“ضياع وشتات وتشريد” .. نصف الشعب الاردني ضحايا لقانون التنفيذ .. و”غارمين اردنيين ” خارج البلاد حياتهم في خطر .. “غارمين ” يطبق عليهم وعلى عائلاتهم حكم الاعدام .. وسط اجراءات من شانها خنقهم ومحاصرتهم داخل الاردن وخارجها .. ومطالبات بتنفيذ الاتفاقيات الدولية بوقف حبس المدين كخطوة لمنحه فرصه في السداد

المجهر نيوز

خاص – طلال ابوسير – يعاني ما يقارب نصف الشعب الاردني من الديون المالية التي ترهق كاهله لنظرا للوضع الاقتصادي المعدوم للبلد الذي يشهد له الجميع داخليا وخارجيا مقترنا بالغلاء وارتفاع تكلفة الحياه المعيشية .. نصف الشعب الاردني تقريبا بحسب الدراسات والاحصائيات الاخيره بحقه قضايا مالية نظرا لعدم قدرته على تسديد التزاماته وتعثره ماليا .. مما ادى الى تجمع تلك الالتزامات عليه وتراكمها لتصبح عباره عن طلبات امنية قضائية بحقه وحق افراد عائلته ليصبح فارا من وجه العدالة هو وعائلته ومتواري عن الانظار مما ادى الى انقطاعه عن العمل وعجزه عن تلبية احتياجاته المالية لتغطية تكاليف حياته المعيشية عداك عن التزاماته المتراكمة من ديونه .   

  

في الأردُن، لا تَستَبعد أن يأتي عليكَ لحظة تكونُ تسيرُ بسيارتكَ في ساعة متأخرةٍ منَ اللّيل، فيتمُ استيقافكَ من قبلِ دورياتِ الشرطةِ المنتشرة، وهذا إجراءٌ روتينيٌ جِداً، لكنَّ المفاجأة هي أن يخبركَ الشرطي بعد أن يضع رقمك الوطني على جهازه، بأنكَ مطلوبٌ لدائرةِ التنفيذِ القضائي، وبحقكِ طلبات قضائية، لتتحولَ بلحظة نظرةُ المجتمعِ إليك، من مواطن شريف، إلى فارِ من وجهِ العدالة!

هذا السيناريو ليس من وحي الخيال، بل هي قصصٌ حقيقية حدثت مع آلاف الأردنيين الذينَ تفاجأوا بوجودِ طلباتٍ قضائية مالية بحقهم دونَ حتّى أن يعلموا، فإما أن يكون الشخص محكوماً عليه في دعوى قضائية، هو لا يعلمُ أنها مقامة ضدهُ أصلاً، حيث يفيد التبليغ بعدم العثور عليه ومن ثم يبلغ بالنشر، وبالنتيجة يصدرُ بحقهِ حكماً بمثابة الوجاهي-حكم غيابيويصبح محكوماً عليهِ في قضية هو لا يعلم أنها مقامةٌ ضدهُ أصلاً، ويُتصورُ أيضاً هذا الأمر في حالةِ التجارِ المتعاملينِ بالشيكات والأوراقِ التِجارية، كما يُتصورُ في حالةِ كفالةِ أحد الأشخاص، وقد حدث فعلاً أن تم التعميمُ على شخصٍ بسببِ كفالتهِ لصديقهِ على اشتراك شهري لخط هاتف!

كل هذه الأمور تحدُث، بسببِ وجودِ نصٍ في قانون التنفيذِ الأردني يُجيزُ للدائِن حبسَ مدينهِ تسعينَ يوماً كُل سنة عن كلِ دينٍ طالما لم يسدد الدين أو يعرض تسويةً مناسبة خلال مدةِ الإخطارِ التنفيذي، ومهما كانَت قيمةُ الدين، ولم يفرق هذا النص بين المدين الذي لا يريدُ السداد، والمدينِ العاجزِ عن السداد، فالمدينُ العاجِز عن السداد مهما مارستَ من الضُغوطات ِعليه، لن يؤثر ذلك فيه بسببِ عجزِه، فهو في كل الأحوالِ لا يملكُ أية أموالٍ أو موجودات يمكِن التنفيذ عليها، فما هي جدوى حبسِ المدين إذا كان لا يملك أي دخلٍ أو موجوداتٍ يمكنُ الحجز عليها؟ وماذا يستفيدُ الدائن من حبس المدين في هذه الحالة؟ فالمدينُ العاجز تُسلبُ منه حريته والدائن لا يستوفي حقه. 

ولا داعي للحديثِ عن مدى الأثرِ النفسي السلبي على المدين الذي يودعُ السجنِ بسبب التزاماته المالية، ولا عن الأثر السلبي الذي يلحق باعتباره ومركزه الاجتماعية، حيثُ يُعاملُ من العامة وكأنه مُجرمٌ خطير، وهو الذي لم يرتكب أي فعلٍ يستوجِبُ أية عقوبة جزائية، فضلاً عن تحوُل مفهوم حبس المدينِ إلى أداة للانتقام من المدين العاجِز، وأداة محمية بنصوص القانون للبطشِ بالبُسطاءُ من المدينين من قِبل الشركات والمُنشآت المالية العِملاقة، وكل هذه المُعطيات تقوُدنا إلى القول بأن حبس المدين أصبح أصلاً واسِعاً بدل أن يكونَ استثناء ضيقاً، ورغم أنه واردٌ ضمن نص قانوني، إلا أننا لا نستطيع أن نصفهُ إلا بكونه قنونٌ ينتهِكُ القانون. 

  

  

بما ان الاردن عضو في اتفاقية المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة ١٩٦٦ وهي منشوره على الصفحة ٢٢٢٧ من الجريدة الرسمية عدد رقم ٤٧٤٦ بتاريخ ١٥-٦-١٩٦٦ حيث نصت الماده ١١ من الاتفاقية المذكوره بانه لا يجوز سجن اي انسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالالتزمام التعاقدي ..   

حيث ان الاتفاقات الدولية تسمو على القوانين المحلية وهي واجبة التطبيق والاحترام حيث اشار اليه القرار التفسيري رقم ١ لسنة ٢٠٠٨ الصادر عن الديوان الخاص لتفسير القوانين وذلك لان الاتفاقيات الدولية التي وقعها ستوقع عليها المملكة الاردنية الهاشمية مع الدول الاخرى مقدمة في التطبيق على القوانين والانظمة الاردنية المحلية وذلك قرارات محكمة التميز الاردنية رقم ٨١٨/٢٠٠٣ و١٤٧٧/٢٠٠٥   

ان الغاء الحبس التنفيذي لمجرد العجز عن الوفاء بالتزام هو مطلب يتفق مع معايير حقوق الانسان وما هو ساري مخالف للمعاهدات السارية حيث ان قانون التنفيذ رقم ٣٦ لسنة ٢٠٠٢ وتعديلاته المعارض لمادة ١١ من العهد الدولي الخاص والحقوق المدنية والاقتصادية تنص بان لا يجوز حبس المدين وباستعراض نص الماده ٢٣ من ذات القانون تجد انها تحمل مخالفة صريحه من النص الدستوري حيث نصت الماده على انه لا يجوز حبس المدين لاي من موظفي الدولة وفي ذلك مخالفة صريحه لنص المادة ٦١ من الدستور الاردني والتي اقرت بان الاردنيين امام القانون سواء لا تميز بينهم في الحقوق والواجبات فكيف يتصور بان هناك مساواه في تطبيق القانون من خلال   

   

غارميين اردنيينخارج البلاد حياتهم في خطر ..  

هناك عدد كبير من الاردنيين المطلوبين للجهات القضائية، واغلبهم على قضايا مالية، ويعيشون حاليا خارج الاردن، وهؤلاء باستثناء المجرمين، او الرؤوس الكبيرة لعصابات، غادروا الاردن، على خلفية عدم القدرة على سداد التزاماتهم المالية، او التعثر، وليس بسبب النصب او الاحتيال.  

 هؤلاء يعيشون في دول، ويحملون اقامات تلك الدول، التي يتم منحها على اساس جوازات سفرهم الاردنية السارية المفعول، وبعضهم يحاول حل مشاكله المالية، من اجل العودة للاردن، والبعض الاخر، يسدد تدريجيا التزاماته، لكنهم جميعا، تتم معاقبتهم مرتين، المرة الاولى بسبب صدور احكام ضدهم، وادراج اسمائهم ضمن المطلوبين للتنفيذ القضائي، والعقوبة الثانية، منع تجديد جوازات سفرهم اذا حاولوا تجديدها، عبر البعثات الدبلوماسية، او عبر عائلاتهم في الاردن، بسبب التعميم عليهم، وهكذا تتضاعف مشكلته الاساس، فيصير مخالفا في الدولة المقيم بها، ويصبح مقيما غير شرعي، ومطاردا من سلطات تلك الدولة، اضافة الى فقدان اغلبهم لاعمالهم، التي قد ينفقون منها على اسرهم، ريثما يتم حل مشكلتهم الاساس.  

هل هناك سند قانوني واضح ومحدد، يسمح لاي جهة عدم تجديد جواز السفر، لاي شخص في الاردن، وانا شخصيا لا امتلك اجابة قانونية، لان الاصل عدم اخضاع تجديد جواز السفر، لاي وضع آخر، سوى مواطنة الشخص، سواء كان مطلوبا، او غير مطلوب، اذ لا يصح اساسا معاقبة المرء مرتين بهذه الطريقة، وتصنيع طائفة من الاردنيين المطلوبين في الخارج، الذين يصبحون بلا وثائق سارية، فلا يسددون التزاماتهم في الاردن، ولا يسمحون لهم حتى بتدبير امورهم بالبحث عن عمل او السفر او البحث عن حلول لاجل تسوية مشكلاتهم الاساسية؟!  

 من ناحية حقوق الانسان، فإن المجرمين وكل الذين يخالفون القانون، بدرجات مختلفة، لديهم حقوق معروفة، ولا يصح ايضا، بذريعة وقوع الانسان في خطأ الاستزادة في التنكيل ومعاقبة الانسان، خصوصا، ان عدم تجديد جواز السفر بهذه الطريقة، بهدف اجبار المطلوب على تسليم نفسه، او حل مشكلته، يعد ضغطا غير قانوني ولا يمت الى روح الدستور بصلة، خصوصا، ان هذا الاجراء يؤدي الى تدمير حياة الشخص المطلوب، وبعضهم مطلوب على قضايا شيكات بألف دينار، او بضعة الاف، او بسبب مشاكل تعرضوا لها عنوة، وليس دلالة على سوء الخلق والمسلك، وتعمد الجريمة.  

 الامر يمتد الى بقية الوثائق، بما في ذلك هوية الاحوال المدنية، والقصة كلها ترتبط بقانونية اتخاذ هكذا خطوات من الجهات المختصة، اذ لا يكفي التذرع بحاجة الدولة للضغط على المرء من اجل تسوية مشكلته، فهذا تذرع يبيح ايضا، اتخاذ عشرات الخطوات غير القانونية، والكل يدرك ان هناك معايير وأسسا، حتى بشأن المحكومين والمطلوبين، ولا يجوز فتح باب التفنن في العقوبات، كيفما ارادت بعض الجهات.  

 هناك عدد كبير من الحالات، اليوم، من الاردنيين في الخارج، تعرضوا الى اشكالات مالية، ويعيشون خارج الاردن، وحرمانهم من تجديد وثائقهم، يعني تدميرهم في حياتهم، وانهاء اقاماتهم، وتحويلهم الى مطاردين ومخالفين في تلك الدول، فوق ان هذا الاجراء، يلغي اي امل في حل المشكلة المالية الاساسية، كون الممنوع من تجديد جواز السفر، يصير بلا اقامة وبلا عمل، فتسوء احواله كليا، بدلا من منحه فرصة لاستعادة انفاسه، وتسوية قضاياه هنا في عمان، وعلينا ان ننبه الى ان اغلبهم تعيش معهم عائلاتهم، ومنع تجديد الجواز يعني الغاء اقامته في تلك الدولة، وتحويل عائلته، الى عائلة بلا اقامة رسمية، وبلا معيل ايضا، بسبب فقدان العمل، وكأن العقاب هنا، يصير جماعيا.  

 دلونا فقط، على السند القانوني، الذي يبيح عدم تجديد جواز السفر، لاي شخص اردني، داخل البلد، او خارجه، ولاي سبب كان، فحتى القاتل لا يحق لاي احد تجميد مواطنته؟!  

 

 

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق