عمر نجيب: أخطار تحول ليبيا إلى ساحة حرب إقليمية وشبه دوليةالتنظيمات المسلحة والمليشيات المستوردة تضع أسس قاعدة لنشر الفوضى

المجهر نيوز

عمر نجيب

 ذكرت وكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” يوم الأحد 30 يونيو 2019 أن رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية أعلن، “حالة التعبئة والنفير العام” في كامل البلاد، ردا على التدخل التركي وتهديدات حكومة أنقرة باستهداف قوات الجيش الوطني الليبي التي يقودها المشير خليفة حفتر.

وكان عقيلة صالح قد أكد في تصريح خاص لقناة “روسيا اليوم”، أنه “لن يكون هناك حل سياسي ودستوري في البلاد قبل طرد المجموعات المسلحة المطلوبة محليا ودوليا من العاصمة طرابلس”.

وأكد عقيلة صالح أن “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر، “هو صمام أمان الوطن ووحدته وهو المسؤول عن حماية الدستور والدولة من التدمير وإسقاط المؤسسات الشرعية وحماية حقوق وحرية المواطنين، والثروة الليبية المتمثلة في النفط وتحريرها وحراستها وضمان تصديرها”.

 وكانت قوات الجيش الليبي التي تخوض مواجهات مع القوات العاملة والمكونة من حوالي 35 فصيلا مسلحا في طرابلس تحت عنوان جيش حكومة الوفاق التي يرأسها فائز السراج، قد أعلنت يوم الأحد أنها دمرت طائرة تركية مسيرة في المطار الوحيد قيد الخدمة في العاصمة الليبية، ما أدى إلى تعليق الملاحة الجوية فيه.

وذكر الاعلام الحربي التابع للجيش الليبي إن “مقاتلاتنا استهدفت الطائرة التركية طراز بيرقدار أثناء إقلاعها، ودمرتها بمهبط القسم العسكري في قاعدة معيتيقة العسكرية”.

  ويوم الخميس 4 يوليو 2019 أسقطت دفاعات الجيش الليبي طائرة تابعة لقوات حكومة الوفاق، في مدينة ترهونة.

تهديدات أنقرة

 يوم الأحد 30 يونيو ذكرت حكومة تركيا أن قوات المشير الليبي خليفة حفتر تعتقل ستة من مواطنيها محذرة من العواقب في حال عدم الافراج الفوري عنهم.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية التركية “إن اعتقال ستة من مواطنينا من قبل قوات ميليشيا غير شرعية ترتبط بحفتر هو بلطجة وقرصنة. ونتوقع الإفراج عن مواطنينا فورا”. واضاف البيان “إذا لم يحدث ذلك، فستصبح عناصر حفتر أهدافا مشروعة”. ولم تكشف الوزارة تفاصيل عن مكان احتجاز المواطنين الأتراك أو تاريخ احتجازهم أو المهام التي كانوا يقومون بها.

وفي وقت سابق من يوم الأحد، أعلنت مديرية أمن أجدابيا شرقي ليبيا، القبض على شخصين يحملان الجنسية التركية.

وأصدر مدير أمن أجدابيا العميد الصادق اللواطي تعليمات إلى جميع الأجهزة الأمنية التابعة للمديرية بإقفال المؤسسات التي يديرها أتراك وضبطهم وإحالتهم إلى جهات الاختصاص، بحسب موقع بوابة الوسط الإخباري الليبي.

وأفادت وحدة الإعلام بمديرية أمن أجدابيا إن “ذلك جاء تنفيذا للأوامر الصادرة عن القيادة العامة، ردا على ما تقوم به الحكومة التركية من دعم للميليشيات الإرهابية المتطرفة في ليبيا”.

وكان وزير الدفاع التركي خلوصي آكار قد حذر، في وقت سابق الأحد، من أنه سيتم الرد بقوة على أي “عدوان” تشنه القوات التابعة للمشير خليفة حفتر في ليبيا على أهداف تركية.

ويأتي ذلك بعدما أمر حفتر القوات التي يقودها باستهداف سفن وشركات تركية وحظر الرحلات من وإلى تركيا وتوقيف الرعايا الأتراك في ليبيا، بحسب ما أعلن المتحدث باسم قوات الجيش الليبي يوم الجمعة.

وإتهم المتحدث باسم “الجيش الوطني” تركيا بتقديم الدعم لـ”حكومة الوفاق، ومقرها طرابلس. وصرح المتحدث بأن “القيادة العامة” قررت وقف كل الرحلات الليبية من وإلى تركيا وأمرت جميع الشركات بالالتزام بذلك. وانتقد المتحدث ما وصفه بـ”تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السافر في ليبيا”، ودعا الشعب التركي إلى “ثنيه عن هذه التصرفات الرعناء”.

وشن الجيش الليبي بعد أن تمكن من السيطرة على أغلب الأراضي الليبية خلال الأشهر السابقة هجومه على طرابلس في الرابع من أبريل 2019.

ولم يتمكن هجوم الجيش الوطني الليبي، المتحالف مع حكومة عبدالله الثني في شرق ليبيا والمنبثقة عن البرلمان المنتخب سنة 2014 الذي خسر فيه إئتلاف فجر ليبيا المشكل أساسا من “حزب البناء والعدالة” الذراع السياسية للإخوان المسلمين في ليبيا غالبيته، من اجتياز الضواحي الجنوبية لطرابلس بعد أن سيطر على أغلب البلدات الموجودة في محيطها.

وطبقا لدبلوماسيين زودت تركيا المجموعات المسلحة في طرابلس وجزء كبير منها منبثق عن ما يسمى بجماعات الإسلام السياسي وجزء من إئتلاف فجر ليبيا بطائرات مسيرة وعتاد عسكري كبير في نطاق محاولاتها منع سيطرة الجيش على آخر معارضي حكومة عبد الله الثني.

وجاءت التهديدات الجديدة المتبادلة بعد أن استعادت مليشيات حكومة الوفاق الوطني والتي تتخذ من العاصمة مقراً لها، مدينة غريان الاستراتيجية عقب هجوم مفاجئ شكل ضربة موجعة لتقدم قوات حفتر نحو طرابلس.

وكان إردوغان أكد أن بلاده توفر أسلحة لحكومة الوفاق بموجب “اتفاق تعاون عسكري” بين أنقرة وطرابلس.

وذكر للصحافيين في العشرين من يونيو، إن الدعم العسكري التركي سمح لطرابلس بـ”استعادة توازن” الوضع بمواجهة قوات حفتر المدعومة من الإمارات ومصر.

واكتفى إردوغان يوم السبت 29 يونيو 2019 خلال حضوره قمة العشرين في اليابان بالقول لدى سؤاله عن تهديدات حفتر إنه ليست لديه “أي معلومات” عن الموضوع، متوعدا بـ”اتخاذ اجراءات مختلفة عدة”.

دور الأطراف الخارجية

رغم القوة العسكرية للجيش الوطني الليبي والدعم الخارجي الذي يتمتع به، فإن انتصاره في طرابلس ليس أمراً محسوماً. يمكن للجيش أن ينجح في السيطرة على طرابلس دون الكثير من القتال إذا غيرت القوات المعادية ولاءها أو هربت، كما فعلت في الوسط والجنوب. لكن حتى الآن، فإن هذا الاحتمال غير مؤكد حيث يبدو التحالفان العسكريان الرئيسيان متساويي القوة. إن الحصيلة الأكثر ترجيحاً هي أن يتحول التصعيد الراهن إلى معركة طويلة وربما إلى حصار طويل على طرابلس، مع ارتفاع عدد الضحايا المدنيين. كما يمكن أن ينتشر إلى أجزاء أخرى من البلاد، حيث أعلنت قوات مصراتة صراحة عن عزمها قطع خطوط إمداد الجيش الوطني الليبي في وسط ليبيا، وألمحت إلى أنها قد تشن هجوماً معاكساً أوسع نطاقاً.

 جاء في تقرير نشرته مجموعة الأزمات الدولية بتاريخ 10 أبريل 2019:

إن ما يحدث في المعركة الجارية الآن للسيطرة على طرابلس يعتمد على حد كبير على الكيفية التي سيرد بها اللاعبون الخارجيون. لقد أدان عدد من القوى الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والإمارات العربية المتحدة، ومصر وروسيا، التصعيد، ودعوا جميع الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس وإما تجميد العمليات العسكرية أو الانسحاب إلى مواقعهم السابقة. إلا أن أياً من هذه البيانات لم يهدد بفرض العقوبات ولم يذكر أي منها صراحة الحاجة إلى دعم حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الولايات المتحدة عبر جهاز الأمم المتحدة في طرابلس.

رغم القوة العسكرية للجيش الوطني الليبي والدعم الخارجي الذي يتمتع به، فإن انتصاره في طرابلس ليس أمراً محسوماً. يمكن للجيش أن ينجح في السيطرة على طرابلس دون الكثير من القتال إذا غيرت القوات المعادية ولاءها أو هربت، كما فعلت في الوسط والجنوب. لكن حتى الآن، فإن هذا الاحتمال غير مؤكد حيث يبدو التحالفان العسكريان الرئيسيان متساويي القوة. إن الحصيلة الأكثر ترجيحا هي أن يتحول التصعيد الراهن إلى معركة طويلة وربما إلى حصار طويل على طرابلس.

 جاء في بحث نشر في العاصمة المصرية القاهرة بتاريخ 10 أبريل:

 بعد أن أعلن الجيش الليبي عن هجومه على طرابلس في 4 أبريل الجاري، سرعان ما سيطر على “غريان” المدينة التي تبعد حوالي 80 كيلومترا جنوب العاصمة، ومطار طرابلس الدولي. وبعد ذلك تعثر تقدمه.

ويبدو أن حفتر كان يأمل في أن يسمح له هجوم مفاجئ بتوطيد سيطرة الجيش الوطني على مواقع رئيسية في طرابلس قبل أن تتمكن الميليشيات الموالية لحكومة فايز السراج من توحيد صفوفها والرد على هجومه. وربما، يأمل أيضا في أن تدعمه بعض التحالفات مع بعض القوى المحلية في السيطرة على طرابلس، على ضوء نجاح الجيش في اتباع هذا النمط في معاركه السابقة في الجنوب الليبي، بل وحتى في الشرق حيث معاقله الرئيسية.

 لكن تبين أنه من الصعب أن تنجح هذه الاستراتيجية في طرابلس… فالميليشيات المتمركزة هناك وأيضا في مصراتة القريبة، والمؤيدة لحكومة السراج، أفضل كثيرا من حيث التدريب والتجهيز من كافة الميليشيات التي واجهها الجيش الوطني الليبي جنوبا وشرقا حتى الآن. أيضا، ولأن المعركة تقع بالقرب من مواقع تمركزاتها، فليس لديها خطوط إمداد طويلة تتطلب الحماية مثل الجيش الوطني الليبي، وبما يسمح لقواتها بالتحرك بسرعة حسب الضرورة.

وسيحتاج حفتر إلى العثور على حل لتجاوز عقبة تأمين خطوط الإمداد الطويلة، وتمدد قواته على مساحة شاسعة من الأراضي الليبية.

نعم كان بإمكان حفتر في هجماته في وقت سابق من سنة 2019 في الجنوب الليبي الاعتماد على القوة الجوية لاستهداف وتفريق الميليشيات الصغيرة التي تقاتل الجيش، متجاوزا بذلك الحاجة إلى حماية خطوط الإمداد الطويلة. لكن من غير المرجح أن تنجح هذه الاستراتيجية في بيئة حضرية مثل طرابلس، حيث يجب أن يعتمد حفتر على قواته البرية والحلفاء المحليين لقواته.

وهذا يترك خط الإمداد الطويل للجيش الوطني الليبي عرضة للهجوم. ومع انتشار قوات حفتر على مساحة شاسعة، ستتاح الفرصة لميليشيات معادية له وجماعات إرهابية في الأراضي التي استولى عليها الجيش الوطني بالفعل، مثل بنغازي، كي تستعيد مواقعها هناك. ما يعني اندلاع معارك جديدة في أراض سبق واستولى عليها الجيش، ومن شأن هذا أن يحد من قدرته على تعزيز عمليته في طرابلس.

 بالتأكيد سيحاول حفتر شق صفوف تحالف الميليشيات الموالية لحكومة السراج، واستمالة بعضها إلى جانبه. وسيحاول استمالة أنصار التيار المدخلي السلفي الأقرب إلى السعودية تحديدا خاصة أن هناك مجموعات من أنصار هذا التيار داخل الجيش الوطني الليبي بالفعل. أيضا، سيكون نجاح جهوده لاستمالة ما يسمى بقوات الردع، والكتيبة 604، من تحالف “البنيان المرصوص” مؤشرا قويا على نجاحه.

ولكن في المقابل، لا يبدو أن حلفاء حفتر على المستويين الإقليمي والدولي يقفون معه في المربع ذاته. فعلى الرغم من الدعم الكامل من قبل مصر والإمارات لحفتر منذ ظهوره على المشهد السياسي الليبي، ودعم فرنسا وروسيا له أيضا بدرجة أقل. فإن مدى دعم هذه القوى الكبيرة للحملة على طرابلس غير واضح، إن كان هذا لا ينفى بالمقابل أنها – على الأرجح -لن تتخلى عن دعمها له. وقد ظهر هذا بالفعل في اعتراض روسيا على منطوق بيان مجلس الأمن بشأن المعركة، والذي يذكر مباشرة حفتر والجيش الوطني الليبي. ولكن مع تطور الصراع، ربما تفترق المواقف بين حفتر ومؤيديه بدرجة كبيرة. فمن جهة الإمارات يمكن القول إن موقفها منذ البداية كان الوقوف على مسافة واضحة من العملية. بينما تحذر مصر من معركة قد تتحول إلى حرب ليبية أخرى. إذ ستسمح الفوضى الناشئة عن صراع آخر واسع النطاق، لداعش كي تنتعش مرة أخرى، خاصة على ضوء استمرار الأزمات السياسية في الجزائر والسودان.

سلسلة خسائر

 يشير مراقبون إلى أن التطورات المسجلة مع نهاية شهر يونيو 2019 ودخول تركيا على خط المواجهة مباشرة في ليبيا، تأتي في سياق مرحلة سياسية إقليمية مشابهة للمرحلة التي شهدتها بلدان عربية عدة في عام 2011. ففي بلاد الشام خسرت أنقرة بشكل شبه كامل رهانها على إسقاط حكومة دمشق بعد أن دعمت روسيا الجيش العربي السوري في حربه ضد التنظيمات المسلحة التي دعمتها أنقرة وواشنطن وتل أبيب وأطراف أخرى لخلق واقع جديد كانت أنقرة المستفيد الأول منه أو على الأقل أحد المكتسبين حال تحققه. على الحدود الغربية لليبيا، لا تزال الاحتجاجات متواصلة في الجزائر رغم خروج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من المشهد، ولا يزال مطلب إجراء تغيير عميق في منظومة الحكم قائما ولكن فرص وصول من تعتبرهم أنقرة أقرباء لها في تصوراتهم السياسية ضئيلة جدا. أما على الحدود الجنوبية الشرقية لليبيا، وبعد حراك امتد شهورا، وأفضى إلى خلع الرئيس السوداني عمر البشير الذي تحالف مع أنقرة ومنح الجيش التركي قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن على الساحل الغربي للبحر الأحمر، لم يستقر المشهد بعد على اتفاق حول الفترة الانتقالية وآلياتها. وفي الأثناء تتزايد المؤشرات إلى مساعٍ إقليمية للتأثير في مخرجات الحراك السوداني من خلال “دعم وتأييد الخطوات التي أعلنها المجلس العسكري الانتقالي في السودان”، ووعود “بتقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية والإنسانية تشمل المشتقات البترولية والقمح والأدوية” وهو ما سيشكل خسارة لأنقرة وحلم الرئيس أردوغان حول العثمانية الجديدة.

حلم تركيا في الاتحاد الأوروبي

 قبل أن يصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا سنة 2002، كانت القوى التي حكمت تقدر أن مستقبل البلاد يوجد في أوروبا التي ستشكل عمقا إستراتيجيا وتوفر لها قدرة دافعة لإستعادة نفوذ الامبراطورية العثمانية في وسط آسيا حيث يوجد ترابط عرقي إثني وديني، وتدريجيا وبعد تولي حزب أردوغان الحكم أدرك الأتراك أن الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي حلم صعب التحقيق إن لم يكن مستحيلا على الأقل لعدة عقود قادمة، وموازاة مع هذا الادراك تبلورت أو نضجت فكرة العثمانية الجديدة أي محاولة إحياء الإمبراطورية التي إنهارت خلال الحرب العالمية الأولى بعد أن استمرت قائمة لما يقرب من 600 سنة، وبالتحديد من 27 يوليو 1299م حتى 29 أكتوبر 1923م.

 احياء الامبراطورية اصطدم مع فكرة الوحدة العربية أو التكامل من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي. المنطقة العربية الشرق أوسطية تضم مع قرب نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين زهاء 400 مليون نسمة، مقابل 85 مليون هم تعداد سكان تركيا، وتكتلها مثلا على شاكلة الاتحاد الأوروبي كان سيشكل تقزيما للدول المجاورة لها. وبحكم القدرات الإقتصادية والبشرية والعسكرية للتكتل المفترض كانت دول مجاورة لها قدرات كبيرة نسبيا وخلفيات تاريخية للسيطرة خارج حدودها الجغرافية، ستجد نفسها بمثابة التوابع التي تدور في فلك الأقوى. ولهذا كان التصرف المنطقي من وجهة نظر تلك الأطراف أن تعادي وتعرقل كل تحرك تكاملي أو وحدوي عربي.

 أطراف وقوى من خارج المنطقة وأساسا القوى الاستعمارية القديمة المتجددة المظهر بأسلوب ومفاهيم القرن الحادي والعشرين والمساندة لإسرائيل، استفادت من هذا التناقض والتصادم في تطلعات تركيا المتقلبة، لجعلها أحد أحصنة طروادة في منطقة تتفاعل مع نفسها وتحاول التوفيق بين موروثات قديمة ومفاهيم جديدة للدولة الحديثة، منطقة تحتدم فيها صراعات قوى كبرى سواء من أجل الهيمنة على مقدراتها المادية، أو في نطاق حروب مختلفة التسميات من أجل بناء نظام عالمي جديد.

  هكذا تم التخلي عن مبدأ صفر مشاكل الذي تفاخر به يوما الرئيس التركي أردوغان ومكنه من تحقيق طفرة اقتصادية، وانتقل الأمر إلى خلق مشاكل على أكثر من واجهة. انضمت أنقرة إلى تحالف غربي صهيوني لإسقاط سوريا فساندت حتى داعش والنصرة ومتفرعات تنظيم القاعدة، وإذا كانت قد أظهرت الدعم للقضية الفلسطينية واصطدمت سياسيا وعلنيا مع تل أبيب، إلا تعاملها الإقتصادي وتجارتها مع إسرائيل استمر وتقدم حتى قارب 3000 مليون دولار سنويا حسب بيانات أنقرة الرسمية، وإنضمت أنقرة إلى دعم مخطط الفوضى الخلاقة الذي وضعه المحافظون الجدد في واشنطن لتقسيم دول الشرق الأوسط إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية ودينية ومناطقية مؤملة أن ذلك سيسهل إعادة بناء الامبراطورية العثمانية.

  من وجهة إستراتيجية التقت ممارسات تركيا في منطقة الشرق الأوسط الكبير مع تلك التي تتبناها الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين، وهكذا ورغم اللغط الدائر بين أنقرة وواشنطن حول قضايا عديدة ومن بينها صفقة صواريخ إس 400 مع موسكو، استمر التنسيق الأمريكي التركي في سوريا لإضعاف دمشق بأكبر قدر ممكن وهنا كان كذلك الالتقاء من إسرائيل التي تشن من حين لآخر غارات جوية وصاروخية على المواقع السورية، ويشار في العاصمة الألمانية برلين إلى أن أنقرة رفضت دعوات لإدانة الغارات الإسرائيلية، بل زيادة على ذلك غيبت أنقرة عن موسكو رغم اتفاقاتهما لتجنب التصادم العسكري، إحداثيات تحرك الطائرات الإسرائيلية التي تتنقل في المجال الجوي المحيط بسوريا ولبنان والتي تسجلها أجهزة الرادار التابعة للجيش التركي. مصادر روسية ذكرت أنه خلال الاتصالات بين الأجهزة العسكرية الروسية التركية انتقد الروس السلوك التركي مؤشرين إلى أن القاعدة العسكرية الروسية في حميميم رصدت كذلك تعاونا ضمنيا بين الجيش التركي وتنظيمات مسلحة في منطقة إدلب السوري حين يقومون بتسيير طائرات بدون طيار لمهاجمة القوات الروسية.

موسكو تكشف دور تركيا

 وضعية مشابهة للسلوك التركي الذي يخدم الأهداف الأمريكية تسجل بشكل متزايد في ليبيا.

 موسكو دخلت على الخط فيما يخص التدخلات التركية في ليبيا حيث صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس 4 يوليو 2019، إنه قلق من تدفق المتشددين على ليبيا من محافظة إدلب السورية الخاضعة لسيطرة التنظيمات المسلحة التي تحصل على دعم أنقرة وحذر من أن الوضع في ليبيا يتدهور.

وتابع بوتين، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحفي في روما بعد أن أجرى محادثات مع رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي، إن موسكو تأمل أن توافق الأطراف المتحاربة في ليبيا على وقف إطلاق النار وإجراء محادثات والدخول في عملية سياسية لحل مشكلات البلاد.

وقال بوتين كذلك: “بشكل عام يجب أن نتذكر كيف بدأت الأمور، ومن دمر الدولة في ليبيا. وحسبما أتصور، فإن هذا كان قرارا من الناتو وقصفت الطائرات الأوروبية ليبيا وها هي النتيجة: تم تدمير الدولة في ليبيا ونرى في أراضيها فوضى وصراعات بين مختلف الجماعات المسلحة”.

وأضاف: “لا أعتقد أن من واجب روسيا أن تقدم مساهمة حاسمة في التسوية، ولنسأل من قاموا بذلك”، مشيرا إلى أن روسيا لا تتهرب من المشاركة في التسوية، لكنها لا تريد التعمق في هذه القضية بشكل كامل”.

وأشار إلى أن لدى روسيا اتصالات مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج ومع قائد “الجيش الوطني الليبي” خليفة حفتر على حد سواء.

كما أعرب بوتين عن قلقه إزاء تسلل المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا، مشيرا إلى أن هذا الأمر يشكل خطرا على الجميع.

وأكد: “نحن على استعداد لتوحيد جهودنا، بما في ذلك مع أصدقائنا الإيطاليين، من أجل المساعدة على استعادة الحوار بين الأطراف المتنازعة في ليبيا ومساعد الشعب الليبي على استعادة عمل مؤسسات الدولة بشكل طبيعي”.

حرب بالوكالة

  الرئيس الأمريكي ترامب وحتى بداية صيف سنة 2019 لا زال بشكل عام متمسكا بوعده خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016 بأنه لن يورط واشنطن في أي حرب خارجية مكلفة، والواضح حسب مصادر رصد أوروبية أنه نجح في دفع أطراف آخرى لتنوب عن أمريكا في خوض الصراعات المسلحة.

 في سوريا تبقي أنقرة على توجيه تهديدات وتحريك قوات ونقل أسلحة للتنظيمات المصنفة كإرهابية، وإلى ليبيا تنقل الأسلحة وآلاف من مسلحي المليشيات المسلحة من الساحة السورية، وفي السودان تسعى لزعزعة سلطة الجيش وتلعب على وتر تكريه وتحريض السودانيين في مؤسستهم العسكرية وكأنها جيش أحتلال.

خلال النصف الأول من سنة 2017 كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تمتلك خطة لتقسيم ليبيا إلى 3 دول صغيرة.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن مراسليها، جوليا برغر، وستيفاني كيرشغاسنر، حصلا على تلك الخطة، التي عرضها مسؤول كبير في البيت الأبيض، على دبلوماسي أوروبي.

وألمحت الصحيفة البريطانية إلى أن المسؤول الكبير في البيت الأبيض، ربما يكون، مساعد ترامب في العلاقات الخارجية، سباستيان غوركا، الذي سبق وواجه انتقادات كبيرة، بسبب علاقاته الواسعة باليمين المتطرف في المجر.

 الدبلوماسي الأوروبي رد على غوركا بقوله: “التقسيم ربما يكون أسوأ الحلول التي يمكن تصورها في ليبيا، لأنها لن تنهي النزاع أبدا بل ستفجره بصورة أكبر”.

وتعتمد خطة التقسيم الأمريكية لـ”ليبيا” خريطة التقسيم الادراري العثماني القديم، التي كانت تحكم البلاد، والتي تعتمد على وجود دويلة “برقة” في الشرق، و”طرابلس” في الغرب، و”فزان” في الجنوب.

ونقلت الغارديان عن خبير الشؤون الليبية، ماتيا تاولدو قوله: “الخطة إذا ما تم تطبيقها لن تؤثر فقط على ليبيا، ولكن ستزعزع استقرار دول الجوار مثل: مصر، والجزائر، وتونس، وستساهم في انتشار الإرهاب بمنطقة شمال أفريقيا بصورة غير مسبوقة”.

استدراج

 يوم الثلاثاء 2 يوليو 2019 جاء في تحليل لوكالة  فرانس برس من العاصمة الليبية طرابلس: يرى محللون أن المشير خليفة حفتر يحاول استدراج تركيا إلى الانخراط المباشر في النزاع الليبي للحصول على إسناد إضافي من الدول الداعمة له، مجازفا في ذلك بإشعال حرب بالوكالة بين قوى متنافسة في الشرق الأوسط.

ويقول الباحث في معهد كلينغنديل في لاهاي جلال حرشاوي إن “الأمر هو بمثابة ذر الرماد في العيون”.

ويعتبر حرشاوي أن لدى حفتر هاجسين كبيرين. أولا خسارة غريان التي تشكل “عائقا حقيقيا أمام مواصلة حملته العسكرية على طرابلس”، ومن ثم العثور في المدينة على عدد من صواريخ “جافلين” الأمريكية التي يبدو أن الإمارات قد زوّدته بها. وتعتبر الإمارات ومصر والسعودية أبرز الدول الداعمة لحفتر في المنطقة.

ويقول أرنو دولالاند الاختصاصي في الشؤون الدفاعية إن حفتر بمهاجمته تركيا يأمل في استدراج “أنقرة إلى التورط بشكل مباشر، ما سيجبر حليفتيه الإمارات ومصر على القيام بالمثل”.

لكن حرشاوي يعتبر أن أنقرة تريد تجنب هذا الفخ، ويقول إنها “نجحت في مهمتها في غرب ليبيا في الوقت الراهن، بفضل الطائرات المسيرة التي سلمتها في مايو” للقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني. ويؤكد أن تركيا “لا تريد تصعيدا في هذه المرحلة”.

ويقول دولالاند إن تركيا تزود حكومة الوفاق الوطني بـ”سيارات وطائرات مسيرة مسلحة وغير مسلحة، وبمؤازرة تقنية بخاصة التدريب وإنها تتدخل أيضا بشكل مباشر خاصة في قيادة الطائرات المسيرة من طراز بيرقدار تي بي 2، بانتظار أن يصبح المقاتلون الليبيون قادرين على ذلك”.

ويضيف أن داعمي حفتر “يأخذون تهديد الطائرات المسيرة التركية على محمل الجد” وقد دمروا طائرتين على مدرج مطار معيتيقة في 8 يونيو وأعلنوا تدمير أخرى الأحد.

وهو يقول إن أنقرة سلمت حكومة الوفاق الوطني أربع طائرات مسيرة، وإن الأخيرة طلبت أربع طائرات أخرى بعد فقدان اثنتين يؤكد أن طائرات إماراتية دمرتهما.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد اعترف في يونيو أن بلاده تزوّد حكومة الوفاق الوطني بالأسلحة، معتبرا أن هذه التجهيزات قد أتاحت لطرابلس إيجاد “توازن” قوة في مواجهة قوات حفتر.

ويقول حرشاوي إن أنقرة بدعمها الحكومة الليبية المعترف بها دوليا “تأمل في إظهار نفسها على أنها قوة قادرة على إنقاذ التعددية السياسية من عدوان تشنه دول الخليج ومصر التي تفضل الاستبداد الصارم على الاستبداد الشعبوي الذي يعتمده إردوغان”.

وتقول جنى جبور المتخصصة في السياسة الخارجية التركية إن النزاع الليبي تحول إلى “حرب بالوكالة بين محورين إقليميين: من جهة المحور التركي القطري (…) ومن جهة أخرى المحور السعودي المصري الإماراتي الذي يقاتل القوات الإسلامية بدعمه عودة الأنظمة الاستبدادية”.

وتضيف أن تركيا بانخراطها في النزاع الليبي تريد “أن تلقي بثقلها في ميزان القوى الإقليمية وأن توجد نظاما يحمي مصالحها في مواجهة تزايد نفوذ مصر والسعودية والإمارات”.

 تجدر الاشارة إلى أن قرارات الامم المتحدة تحظر تسليم السلاح إلى أي طرف ليبي ولم تستجب لطلب البرلمان الليبي المنتخب في يوليو 2014 برفع الحظر عن الجيش الليبي الذي يمثل السلطة الشرعية المنتخبة تلك السلطة التي تحاول واشنطن إستبدالها بحكومة الوفاق التي لم تأت إلى السلطة إلا بفضل مؤتمر الصخيرات والتي لم تنفذ التعهدات التي التزمت بها والخاصة بتصفية الجماعات المسلحة التي تنشر الإرهاب والفوضى بالبلاد والالتزام بقرارات مجلس النواب الليبي الذي يوجد مقره في طبرق بعد أن منعته الجماعات المسلحة الموالية لحزب العدالة والبناء من الإستقرار في العاصمة طرابلس.

قصة الطيار الأمريكي

 يوم 27 يونيو 2019 كشف اللواء احمد المسماري، المتحدث باسم القيادة العامة لـ”الجيش الليبي” أن الطيار الأمريكي، جيمي سبونوغل، الذي قبض عليه في مايو 2019 اجتاز دورة على قيادة الميراج “إف -1”.

وأكد المسماري في مؤتمره الصحفي الدوري أن الطيار الذي قبض عليه في منطقة الهيرة بعد إسقاط طائرته، هو طيار يحمل الجنسية الأمريكية ويقطن بولاية فلوريدا.

وذكر المتحدث باسم القيادة العامة لـ”الجيش الليبي” أن سبونوغل، تم تجنيده ونقل من الولايات المتحدة إلى تركيا ومنها إلى مدينة مصراتة الليبية.

وذكر المسماري إن الطيار الأمريكي اعترف أثناء التحقيق معه بأنه استهدف خلال الغارات التي نفذها طرقا وجسورا وخدمات عامة، مضيفا أيضا أن سبونوغل أقر بأنه “طلب منه استهداف تجمعات سكانية وأهداف أخرى وامتنع عن ذلك”.

وبشأن سيطرة قوات حكومة الوفاق على مدينة غريان يوم 26 يونيو 2019، صرح المتحدث باسم “الجيش الليبي” بأن “معركة غريان بدأت على الفيسبوك قبل أن تبدأ على أرض الواقع”، وألقى باللوم على “خلايا نائمة أمنت تقدم المليشيات لمواقع على أطراف غريان”.

وشدد المسماري على أن معركة غريان لم تنته، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الجيش لديه خطط بديلة، في إشارة على ما يبدو إلى المكان الذي ستنتقل إليه غرفة العمليات الرئيسة للجيش بعد غريان.

مدينة يحكمها المسلحون

قبل أشهر قدم ديكلان والش مدير مكتب النيويورك تايمز في القاهرة تقريرا عن الفوضى في العاصمة الليبية طرابلس وكيف تحكمها العصابات المسلحة:

الأمن في طرابس هش، حيث يتلكأ رجال يرتدون الزي العسكري على التقاطعات المرورية المزدحمة، وينتمي هؤلاء إلى الميليشيات التي لا تعد ولا تحصى، كالمتطرفين، والمقاتلين من مدينة مصراتة القريبة، أو قد يكونون من رجال الحي المسلحين.

السرقة والخطف وانتهاكات حقوق الإنسان منتشرة بشدة في طرابلس، كما أضحى من المعتاد سماع رشقات إطلاق ناري عشوائية في الأحياء ليلا، ولكن يبدو بأن السكان لا يعرفون تماما ما إذا كانت تلك الطلقات ناجمة عن حفل زفاف أو عن تبادل لإطلاق النار، ولا أحد يتكلف عناء التساؤل أيضا.

تشهد العاصمة  طرابلس حدوث أمور غريبة أيضا، ففي إحدى المرات، وافق أحد المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى الاجتماع بي في صالة أحد الفنادق، ولكن عندما وصلت مع زميل لي، عاتبني بصوت عال قائلا “لم أوافق على مقابلتك”، صاح في بهو الفندق، علما أنه وقبل 20 دقيقة فقط، أعطانا الرجل توجيهات للوصول إلى الفندق عبر الهاتف، ولربما كان ثورته علينا أشبه بأداء مسرحي موجها لصالح شخص آخر، لذا غادرنا بهدوء.

بجميع الأحوال، وجود الغربيين في أحياء طرابلس يعد ظاهرة نادرة، فحتى أعتى العمال المتخصصين بالعمل في البقع المتوترة،  كعمال الأمم المتحدة والسفارات ووكالات المعونة، انتقلوا إلى تونس قبل عامين تقريبا، لذا أضحى ينظر إلى حفنة الأجانب الموجودين في طرابلس كجواسيس بأعين الليبيين المتشككين، أو كطعم لاستدراج العديد من محتجزي الرهائن في المدينة.

“طرابلس أصبحت كأمريكا، أرض الفرص بالنسبة للخاطفين”، قال لنا مهند المحجوب، وهو قائد ميليشيا بالغ من العمر 30 عاما، أثناء مسيرنا في طرابلس في إحدى الليالي ضمن سيارة الدفع الرباعي الثقيلة خاصته.

المحجوب يتمتع بمزاج محبب ولكنه عصبي، وأثناء مرورنا في طرابلس، أضاءت الأنوار الصفراء التي تضيء الشوارع ندوب وجهه، ومن ثم توقفت سيارته الثقيلة في نقطة تفتيش على الحدود الجنوبية للمدينة، ودخل المحجوب إلى كوخ من الخرسانة على حافة الطريق، سحب كرسيا من البلاستيك، وأوضح لنا سبب توسطه في صفقة وقف إطلاق النار المحلية مع جماعة منافسة، “عندما جلسنا معهم، أدركنا بأننا كنا نقاتل لذات الغاية”، قال المحجوب.

باقي الليبيين أيضا كان عليهم أن يذكروا أنفسهم بالسبب الذي كانوا يتشاجرون لأجله، فللوهلة الأولى، يظهر بأن حربهم كانت عبارة عن خلطة جنونية من المدن والقبائل والجماعات المسلحة المدفوعة بالعديد من الدوافع، كالمال والنفط والدين وتلاعب البلدان.

تحيط بالمدينة مشاريع البناء غير المنتهية والتي كلّفت مليارات الدولارات، ففي أفق طرابلس ستلحظ وجود هياكل غير منتهية لفنادق ومراكز تسوق ومجمعات السكنية، جميعها محاطة بالسقالات والرافعات التي تقف بدون حراك منذ عام 2011، بما في ذلك المسجد الذهبي الذي كلَّفت ببنائه زوجه القذافي الثانية، صفية، والتي تعيش اليوم في المنفى في عمان.

بقايا القذافي اختفت من الوجود أيضا، حيث تم هدم مجمعه في باب العزيزية وتحول إلى كومة من الأنقاض، والصورة الوحيدة التي يمكن رؤيتها له تظهر ضمن مبنى محطة تلفزيونية فضائية كانت ممولة من قِبل أنصاره المنفيين اليوم.

ولكن يبقى السؤال الجوهري الذي تثيره الإطاحة بالقذافي، وهو السؤال الذي يبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل يمكن لبلاد بقيت موحدة لفترة طويلة جراء ثروات النفط أن تعثر اليوم على سبب أفضل لتبقى موحدة؟

الوقت ينفد أمامنا لنجد الإجابة، فالاحتياطيات النقدية للبلاد، وهي الجائزة القيمة التي تحارب لأجلها الفصائل في ليبيا، تستنفد ضمن السوق السوداء المزدهرة، كما عمد الصيادون إلى تحويل مراكبهم إلى ناقلات سرية لتهريب الوقود الليبي الرخيص إلى تونس ومالطا، مما تسبب بارتفاع أسعار الأسماك، والطحين الليبي الرخيص يمكن أن يعثر عليه في مناطق بعيدة للغاية عن ليبيا، كمالي مثلا، وتحت أقواس السوق القديم، بجانب محلات المجوهرات وتجار الأقمشة، يقف رجال يرتدون النظارة الشمسية والأحذية الرياضية وهم يمسكون برزم نقدية كبيرة، مئات الآلاف من الدولارات واليورو، ليقايضوها في سوق العملات المزدهر، والذي يعد مصدر عمليات الاحتيال المتقنة والثروات الطائلة.

وافق أحد المصرفيين الليبين على تلبية دعوتي للغداء في أحد المقاهي المطلة على البحر، حيث أوضح بأن رجال الأعمال الذين يتمتعون بصلات جيدة وقادة الميليشيات يشترون الدولار من البنك المركزي الليبي بالسعر الرسمي، إما من خلال بطاقات الائتمان التي يستخدمونها لسحب المال من تركيا، أو من خلال برامج استيراد وهمية تصل فيها الناقلات فارغة إلى الميناء، ويعودون بهذه الأموال إلى ليبيا، ليبيعوا الدولار مجددا في السوق السوداء، بثلاثة أضعاف السعر الذي ابتاعوه فيه، “إنه نوع من المال السهل” قال المصرفي، وتابع: “هذه الأموال جعلت حفنة من الأشخاص أثرياء للغاية”.

 مصر تتطلع لتعزيز دورها الإقليمي

نشر موقع نون بوست يوم 18 أبريل 2019 مقالا لسيث فرانتزمان وهو أكاديمي أمريكي وكاتب بعدة مواقع وصحف، حول ما يراه موقف مصر من الصراع في ليبيا قال فيه:

منذ سنوات كانت مصر تراقب الصراع في ليبيا الذي يهدد بنشر التوتر وعدم الاستقرار على الحدود، والآن يتجه الجنرال خليفة حفتر – الذي قاد القوات العسكرية الليبية في شرق ليبيا لسنوات – للاستيلاء على العاصمة وتوحيد المزيد من المدن. يعد ذلك نصرا كبيرا لمصر، ليس فقط من أجل تأمين حدودها والعثور على شريك قوي للعمل في ليبيا، ولكن من أجل دورها الإقليمي أيضاً.

 غرقت ليبيا في الفوضى، العنف المتصاعد في سيناء والاضطرابات المتزايدة دفعا الجيش للتدخل بعد احتجاجات 2013 والإطاحة بالرئيس محمد مرسي.

أصبح عبد الفتاح السيسي – القائد العسكري السابق – رئيسا لمصر وبدأ يتطلع إلى تعزيز حكمه في المستقبل، لكن دور مصر الإقليمي تضاءل في الـ8 سنوات الأخيرة حيث كانت تحاول تعزيز اقتصادها ومحاربة الإرهاب الذي يهددها في الداخل، فالمعركة ضد داعش في سيناء كانت تشكل تحديا كبيرا.

كانت الحدود الليبية تشكل تحديا أيضا، فالقوات الجوية المصرية تضرب بانتظام أهدافا عسكرية لميلشيات تهرب السلاح وأشياء أخرى عبر الحدود.

 أطاح الجيش السوداني بعمر البشير، والآن تسعى مصر لأن تلعب دورا في السودان كذلك، على الأقل فيما يتعلق بمناقشة الوضع مع القوى الأوروبية، فتقول مصر إنها ترغب في استقرار وأمن المنطقة لذا فهي تراقب عن كثب ما يحدث عند جيرانها الغربيين والجنوبيين.

في 14 من أبريل التقى حفتر بالسيسي في القاهرة لمناقشة التطورات في ليبيا، كان حفتر قد شن هجوما مفاجئا مطلع الشهر على العاصمة طرابلس ويبدو أن قواته ستستولي على المدينة في النهاية، وبينما يبدو حفتر كأنه القائد الرئيسي في ليبيا، تبدو الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة ضعيفة ومنقسمة.

يرى الجميع أن مصر بالإضافة إلى دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة يدعمون حفتر، لكن مصر تقول بشكل رسمي إنها تعمل على دعم الجهود التي تحارب الإرهاب والجماعات المتطرفة. ما سيحدث بعد ذلك في ليبيا يشكل أهمية كبيرة لمصر، فهي تريد لجيرانها أن يكونوا أكثر استقرارا حتى يتمكنوا من تأمين حدودها.

يشكل ذلك أيضا تجديدا لدور مصر الإقليمي، فبعد أن كانت أقوى دولة في المنطقة، تقلص دورها في مناقشة القضايا والصراعات الكبرى في المنطقة مثل الصراع السوري أو القضية الفلسطينية الإسرائيلية، وأصبحت تعمل بهدوء على قضايا الشرق الأوسط، ويبدو أن مصر لا ترغب في الحصول على دور كبير في مناقشة التدخل الإيراني في المنطقة.

وحتى عندما تلعب مصر دورا مثل النقاشات مع السلطة الفلسطينية وحماس فإنها تفعل ذلك دون ضجة كبيرة، لكن الوضع قد يتغير، فمع هزيمة داعش وانتهاء الصراع السوري تقرييا سوف يتزايد الدور المصري في المنطقة.

مع زيادة هذا الدور ستعمل مصر مع المملكة العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة في القضايا الإقليمية، وستكون ليبيا الاختبار لمصر، فهل ستتمكن مصر بشكل علني أو بهدوء من لعب دور في حل الصراع الليبي؟ وهل ستستمع القوى الأوروبية وغيرها إلى الآراء المصرية؟.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق