب متخصص في الشؤون الآسيوية

www.waielawwad.com

Twitter: waiel awwad @abunouman

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق