حميد لعدايسية: الجزائر: سؤال الهوية الوطنية في مدونات الدكتور أحمد طالب الابراهيمي

المجهر نيوز

حميد لعدايسية

إذا كانت الكتابة إنتصارا على الزمن، و تجاوز محنه و إحنه في آن واحد ، فإن قراءة المواقف المبدئية من القضايا المصيرية للأمة ، هي تامل في نبل المبدأ ،  عن طريق الفهم و التفسير و الـتأويل و المعاناة، وإعادة الترتيب قصد التثمين، بعد إزالة الشوائب المغرضة ، و تتراكم المواقف المبدئية و تتكرر في القضايا المصيرية و لا تتناقض بمرور الزمن . و الدكتور طالب كان و لايزال صنفا فريدا من المثقفين السياسين، المنفتح الذهن شديد الملاحظة ، يفهم بسرعة المالآت و المصاير ، لأنه يتمتع بذكاء حاد و فطنة تالريخية تمكنه من إدراك المعاني العميقة التي تختفي وراء الشعارات المغرضة ، و التي قد تبدو عابرة.

والذي يجالس الدكتور طالب أو يتصفح مدوناته ، يرى فيه التحكم في أعصابه أثناء الحديث ، و الموضوعية الإجتهادية أثناء كتابته ، لا ينجر إلى الإنفعالات و لا إلى تضخيم (الأنا)، و أن المحاور له في الحديث أو في المدونة ، مهما يكن حظه من الذكاء و الفطنة لا يستطيع أن يعرف من ثنايا حديثه ، أو مدوناته ، ما إذا كان موافقا على كلامه أم غير موافق ، و لا ينفذ إلى رأي يكون قد رآه لأن رأيه لا يبدبه لمحدثه أو قارئه ، فإذا ما أنتهى الحديث و خرج محدثه من عنده ، خالجه شعور بالإرتياح إلى الأثر الذي تركه في نفسه سواء كان حديثا مباشرا أو مدونة مقروؤة.

لقد أدى الدكتور طالب دور المجدد لفكرنا العربي في أبهى صورة ، و لا يخفى علينا أن المجددة له رؤيته المستقبلية ، الرؤية إلى الأمام ، و التي ستظل خالدة على مدى العصور و تعاقب الاجيال . و هذا ما نلاحظه أثناء قراءة بعض مدوناته حول الهوية الوطنية .لم يكتب الدكتور طالب عبارة و احدو و إلا و كان واضعا نصب عينه المستقبل العلمي و الحضاري للجزائر العربية الإسلامية ، ذات الأصول الأمازيغية حيث حدد موضع الداء و أقترح أوجه العلاج ، و هذا ما نلاحظه حول التحفظ الذي أبداه على دباجة  المثاق الوطني لسنة 1976 ، الذي رأى فيه تقصيرا و إختصارا لتاريخ الجزائر و مما جاء في هذه الديباجة تحت عنوان ” مدخل عام : إن الأمر هنا يتعلق بوضع الدباجة : ما دام المثاق ( هو أساس المستقبل فإنه من المجدي التذكير بأصولنا و بهويتنا قبل أن ننسى هدفنا و مقصدنا …لم يستعرض … تاريخ الشعب الجزائري و أكتفى بتحليل عام ، و أكتفى (مثاق الجزائر ) بمسح شامل في بضعة أسطر لتاريخ لكي يصل إلى 1830 ، لكن الوقت حان اليوم لكي نتحدث بصراحة عن الشخصية الجزائرية بمقوماتها البربرية و العربية الإسلامية و عليه أن يوضح المثق الوطني جميع هذه المسائل الأساسية … و لا تتم تجزأة هذا التاريخ إلى مناطق ظل و أقواس…) كان هذا المآخذ الذي أبداه الدكتور طالب على المثاق و جاء ذلك في مذكرته الجزء الثاني صفحة 643 – 644 .

و لعل ما نسجله في هذا الصدد إنطلاقا مما سبق أن نقول بدون مبلاغة . إن الدكتور طالب كان له حدس المؤرخ و بذلك قضى طول حياته كلها مؤمنا بتاريخ الجزائر قديمه و حديثه مضحيا من أجله ، ينبض قلبه بحب الجزائر بجميع أبعادها الحضارية و التاريخية : ( بربرية الأصول ، عربية اللسان ، إسلامية الروح ) ، حيث أخلص لهذه الابعاد و يغير حدود و ذاق من أجلها الويلات، و لكن أصحاب القرار في الجزائر العابث بها لا يعلمون و يتعامون ، و الدروس التي نستخلصها من جميع مدوناته  من ( المحنة الجزائرية ) المفروضة علينا من أعدائنا التقلديين بتواطؤ من الوجوه المستعارة الذين أعدوا لهذه المهمة ، تعد مدونات رائدة ، و نجوم هادية في ظلمات التعتيم التاريخي المبرمج من الإيلزي منذ إتفاقية إيفيان إلى اليوم ، و لكن ما ذا نفعل في مواجهة (جيوش الفساد ) ( و دعاة الشعارات الزائفة ) ، و الذين يملكون تغطية جوية من فرنسا الحاقدة بأثر رجعي ؟ ما ذا نفعل أمام هذا الزيف و هذا الشلل المبرمج ، و الرئيس الفرنسي ماكرون ينكر و يعبث بمقدستنا ، و يسلم لنا جماجم بلا مضامين تاريخية ، و يرفض الإعتذار تحت حجة مخزية أنه لم يكن من جيل الذين أستعمروا الجزائر ، و يستجيب لتصفيقات التي تهلل لزيارته ؟ ما ذا نفعل و نحن نعيش الخزي و العار المتلفزين على المباشر في قنوات أدمنت على إذلال الجزائر و تاريخها .

و من هذا المنطلق المخزي و المخجل نرى أن عناصر الهوية التي غيبت في الجزائر منذ وعد بلفور المشؤوم  الذي جاء بعد سنوات الإرهاب هو الذي فحم وعينا  و تركنا نرتعد بين مخالب فرنسا ، و بذلك نرى أن عناصر الهوية الوطنية عند الدكتور طالب ، كانت من اقدس المقدسات في جميع طروحاته ، التي لم تكن صادرة إلا عن تراكم ثقافي متعدد و عميق و متنوع ، و عن ذكاء حال و سرعة بديهة تاريخية من النادر أن نجدها عند أكثر المفكرين في عالمنا العربي . لقد أرك الدكتور بثاقب نظره أنه لابد أن نسترجع أصولنا الحضارية إذا أردنا لأنفسنا تماسكا حضاريا لا تزعزعه المِؤامرات ، لقد بحث الدكتور في تاريخ الجزائر على إمتداده وراء إبتداءا من مدوناته ( من تصفية الإستعمار إلى الثورة الثقافية ) ( 1962 -1972 ) أنه لا بد من القيام بعملية تخليص (الثقافة الجزائرية ) من الشوائب الإستعمارية ، التي تريد أن تزيف أصولنا ، قصد تفتيت وحدتنا ، و في هذا الشأن يقول في نفس المدونة السابقة الذكر صفحة 303  : ( … فعندما يطالع المرء ما كتبه المؤرخون المغرضون عن الجزائر و الأمازيغ ، فإنه يدرك أن القصد من كل ذلك هو تفريق الشعب الجزائري ، في القول مثلا : بأن سكان الجزائر فيهم العرب و فيهم الأمازيغ قول غير صحيح من الناحية التاريخية … و بناءا على هذا فلا يتألف سكان الجزائر من عرب و امازيغ …بل إن هؤلاء السكان مزيج عربي – أمازيغي يؤمن بعقيدة واحدة … و يستميت عن الدفاع عن أرض واحدة ) .

ومما يدلنا على عمق الرؤية الحضارية عند الدكتور طالب نجيب أنه كان طول حياته مدافعا عن عروبة الجزائر الثقافية ، إذ أنه أدرك بثاقب نظره و حدسه التاريخي أن (عروبة الجزائر ثقافية ) و في ذلك يقول في نفس العنوان السالف الذكر صفحة 309- 310 : و في نفس هذا السياق أريد أن أتعرض لمفهوم العروبة ، لأقول بأن المقصود عندنا بهذه العبارة … محتواها الثقافي  بشكل خاص …فنحن لا نوافق من يؤول هذه العبارة تأويلات عنصرية … فنحن إذن نعطي للعروبة مفهوما ثقافيا تقضي على بذور التفرقة …و لا إن أكدت على دور التاريخ في غرس فكرة الإرتباط بالأرض و بث روح التآزر بين أبناء الشعب الواحد فلأن الثقافة الجزائرية ينبغي أن تندرج في إطار الديمومة التاريخية لشعبنا )

لقد كانت رؤية الدكتور طالب من خلال مدونات لا حصر لها ، أبرزها ( رسائل من السجن ) (مذكرات جزائري ) بجميع أجزائها ، ( المعضلة الجزائرية ) (1989-1999 ) ، ( و محاضرات في الحضارة الأإسلامية) التي ألقاها الدكتور الطالب الأبراهيمي على طلاب المدرسة الوطنية للإدراة من سنة 1975 إلى سنة 1982 ، و (شاهد على العصر) الذي أعدته قناة الجزيرة . هاتان المدوناتان مازالتا لم ترى النور إلى حد كتابة هذه الدراسة .

لقد وقف الدكتور طالب من خلال هذه المدونات كمثقف على قمة عصره ، و كان ممثلا لآخر جيل جيل الرواد و خاصة عن طريق حسه لتاريخي البارز ، الحس الذي يكشف الدسائس التي تريد أن تخترق حصوننا الحضارية و التاريخية و الفكرية ، و هي صفات متأتية من كونه عضو بمجمع اللغة العربية بدمشق ( و مجمع اللغة العربية بالقاهرة ) ( و عضو الأكاديمية الملكية بالأردن ، و عضو مؤسس لمعهد تاريخ العلوم العربية و الإسلامية بفرنكفورت بألمانيا سنة 1982 .

هذه مقاربة أملتها التقاليد المنهجية و العلمية ، التي تتناول الشخصيات العلمية المؤثرة في الأمة  و المساهمة في صناعة تاريخها ، و الدكتور طالب لا يقل بأي حال من الأحوال عن أي دور قام بأدائه أعظم المفكرين في أمتنا العربية من مشرقها إلى مغربها على إمتداد تاريخها من القديم إلى الحديث حتى أيامنا هذه . فالدكتور طالب من المفكرين العرب الذين إستوعبوا ثقافة الغرب إستعابا أكاديميا ، و أستوعبوا الإستشراق بجميع مدارسه ، كما أنه من المستوعبين لأصولنا الحضارية و الثقافية لذلك فهو من المفكرين الذين يرون أن الهوية الوطنية ، تتكون من عناصر ثابتة عميقة الجذور تاريخيا ، و هناك عناصر متغيرة مشروطة بالتحولات التاريخية لهذا الوطن و المقصود بالتحولات هي التحديات الخاريحية التي تتثاقف في كثبر من ألأحيان مع العناصر الثابتة ، التي تتأثر بها و تؤثر فيها على السوى . لذلك فهو عندما أراد أن يحدد عناصر الهوية الوطنية من هذا المنظور المتحول فقد حدد عناصرها بعناصر ثلاثة : العنصر الأمازيغي ، الذي مازال ممتدا بتصورات شديدة العمق التاريخي ، و في هذا العنصر يستشهد الدكتور طالب بأحد عظماء القرن الثاني عشر ، و هو إبن تومرت –  منضر و مؤسس دولة الموحدين – حيث يقول في مدونته الموسمة ب( المعضلة الجزائرية ) صفحة 23 : (كان إبن تومرت ) يتعامل في حياته اليومية بلهجتنا الأمازيغية ، و لكن عندما ألف كتاب ( أعز ما يطلب )ألفه باللغة العربية أما العنصر الثاني من مقومات الهوية الوطنية فهو العروبة و سبق أن شرحنا رايه في العروبة .  و يرى الدكتور طالب أن الإسلام من العناصرالأساية في تكوين الهوية الوطنية ، لأنه يتصل بالقيم الروحية التي حفظت على تماسك هذه الهوية بكل عناصرها ، حيث جمعت هذه العناصر السالفة الذكر بين العنصر الأمازيغي الذي لم يمحه من الوجود تعاقب الغزوات و الإختراقات ( رومانية ، إسبانية ، فرنسية …إلخ ) و هذا ما أكده في مذكرته الجزء الثاني ص 44 : حيث يقول بالحرف الواحد ( لم أتوقف يوما عن الدفاع عن فكرة قيام الشخصية الوطنية على ثلاثة دعائم : الأصول البربرية و الثقافة العربية و الحضارة الإسلامية عندما أحتلت فرنسا الجزائر ، و امام إستحالة تغيير أصولنا و جعلنا أمساخا من نسل الغاليين ( goulois  ) هاجمت الدعامة الأخرتين لهويتنا …بغية فرستنا و الدين الإسلامي طمعنا في تنصيرنا و حدث ذلك كله تحت غطاء ” الرسالة الحضارية ” … و ذلك بالذات ما يفسر أنه في مجموع أدبيات الحركة الوطنية لا توجد أية مرجعية إلا مرجعية العروبة و الإسلام ، بسبب أنهما يتعرضان للخطر خلافا لما هو عليه البعد البربري الذي أستعمله الإستعمار كأداة لخلق صراعات ” عرب ” بربر” حيث لا توجد إلا خصوصيات لغوية .

هكذا تحدث الدكتور طالب عن الهوية الوطنية كإحساس ينبع من حاجتنا إلى الإنتماء ، بل هي حاجة طبيعية للجزائر العابث بها من طرف من لا هوية لهم ، لأن في الإنتماء إحتماء و الإحتماء ترجمان الجزائر بربرية الأصول العربية اللسان إسلامية الروح و في هذا يقول في مذكرته الجزء الثاني ص 385 : إن الذين  ينكرون حتى وجود الجزائر قبل 1830 إن هم أولائك الذين يسكتون عن 12 عشرة قرنا من الحضارة الإسلامية و يزرعون التفرقة بين العرب  و البربر و المتلاحمين إلى الأبد بفضل الإسلام) …يريد أن يؤكد الدكتور طالب من خلال هذه الحيثية التاريخية أن لغة الفاتح العربي ما لبثت أن تغلغلت تلقائيا في سويداء الجماهير البربرية ، قبل أن تنصهر إبان الحكم البربري في بوتقة واحدة مع الحضارة الأندلسية خلال ثلاثة قرون تجمع فيه أروع ما عرفه الفكر الإسلامي في العلم و الفن و الثقافة مما تمخض عنه عصر النهضة و الإنبعاث في أوربا . هذا هو الدكتور طالب بمبناه و معناه ، و الذي قال عنه الرئيس الفرنسي أثناء الإستعمار ” منداس فرانس ” إنه العنيد لأنه رفض أن يستسلم للمغريات الفرنسية التي تريد أن تفصل الإتحاد العام  الطلبة المسلمين الجزائرين عن جبهة التحرير الوطني ، حيث قال الدكتور طالب لكمنداس فرانس عبارة مقتبسة من ” مونيي ” إن جبهة التحرير الوطني هي محط أمل البائسين ) ففجأ منداس بهذا العناد ، و بقى عنيدا و رفض كل المغريات الفرنسية التي روادته عن نفسه ليكون مرشحا لها لرئسيات 1999 التي أنسحب منها عزيز النفس أخذته العزة بالملحمة النوفمبرية ، و بالأصول الأصيلة ، فهو كشجرة الطيبة أصلها ثابت و جذعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها  و نختم هذه الدراسة برأي شيخ المؤرخين المرحوم سعدالله عندما تحدث عن الثقافة في نصوص الطلبة في موسوعته الموسومة ب تاريخ الجزائر الثقافي (مرحلة الثورة 1954-1962) ص 108-109 . حيث يقول  معجبا  بمواقف الدكتور طالب من قضية الهوية الوطنية : ( ونختم علاقة الطلبة ، بموضوع الثقافة الوطنية برأي احمد طالب الابراهيمي باعتباره اول رئيس لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين ، وباعتبار تعليقه على نتائج المؤتمر الرابع للإتحاد الذي انعقد في تونس، وكان الابراهيمي عند اذن في السجن في فرنسا فقد كتب الى رئيس الاتحاد عندئذ وهو مسعود آيت شعلال  مستغربا كيف لم يتعرض المؤتمر للعروبة و الاسلام ) هذا هو الدكتور طالب في اسمى معانيه وانبل معانيه حريص على هوية الجزائر حتى وهو في احرج الاوقات وبالك في السجن لانه يعلم علم اليقين مجتمع بلا هوية مآله الجنون و الانقراض من التاريخ و الجغرافيا.

– جامعي وباحث-

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق