هل الإعلام الأوروبي متواطئ في سطوع نجم اليمين المتطرف في القارة العجوز كما حدث في اسبانيا؟

المجهر نيوز

مدريد ـ “راي اليوم” ـ البشير محمد لحسن:

لم يعتد الإسبان على مشاهدة نواباً من اليمين المتطرف داخل قبّة برلمان بلادهم، لكن انتخابات الـ 28 أبريل التشريعية أوصلت اليمين الشعبوي المتطرف للمرّة الأولى في تاريخ الديمقراطية الإسبانية الحديثة نسبياً إلى مجلس النواب والمجالس الجهوية. حزب “بوكس” اليميني المتطرف تأخر كثيراً في ولوج المؤسسات الدستورية الإسبانية، فالحزب الذي تأسس سنة 2014 لم يتمكن من دخول البرلمان الوطني قبل سنة 2019، أما البرلمانات الإقليمية فقد تمكّن الحزب من الوصول إليها أواخر سنة 2018 بمنطقة الأندلس، أين حصل على 12 مقعداً من أصل 109 نواب. وظلّت إسبانيا عصيّة على اليمين المتطرف حتى وقتٍ قريب. هذا اليمين الذي استطاع الوصول إلى ترأُسِ الحكومة كل من بولندا والمجر، بينما يُشارك في الحكومة في إيطاليا والنمسا ويتصدر أحزاب المعارضة في العديد من البلدان كسويسرا، فرنسا، هولندا والدنمارك وغيرها.

صحيح أن هذه الأحزاب قد جاءت للسلطة أو للمعارضة عن طريق صناديق الاقتراع، وصحيح أيضاً أنها انعكاس حقيقي لجزء من المجتمعات الأوروبية، بل وتعطي صورةً واحضة غير مشوشة عن أوروبا الحقيقية التي تتشدق بالدفاع عن حقوق الإنسان وتنبذ التطرف في كل ميادين الحياة. لكن اليوم وقد حتى طفت للسطح من رحم أوروبا أحزاب تنادي بالعداء للأجنبي وخاصة المهاجر والمسلمين والعرب بصفةٍ أدق، على المؤسسات الأوروبية التصدّي لهذا الخطر الذي يهدد تمايز المجتمعات الأوروبية. وتتعدد أسباب سطوع نجم هذه الأحزاب وتتداخل فيها الأزمة الاقتصادية والركود الذي تعاني منه معظم دول القارة العجوز إلى موجات الهجرة بسبب النزاعات في الشرق الأوسط وإفريقيا إلى فشل الأحزاب التقليدية العريقة في ترجمة طموحات وتطلعات الشعوب على أرض الواقع.

ولكل بلدٍ ظروفه الخاصة التي ساهمت في صعود اليمين المتطرف، ففي الحالة الإسبانية كان موضوع كتالونيا هو الوقود الذي استعمله اليمين المتطرف في حملاته الإنتخابية، فقد صوّر الكتلانيين كأعداء لإسبانيا يحاولون تمزيقها، في محاولةٍ لشيطنة مؤيدي استقلال الإقليم. وفي هذه النقطة كان خطاب اليمين المتطرف جاذباً لمن يَحِنّون لحقبة الدكتاتور فرانكو، وهم ليسوا أقلية في المجتمع الإسباني، وحتى وإن لم يقدم اليمين المتطرف أي حلٍّ لهذه الأزمة فقد إكتفى بترديد شعارات برّاقة صعبة التطبيق على أرض الواقع من قبيل حظر الاحزاب الاستقلالية أو إلغاء الحكم الذاتي بكتالونيا أو حتى إدخال الجيش للسيطرة على الوضع. ويقوم خطاب اليمين المتطرف على التبسيط وقنبلة المتلقين بعشرات الرسائل والوعود الكبيرة مستحيلة التطبيق، وهو يستهدف في ذلك جمهور مستعد لتصديق كل تلك الوعود دون تمحصيها أو دراسة مدى قابليتها للتطبيق في الميدان.

وبدأ مسلسل التطبيع مع اليمين المتطرف في الإعلام الغربي، ففي إسبانيا مثلاُ ضخّمت وسائل الإعلام حجم اليمين المتطرف وأفردت له مساحاتٍ واسعة في تغطياتها للحديث عنه، حتى أضحى جاذباً لشريحة مهمة من المجتمع حسب استطلاعات الرأي. ولم تكتفِ وسائل الإعلام بالحديث بكثرة عن اليمين المتطرف، بل راحت تستضيف زعماءه الذين ملأوا الشاشات قبل الإنتخابات التشريعية الأخيرة وحتى الأوروبية المرتقبة نهاية الشهر الجاري. وتهدف وسائل الإعلام من خلال منح مساحة كبيرة لليمين المتطرف إلى الرفع من نسبة المشاهدة، بالنظر إلى أن مؤيدي اليمين المتطرف وسياسييه يُطلقون تصريحات نارية ومثيرة للجدل بين الفينة والأخرى ولا يتلزمون بأية حدود أو معايير، لأنهم ببساطة يدركون أن ذلك الخطاب هو سرُّ بقائهم وعنصر جذب للمصوتين الناقمين على اليمين التقليدي المحافظ والوسطي الليبرالي، إذ أنهما لم يعودا يمثلا مبادئ اليمين.

وقبيل الانتخابات الأوروبية أصبح مألوفاً مشاهدة مؤيدي اليمين المتطرف وزعماؤه يحتلون الشاشات موجهين خطاباتهم السّامة والمعادية للآخر في مشهدٍ لم تكن أوروبا تتوقعه حتى وقتٍ قريب. وبعد وصول اليمين المتطرف للحياة السياسية بإسبانيا، تبقى البرتغال القلعة الوحيدة التي صمدت إلى الآن في وجهه. ورغم خطابات اليمين المتطرف ووعوده المستحيلة إلا أنه عندما يصل للمؤسسات ويُدرك استحالة تطبيقها، لأن تركيبة السلطة في الدول الديمقراطية هي أبعد من أن يتم تجاوزها بكل تلك البساطة التي كان اليمين المتطرف يسوِّق لها. فقد وعد حزب “بوكس” اليميني المتطرف مثلاً في حملته الانتخابية بإقليم الأندلس، شهر ديسمبر الماضي، بطرد 42 ألف مهاجر فور فوزه بمقاعد في البرلمان، وقد شكل ذلك مصدر إغراء للعاطلين عن العمل، وهم كُثُر في الأندلس، ضمن فئاتٍ أخرى معادية للأجانب، وبعد دخوله إلى البرلمان تأكد أنه لن يتمكن من تنفيذ وعده، ليتكشّف بعد ذلك أن هذا الرقم خيالي وغير موجود.

ويجد اليمين المتطرف الأوروبي في الإعلام خير حليفٍ له للوصول إلى الناخبين بتمرير رسائله المعادية للتعايش الذي تنادي به أوروبا، وهي تناقضات يُنتظر أن تجيب عنها أوروبا في الأيام القادمة بعد إتضاح صورة البرلمان الأوروبي الجديد الذي يُتوقع أن تكون لليمين المتطرف فيه كلمته.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق