د. نزيه خطاطبه: في ذكرى النكبة الفلسطينية: الارض والاسطورة جوهر الفكر الصهيوني

المجهر نيوز

د. نزيه خطاطبه

اعلامي في كندا

وعد بلفور الصادر عام 1917، كان بمثابة الطوبة  الاولى فى صناعة ووبناء دولة الاحتلال الاسرائيلي ولكن هذا الوعد لم يكن ليتحقق لولا الاستغلال الفاضح للاساطاير والاكاذيب التي استخدمتها الصهيونية وحاخامات اليهود المتطرفون والمسيحيون اليمينيون الجدد لتبرير قيام  ودعم وحماية هذه الدولة وكانها  بوعد من الله . فليس غريبا ان يعلن وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو في زيارته الاخيرة لاسرائيل بان الله جاء بترامب لحماية اليهود ودولة اسرائيل. بومبيو واحد من كبار  المتنفذين في ادارة ترامب التي يشكل المسيحيون الصهاينة اليمينيون قطاعا أساسيا من قاعدة ترامب السياسية والانتخابية ،  حيث يعتقدون بأن “الله أعطى هذه الأرض لإسرائيل” ولا حق للفلسطينيين فيها، إلى جانب اعتقادهم بأن المسيح لن يعود إلا بعد اكتمال إخلاء هذه الأرض من غير اليهود “حيث سيعطيهم المسيح خيارا باعتناق المسيحية أو الحرق”.

على الرغم من أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية علمانية لا علاقة لها بالدين اليهودي أو التوراة إلا أن قادتها طوعوا الدين اليهودي وجعلوه اداة للسياسة لتغليفها بالقدسية وحولوا الديانة اليهودية الى قومية حتى يتسنى لهم تبرير اقامة وطن قومي  لليهود في فلسطين.  عندما خيروا مؤسس الصهيونية هيرتزل بين الارجنتين وفلسطين لقيام هذه الدولة اجاب بان الارجنتين بلد مناسب جدا , كبير بمساحته الجغرافية وغني وموقعه طقسه مناسب ولكن كيف لنا باقناع اليهود بالهجرة اليها . وقد اعترف لاحقا بصراحة ان مشروعه قومي استثماري استعماري وكان نموذجه في ذلك التاجر الاستعماري رودورس في جنوب افريقيا الذي حولها الى ابارتهيد لا حقوق فيها الا للعرق الابيض فقط.

ومن اجل الحصول على الشرعية والحشد الشعبي  فقد استخدمت الحركة الصهيونية ديباجات ورموز  دينية  ونشرت اكاذيب تاريخية وتشويه لصورة فلسطين  وتسويقها للراي العام اليهودي والعالمي على انها قبيحة ووسخة وسكانها القلائل فقراء متسولون، وأصحاب  الارض فيها من  الاقطاعيين الاتراك   يرون في المشروع الصهيوني خلاصا من التخلف , على اعتبار ان المستوطنون اليهود سيجلبون معهم الازدهار لفلسطين .

فلسطين لم تكن أرضا خالية لا قبل موسى ولا هيرتزل بل كانت مزدهرة  بالحضارة الكنعانية التي اشتهرت بمدنها  والتي وصلت الى كامل البحر المتوسط وما بعده وانتشرت المدن الكنعانية على طول البحر ، وكانت فلسطين جزءا من  شرق البحر المتوسط الغني والخصيب الذي شهد في القرن التاسع عشر عمليات تحديث إلى جانب بروز نزعة قومية فيه . لم تكن فلسطين قبل هيرتزل صحراء تنتظر المستوطنون ان يزرعوها؛ بل كانت بلدا ريفيا على وشك دخول القرن العشرين كمجتمع حديث. وكانت يافا وعكا وطبريا وشفا عمرو وغيرها مدنا حضارية.

في عام 1882 كان تعداد سكان فلسطين حوالي 500 ألف نسمة، منهم 25 ألف يهودي فقط”. وهؤلاء هم يهود فلسطين، أي اليهود الذين ولدوا في فلسطين، وعاشوا فيها كأي فرد من أفرادها قبل أن تنشأ الفكرة الصهيونية .

المشروع الصهيوني  جوبه بمعارضة شديدة من قبل الفلسطينيين والعرب اضافة الى معارضة العديد من كبار الحاخامات اليهود( خاصة جماعة ناطوري كارتا ) الذين عقدوا مؤتمرا لهم في شمال امريكا في نفس الوقت الذي عقد فيه مؤتمر هيرتزل واعربوا خلاله عن رفضهم فكرة انشاء دولة يهودية لانها تنم عن فهم خاطئ لرسالة اليهودية التي هدفها ليس سياسيا ولا قوميا بل هو هدف روحي من اجل اقامة مملكة الرب على الارض يكون الجميع فيها جماعة واحدة .

الحركة الصهيونية وظفت التوراة  و الاسطورة  والرموز الدينية في دعايتها, وهذا لا يعبر بالضرورة عن الإيمان بها,  بل هو استخدام ذكي وخبيث لها بسبب مقدرتها التعبوية للعب بعواطف اليهود  ولتحويل مفهوم الفكرة الدينية لليهود الى فكرة قومية سياسية من حقها تقرير مصيرها في  وطن قومي لليهود على أرض فلسطين بالتعاون والتحالف مع قوى الاستعمار العالمي وخاصة بريطانيا,  ولاحقا الولايات المتحدة .

ظل العهد القديم لفترة طويلة المصدر الوحيد لتاريخ منطقة الهلال الخصيب وقصة الخلق من آدم حتى موسى التوراتى (بلاد النهرين، وبلاد الشام ، و مصر)واستند عليه الغالبية من الباحثين والمستشرقين الغربيين عند تناولهم تاريخ المنطقة القديم، واستمر هذا الحال حتى بدأت الاكتشافات الأثرية وفك رموز اللغة الهيروغليفية والكتابات المسمارية تأخذ مجراها؛ حيث اكتشفت خبايا وأسرار وتاريخ حضارات بلاد النهرين (بابل وآشور) والحضارة المصرية، وحضارة المنطقة السورية، فقد ساعدت المعلومات التي توفرت من هذه الاكتشافات الباحثين وامدتهم بالعديد من المعلومات التى كشفت عن عدم صحة ما تضمنه العهد القديم، أو تناقضها مع الروايات التاريخية لهذه الحضارات. واظهرت هذه الاكتشافات  ان معظم حكايات التوراه هى مسروقة من اساطير الادب الرافدى ,وجرى نسبتها الى اليهود  .

لن نتعرض هنا  الى كافة الاساطير المنسوبة الى التوراة وسوف نركز فقط على ما يغني بحثنا وقضيتنا:

اولى هذه الاساطير هي ” خرافة الوعد ” :

تقول الاسطورة : ” ساعطي نسلك هذه الارض من وادي العريش الى النهر الكبير نهر الفرات ” وهي نفس الاسطورة التي استند اليها موشي دايان عندما احتلت القوات الاسرائيلية الضفة الغربية في العام 1967 حيث قال : اذا كنا نملك التوراة ونعتبر انفسنا شعب التوراة فمن الواجب علينا ان نملك جميع الاراضي المنصوص عليها في التوراة.

هذه الأسطورة هي اساس  للاستعمار الدموي الذي قامت عليه دولة الاحتلال وعصاباتها الارهابية اليمينية  بقتل وتهجير الفلسطينيين وحتى قتل كل من تجرأ على امكانية التخلي عن جزء من هذه الارض, حيث اقدم الارهابي اليميني  إيجال عامير على اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحاق رابين في العام 1995 بحجة انه أمر من الرب، وبأمر من جماعته الإرهابية المتطرفة التي تنادى بإعدام كل من يفرط في الأرض الموعودة ويسلمها للعرب.

إن الربّ لم يعِد اليهود بأرض فلسطين، وإنما طبقاً لتوراتهم، وعد إبراهيم ونسله كذلك. والوعد طبقاً للتوراة لا يشمل فلسطين فقط، وإنما أرضاً أوسعَ منها ومعروفٌ أنَّ لإبراهيم ولدَيْن هما: إسماعيل وإسحاق، ويتكوَّن نسله منهما .

ليس بمقدورنا ان نحدد على وجه الدقة في اي لحظة تاريخية واين ظهر الرب لشخصية ابراهيم التوراتية ومنحه الحق الشرعي في الاستيلاء على بلاد كنعان, والمصدر الوحيد هو سفر التكوين في العهد القديم والذي جرى تحريفه باستمرار حسب الرواة. وتشير النصوص المقدسة او الكتب الدينية  في بلاد  ما بين النهرين ومصر الى ان جميع شعوب المنطقة قد تلقت وعودا مشابهة من اجل الاستقرار بدل حياة البدو الترحال , حيث كانت الالهة تمنح كل شعب الارض للاستقرار عليها.

كما ان فلسطين ليست مهبط الديانة اليهودية. فاليهودية بدأت مع النبي موسى (ع) عندما تجلّى له الربُّ، طبقاً للتوراة عندما كان  يرعى غنم في منطقة  مدين. فقاد الغنم إلى ما وراء الطرف الأقصى من الصحراء، حتى جاء إلى حوريب، جبل الله. وهنا تجلّى له ملاك الربّ بلهيب نار وسط عليقة.” ومدين ليست في فلسطين، وإنَّما في صحراء سيناء، وقد توفّي موسى ولم يدخل أرض فلسطين مطلقاً.

وقد خلصت الدراسات والابحاث التاريخية مؤخرا الى ان الروايات التقليدية عن الخروج من مصر وغزو كنعان لا تعدو ان تكون قصصا خيالية ولا تستند الى اي حقائق.  لقد تمت سرقة قصص واساطير الشعوب الاخرى وخاصة منها التي تتحدث عن الشجاعة والنضال ومقاومة البطش ونسبها لليهود ومنها قصة عبور البحر التي تزامنت  مع الاحتفال بعيد الفصح , ما يضفي على الخروج صبغة قدسية  تجعل منه اساس بعث شعب انقذه الله من العبودية. لقد حل الاحتفال بالخروج محل احد الطقوس الكنعانية الزراعية في الربيع وهو عيد بعث ادونيس .

اسطورة خرافة الشعب المختار:

تتمثل هذه الاسطورة في الايمان( بدون اي سند تاريخي ) بان عقيدة التوحيد ولدت مع العهد القديم , الا ان مصدري العهد القديم وهما اليهوي والإلوهمي لم يكونا  من الموحدين . فهما لا يتحدثان الا عن تفوق الالهة العبراني على الالهة الاخرى بل وغيرته منهم وخاصة الالهة كموش إله مؤاب . ولم تترسخ عقيدة التوحيد الا بعد نفي عدد كبير من كبار الحاخامات اليهود وعائلاتهم من القدس الى بابل  في القرن السادس قبل الميلاد اي بعد مرحلة النبي او الملك سليمان. حيث بدا الانتقال باستخدام عبارات مثل ” لا يكن لك ألهة اخرى سواي” . ويرجع ذلك الى عملية نضوج طويلة المدى للحضارات العظمى في الشرق الاوسط ولا سيما حضارة ما بين النهرين ومصر الفرعونية.

اسطورة يشوع وما تعنيه من تطهير عرقي:

حيث تصف هذه الاسطورة بطولة يشوع وجيش اسرائيل في تدمير عجلون وحبرون واريحا واحتلالهم كل منطقة نهر الاردن  وقتلهم كل من كان فيها . الدراسات والحفريات الحديثة للمنطقة اثبتت استحالة ان يكون الغزاة اليهود في القرن الثالث عشر قبل الميلاد قد استولوا على اريحا لان المدينة كانت مهجورة قبل ذلك بزمن حيث دمرت المدينة في حوالي العام 1550 قبل الميلاد وانتقل اهلها الى اماكن مجاورة. نزعة التطهير العرقي متاصلة في الفكر الصهيوني وهي نهجا ثابتا لدولة اسرائيل وتستمد اصولها من مقولة النقاء العرقي التي تحرم اختلاط الدم اليهودي بالدم النجس لدى كل الاجناس الاخرى. حيث يامر الرب موسى بابادة سكان  البلاد التي يستولي عليها ويوصيه بالا يتزوج بنو قومه من بنات الشعوب التي تقطن هذه البلاد . اليهود سرقوا اساطير الحضارات الاخرى ونسبوها لانفسهم . فمثلا سرقوا فكرة الكهنة السومريين الذين كانوا يحلقوا شعر راسهم من الاطراف باستثناء الجزء العلوي , فوضع الكهنة اليهود طاقيات في مراسمهم واصبحت ظاهرة لليهود المتدينين . وهذا ما يقومون به حاليا من سرقة تراثنا ورموزنا من الملابس والحمص والفلافل وحتى حية فلسطين وورد الحنون وغيرها الكثير في بحثهم عن جذور وحضارة  .

 خرافة الحق التاريخي :

إنَّ القول بأن جميع اليهود ينتسبون في الأصل إلى أرض فلسطين، مغالطه لكل الوقائع التاريخية، سواء تلك التي وردت في التاريخ العام أو في العهد القديم ذاته. فالعبرانيون وهم بدو رحل  لم يكن لهم اي مساهمة في حضارات المنطقة وعبرت نهر الفرات، واتّجهوا إلى مصر، واستقروا  في شمالها وهم الذي اُطلق عليهم فيما بعد اسم اليهود السفارديم.

أمّا اليهود الأشكيناز، الذين قادوا الحركة الصهيونية و اسسوا دولة الاحتلال ويتحكموا الان بسياستها ، فهم ليسوا من هؤلاء العبرانيين، وإنّما في الأصل من الخزر الذين سكنوا بلاد القوقاز بين بحر قزوين والبحر الأسود، جنوبي روسيا الحالية. وقد تهوّدوا في القرن الثامن الميلادي. و لا علاقة تاريخية  تربطهم بفلسطين مطلقاً.

اسطورة المحرقة او الهولوكوست ( والتي تعني بالعبرية حرق الاضحية لاضفاء صفة القداسة عليها )،,  ونحن هنا لسنا في وارد الانتقاص من اعداهم ولا نفيها لاننا ببساطة لسنا شركاء في صناعتها وانما ضحايا مثل ضحاياها حيث طرد اكثر من 750 ألف فلسطيني من ارضهم وبيوتهم وشردوا في بقاع الارض في ظروف غير انسانية مازالت ماساتهم متواصلة حتى الان, ليحل مكانهم قادمون من روسيا وبولندا والمانيا ودول اوروبية وعربية في دولة اسرائيل اليهودية التي اقيمت على انقاض شعبها واصحاب ارضها الشرعيين.  ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:  لماذا اقرت العديد من دول العالم بضغط من الصهيونية العالمية وحكومة الاحتلال الاسرائيلي  قوانين  تمنع حتى البحث فيها وكشف حقائق عنها ؟  وتقديم كل من يبحث في المحرقة الى المحاكمة واتهامه بمناهضة السامية ؟

يقول الكاتب والمفكر اليساري روجيه جارودي في كتابه ( الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية):

“كان من الضروري المبالغة في أعداد الضحايا، كما كان من الضروري أن تصبح الإنسانية جمعاء شريكة فيما يسمى “أكبر عملية إبادة في التاريخ”، وأن تنسى تماما ضحايا الإبادة للآخرين، ومنهم مثلاً 60 مليوناً من الهنود الحمر في أمريكا، و100 مليون من الزنوج في أفريقيا، وأن ننسى كذلك هيروشيما وناجازاكي، والقتلى خلال الحرب العالمية الثانية البالغ عددهم نحو 50 مليوناً، من بينهم 17 مليوناً من السلافيين”. وهذا يبين بوضوح أن المسألة لم تكن صدفة!

الحركة الصهيونية استغلت المحرقة واعتبرتها بمثابة انطلاقة جديدة لمشروعها الاستيطاني الذي كان يواجه تحديات ومقاومة شديدة في فلسطين ومعارضة من قبل غالبية من  اليهود انفسهم وكبار حاخاماتهم, فاستغلت الصهيونية صعود الفاشية في المانيا و المحرقة , لدفع اليهود للهجرة باتجاه فلسطين حيث تضاعف عدد اليهود المهاجرين  خلال هذه الفترة وخفتت الاصوات التي تعارض الهجرة.  سياسة الحركة الصهيونية والمسيحيون المتصهينون وممثلها حاليا ترامب وعصابته, وهي المتبعة حاليا في اسرائيل,  تقوم على اساس نزعة قومية متطرفة و رفض الأخر وتقديس الذات وفرض الامر الواقع بالقوة. احتكار القداسة على هذا النحو يمحو فكرة الحوار مع الأخر لانهم  متفوقين عليه بالعرق والحضارة والقوة. فعن اي مفاوضات تتحدثون ؟

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق