تجويع الفِلسطينيين بحِرمانهم من العمل ولُقمة العيش مشروعُ “فِتنةٍ” يُهدّد أمن لبنان واستقراره.. واذكروا محاسن لاجئيكم.. ولا تُقدّموا الأعذار لدول خليجيّة تتأهّب لترحيل مِئات الآلاف من اللبنانيين.. ولهذهِ الأسباب نُناشد الرّئاسات الثّلاث التحرّك فورًا

المجهر نيوز

بدايةً، وحتّى لا يُساء فهمنا، نُؤكّد أنّ من حق وزارة العمل اللبنانيّة أن تضع مصالح العامل اللبناني فوق كُل الاعتبارات الأُخرى، والسّعي من أجل توفير فُرص العمل للعاطِلين باعتبارهم أولويّةً اجتماعيّةً وسياسيّةً وإنسانيّةً، ولكن أن تنسى هذه الوزارة فجأةً أن الفِلسطينيين اللاجئين في لبنان يتواجَدون في مُخيّماتهم مُنذ سبعين عامًا على الأقل، ولا يُمكن تصنيفهم في خانة الأجانب، والتّعامل معهم بالتّالي بهذه القسوة غير المعهودة على الشّعب اللبناني الطيّب الكريم المِضياف الذي قدّم آلاف الشهداء دِفاعًا عن القضيّة الفِلسطينيّة العادلة التي تحتل مكانًا بارزًا في قاموسه الوجدانيّ والأخلاقيّ.

هؤلاء حالة استثنائيّة، ولا يُمكن وصفهم بالعَمالة غير الشرعيّة، ومُساواتهم بالقادمين الجُدد من مُختلف بقاع الأرض (السورين ليسوا أجانب أيضًا ولا يجب أن يكونوا)، ولبنان كان دائمًا وسيظل نموذجًا في التّسامح والكِبْر، مثلما كان دائمًا على مَر العُصور.

شن وزارة العمل حملات تفتيش في مُعظم المُدن اللبنانيّة، إغلاق مُؤسّسات يملكها فِلسطينيّون، وطرد العمالة الفِلسطينيّة من مُؤسّسات أخرى بحجّة عدم حُصولهم على إجازات عمل، وفي مِثل هذا التوقيت الذي يقف فيه لبنان وحكومته ورئيسه وغالبيّة نواب برلمانه ضِد صفقة القرن في موقفٍ وطنيٍّ مُشرّفٍ، أمرٌ يُثير الاستغراب، ويعكِس توجّهات ذات شُبهة طائفيّة وعنصريّة، يُمكن إن تمادت أن تُؤدّي إلى زعزعة أمن لبنان واستقراره، ممّا يُؤثّر سلبًا على اللبنانيين والفِلسطينيين معًا، وهُناك أمثلة كثيرة في المِنطقة تُؤكّد ما نقول.

حمَلات التّحريض ضِد الفِلسطينيين في لبنان لم تتوقّف مُطلقًا، ولكن أن تتطوّر إلى إجراءاتٍ قاسيةٍ لتَجويع هؤلاء، وحِرمانهم من لقمة العيش، فهذا تطوّرٌ خطيرٌ يعكِس وجود مُؤامرات لتفجير الاستِقرار اللبناني في هذا الظّرف الاقتصاديّ الصّعب الذي يتعاظَم فيه الدّين الخارجيّ، ويفَوق المِئة مِليار دولار.

الذين يقِفون خلف حمَلات التّحريض هذه، ويصبّون الزّيت على نار التّعبئة العنصريّة والطائفيّة، بالغوا كثيرًا في تِعداد اللاجئين الفِلسطينيين اللبنانيين، والتّحذير من خطرهم على التّركيبة السكانيّة، ونشَروا أرقامًا مُزيّفةً كاذبةً مُفبركةً تقول إنّ عددهم فاق النّصف مِليون لاجِئ، ليتبيّن وفق الإحصاءات الرسميّة الأخيرة أنّ هذا العدد لا يزيد عن 174 ألف لاجئ، وهو في تناقصٍ مُتسارعٍ بسبب الهِجرة إلى المنافي الأوروبيّة بحثًا عن لقمة العيش الكريمة بعد حِرمانهم من العمل في أكثر من 60 وظيفة على الأقل.

لبنان وفِلسطين والأردن وسورية كانوا دائمًا وسيظلّوا بلاد الشام التي لا تستطيع أن تُميّز بين أبنائها، فالدّمُ واحدٌ والجينات واحدةٌ، والإرث واحدٌ، وعندما لم تكُن هُناك حُدود سايكس بيكو، والاغتِصاب الإسرائيلي للأرض، كان اللّبنانيون مُرحّبًا بهم وسط أهلهم في يافا وحيفا وعكّا والقدس، ونزيدكم من الشّعر بيتًا عندما نقول إنّ مُعظم الأجيال الثّانية والثّالثة من هؤلاء اللاجئين هُم من أمّهات لبنانيّة، ودون أيّ اعتبار للتّقسيمات الطائفيّة البَغيضة.

نلوم بعض إخواننا اللبنانيين أنّهم يتجاهلون حقيقةً أساسيّةً أنّ أكثر من سبعة ملايين لبناني لاجئين يعيشون اللّجوء في المنافي، ويتمتّعون بحُقوقهم كاملةً على أرضيّة المُساواة، وبعضهم أصبحوا رؤساء ووزراء ويُساهمون بنِصف الدخل الوطنيّ اللبنانيّ من خلال تحويلاتهم التي تُقدّر بحواليّ ثمانية مليارات دولار سنَويًّا إن لم يكُن أكثر، وحتّى اللاجئين الفِلسطينيين الذين هاجروا إلى أوروبا وأمريكا وكندا لا ينسون فضْل لبنان عليهم، وإكرام وفادتهم، وما زالوا يستثمرون فيه، ويُحوّلون مِئات الملايين من الدولارات إلى أهلهم وأقاربهم في مُخيّمات اللّجوء اللبنانيّة، ويَحرِصون على قضاء إجازاتهم السنويّة في الرّبوع اللبنانيّة.

نُحيّي في هذه الصّحيفة الأصوات اللبنانيّة الشّريفة التي احتجّت على هذه المُعاملة القاسية للعمالة الفِلسطينيّة في لبنان، ومن كُل الطوائف دونَ أيّ استثناء، ونخصّ بالذّكر خُطباء المساجد والكنائس الذين حذّروا من مُخطّطٍ يرتكز على “فزّاعة” التّوطين لنشر ثقافة الكراهيّة والتّحريض ضِد اللاجئين الفِلسطينيين وأشقائهم النّازحين السوريين.

الشعب الفِلسطيني توحّد سلطةً ومقاومةً ضد صفقة القرن لأنّ عُنوانها الأبرز هو “التُوطين” ورفضوا مِئات المِليارات، وربّما التّريليونات، للتّنازل عن حق العودة، ومن حَق هؤلاء أن يجِدوا الدّعم والمُساندة من الحُكومة اللبنانيّة ومُؤسّساتها.

جميع المُفاوضات التي جرت بين السّلطة والإسرائيليين كانت تضَع بند عودة اللاجئين الفِلسطينيين في لبنان على قمّة أولويّاتها، والوثائق جميعًا تُؤكّد هذه الحقيقة، والمَسؤولون في لبنان على درجةٍ عاليةٍ من الوَعي بها.

إنّنا نضُم صوتنا إلى أصوات جميع الشّرفاء في لبنان الذين عارَضوا هذه الإجراءات القاسِية ضِد الفِلسطينيين التي طبّقتها وتطبّقها وزارة العمل اللبنانيّة، ونُناشد الرّئاسات اللبنانيّة الثّلاث، وخاصّةً الرئيس ميشيل عون التدخّل لتجميدها إذا لم يتأتّ وقفها، لما فيه مصلحة للبنان وأمنه واستقراره، وإحكام إغلاق الأبواب في وجه “الفِتنة” التي لا تُريد له إلا الحُروب والأزَمَات الداخليّة.

ونختِم هذه الافتتاحيّة بلفتِ أنظار جميع المسؤولين اللبنانيين إلى أنّ مِثل هذه الإجراءات التي تُطبّقها وزارة العمل ضِد الفلسطينيين والسوريين ربّما تُوفّر الذرائع لبعض الحُكومات الخليجيّة لترحيل مِئات الآلاف من اللبنانيين.. فهل يتّعظ أهلنا في لبنان ويَنظرون إلى هذه المسألة بنظرةٍ استراتيجيّةٍ أعمَق وأبعَد؟ ونأمَل ذلك.

“رأي اليوم”

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق