لماذا احتجزت بريطانيا ناقلة النفط الإيرانية قبالة سواحل مضيق جبل طارق؟ ولماذا دخلت اسبانيا على الخط؟ وما هي مواقف مختلف الأطراف؟

المجهر نيوز

أعلنت حكومة جبل طارق تمديد احتجاز ناقلة النفط الإيرانية “غريس 1” مدة 14 يوماً، بعد احتجازها الخميس من طرف البحرية الملكية البريطانية قباله سواحل المضيق. وطالبت إيران، من جهتها، السلطات البريطانية بإخلاء سبيل السفينة وطاقهما واصفةً العمل بأنه “قرصنة بحرية”.

وتتباين مواقف الأطراف المختلفة من القضية، فبينما تقول بريطانيا أن قرار التوقيف جاء بعد دخول الناقلة المياه الإقليمية البريطانية وهي محمّلة بشحنة نفطٍ متجهة إلى سورية الخاضعة للعقوبات التي يفرضها الإتحاد الأوروبي على دمشق منذ سنة 2011، حسب تصريح الوزير الأول بحكومة جبل طارق، فابيان بيكاردو. وأضاف المسؤول البريطاني أن سبب احتجاز السفينة يعود إلى ملكية المصفاة التي سيتم تفريغ الشحنة بها إلى جهة خاضعة للعقوبات الأوروبية. ويتعلق الأمر بمصفاة “بانياس” المملوكة للدولة السورية. ويفرض الإتحاد الأوروبي عقوباتٍ اقتصادية ومالية على سورية منذ سنة 2011 وهي العقوبات التي لن ترفع قبل الفاتح من يونيو سنة 2020. ومن بين العقوبات المفروضة على دمشق تأتي شحنات النفط المتجهة لسورية، والحد من الاستثمارات الأوروبية، فضلاً عن تجميد أصول المصرف المركزي السوري على كامل التراب الأوروبي. وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها احتجاز شحنة نفط متجهة إلى سورية.

ولم يتأخر الرد الإسباني كثيراً على اعتبار أن مدريد تخوض نزاعاً بحرياً مع بريطانيا منذ قرون حول السيادة على مضيق جبل طارق. وقد تجددت الحوادث بكثرة في السنوات الأخيرة، وهي الحوادث التي كانت تساهم بين الفينة والأخرى في توتير العلاقات بين الطرفين. وعلّق وزير الخارجية الإسباني في حكومة تصريف الأعمال، جوزيب بورّيل، على الحادثة قائلاً “أن لندن قد تحركت بإيعازٍ من الولايات المتحدة الأمريكية في سياق حربها النفطية على إيران، وأن حيثيات إبحار الناقلة قد قدّمتها المخابرات الأمريكية لنظيرتها البريطانية وأنها محمّلة بالنفط الإيراني الذي فرضت واشنطن عقوباتٍ على تصديره”. مضيفاً أنه من المرجح أن يكون احتجاز السفينة قد تمّ في المياه الإقليمية الإسبانية أو المتنازع عليها في أحسن الأحوال. وأعلنت إسبانيا أنها تقدّمت، الجمعة، باحتجاج دبلوماسي أمام بريطانيا بسبب احتجازها لناقلة النفط في مياهٍ محل نزاعٍ دولي.

إلى ذلك، دعا أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، محسن رضائي، بلاده إلى الرّد بالمثل على الخطوة البريطانية في حال رفضت لندن الامتثال للطلب الإيراني بالإفراج عن السفينة الإيرانية. وغرّد رضائي في حسابه على تويتر قائلاً “خلال 40 عاما من تاريخها، لم تكن الثورة الاسلامية البادئة في أي توتر، ولكنها لم تتقاعس ولم تتردد في الرد على المتغطرسين والبلطجية. اذا لم تفرج بريطانيا عن ناقلة النفط الإيرانية، فمن واجب الأجهزة المسؤولة الرد بالمثل وتوقيف ناقلة نفط بريطانية”.

ولا تزال القوى الدولية تتفاعل مع قضية احتجاز السفينة الإيرانية. فقد قالت الخارجية الروسية إن عواقب احتجاز الناقلة الإيرانية في مضيق جبل طارق قد تكون “وخيمة”. واعتبرت الخارجية الروسية في تعلقيها على الحادث أن احتجاز السفينة وحمولتها هو اجراء يستهدف زيادة تعقيد الوضع حول إيران وسورية. وأضافت أن التعليقات السريعة لمسؤولين رفيعي المستوى في بريطانيا والولايات المتحدة، عقب هذه العملية، تؤكد أن هذا الإجراء قد تم التحضير له منذ فترة طويلة. وأكد بيان الخارجية الروسية أن عملية الاحتجاز تتعارض مع عزم الدول الأوروبية الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران.

ويعود سبب التدخل الإسباني بالأساس إلى عدم تفويت مدريد أي فرصة لإثبات سيادتها على مياه مضيق جبل طارق وهو النزاع القديم الذي ما فتئ يوتر العلاقات بين البلدين. وبموجب اتفاقية أوتريشت، تسيطر المملكة المتحدة منذ سنة 1715 على مضيق جبل طارق، وتُقرّ تلك الاتفاقية على أن المياه الخاضعة للسيادة البريطانية لا تتعدى الميناء البحري ومياهه الداخلية، بينما تُصرّ لندن على أن حدودها البحرية تصل حتى ثلاثة أميال بحرية خارج نطاق المضيق. وتُشير المعطيات المتوفرة أن السفينة الإيرانية كانت تُبحر على مسافة تزيد عن أربعة كيلوميترات من المضيق في منطقة تزود السفن التي تعبر المضيق.

وترى مدريد في هذه الحادثة سانحة لتظهر رفضها واستياء الأوروبيين عامة من املاء الولايات المتحدة الأمريكية عليهم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية التي يرون أن بريطانيا تنصاع لها مباشرة دون حتى استشارة شركائها في المنظمة. ويُعدّ وزير الخارجية الإسباني في حكومة تصريف الأعمال، جوزيب بورّيل، من أشد منتقدي السياسية الخارجية الأمريكية ومن أكثر المطالبين باستقلالية القرار الخارجي الأوروبي. هذا الأخير الذي تمّ اختياره لشغل منصب مفوض السياسية الخارجية للاتحاد أراد إظهار بعض الصرامة في أول امتحان له حتى قبل تولّيه رسمياً الحقيبة. وتريد واشنطن من الأوروبيين تضييق الخناق على إيران والانخراط في سياسة العقوبات النفطية التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران والهادفة إلى تصفير تصدير النفط الإيراني. وتمتلك طهران الكثير من الأوراق التي يمكن من خلالها الضغط على بريطانيا للإفراج عن ناقلتها والتي كشفت عن بعضها. إذ طالب مسؤولون في طهران بالرد بالمثل على توقيف الناقلة، حيث تعجّ مياه الخليج بناقلات النفط البريطانية أو المتجهة إليها أو حتى السفن التجارية. ويرى مراقبون أن إيران التي استطاعت اسقاط طائرة تجسس أمريكية بعد اختراق مجالها الجوي، قادرة على احتجاز سفينة بريطانية حتى تفرج لندن عن ناقلتها.

ويُتوقع أن تزيد هذه الحادثة في توتير العلاقات بين إيران والولايات المتحدة المتوترة اصلاً، لكنها أيضاً ستساهم في تقسيم الأورويين بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة، فتقديم مدريد لاحتجاج رسمي يعبر عن استياء الدول الأوروبية من تجاوزها من طرف واشنطن ورفضها للتحول إلى وكلاء عنها لرصد وتوقيف سفن شحن النفط الإيرانية.

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق