الأردن والانكفاء نحو الداخل: نوادي ليلية تطغى على “تغيير الوضع القائم بالأقصى”.. استخفاف بالسياسة الإسرائيلية و”الدعايات الانتخابية” وتساؤل عن توقيت “رسالة حازمة” وجهتها الخارجية لسفير إسرائيل.. أين الأردن من سوريا والسعودية وأزمة الخليج؟ سؤال يتداوله المراقبون لدبلوماسية “حائرة”..

المجهر نيوز

برلين – فرح مرقه:

“كلما زادت الهموم الفردية تضاءلت نسبة الالتفات للهموم الكبيرة وأزمات المنطقة”، قد يكون ذلك أكثر ما قد يراقبه المتابع للشأن الأردني، الذي يزداد تقوقعا للداخل، في وقت تزداد فيه السياسة الخارجية تعقيدا من حول عمان، وتتطلب المزيد من التركيز وفهم المستجدات.

في الأردن ألقت الأوضاع الاقتصادية المعقّدة بظلالها على مختلف الملفات الأخرى، والمتابع للشأن المحلي خلال أيام عيد الأضحى الأخير (من الاحد 10 آب الى الأربعاء 14)، يدرك تماما أن الهم الاقتصادي طغى على سواه حتى في معالجة المشهد الإقليمي، وهذا طبيعي لبلد برغم كل الإصلاحات الضريبية التي تزعم الحكومة القيام بها زاد فيه الدين العام إلى 29.5 مليار دينار (نحو 41.7 مليار دولار).

كل ما ذكر آنفاً يبدو طبيعيا إلا في حالتين، الأولى هي الإصرار على التركيز في هذا الوقت على النوادي الليلة ومشاكلها من جهة والثاني هو مرور أسبوع العيد وما تلاه (حتى أمس الاثنين) دون أي تعليقات تُذكر في سياق دعوة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي لتغيير الوضع القائم في الأقصى منذ ثاني أيام العيد دون أن يأتيه أي رد من أي مسؤول اعلى رتبة من المتحدث النشط باسم وزارة الخارجية السفير سفيان سلمان القضاة.

انكفاءة عمان داخلياً، وفي سياقات تبدو عمليا غير منتجة كتلك التي تضمنها أسبوع كامل من الحديث والنقاش حول النوادي الليلة وما يحصل فيها والحوادث التي ترافقها، في ظرف اقتصادي واجتماعي وسياسي شديد الحساسية، إن أظهر شيئا حقيقيا فقد يظهر الارتباك الكبير في داخل البلاد في المشاهد الثلاثة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية) إلى جانب المشهد الإعلامي الذي باتت تقتصر نشاطاته على نقل القليل جدا من الاحداث الهامة وتحليلها مقارنة بنقل اخبار وانباء الحوادث.

في الأثناء، كان الوضع القائم في الأقصى يتم تغييره فعليا عبر اقتحامات متتالية بينما لم يظهر وزير الخارجية في صورته حتى الاثنين (امس) وفي جلسة مع نواب كان ملؤها “الكلام والشعارات” في وقت لا تزال فيه الحكومة تؤجل اتخاذ القرار بخصوص اتفاقية الغاز مع الإسرائيليين من جهة، وتتجاهل مطالبات نيابية بانهاء معاهدة وادي عربة من جهة ثانية.

عدم اتخاذ خطوات حقيقية في السياق او حتى الإعلان عن “تسليم الرسالة الحازمة” للسفير الإسرائيلي والتي تحدث عنها الوزير الصفدي في خطابه النواب فقط، يظهر بقصد أو دونه ارتباك الأولويات الأردنية من جهة، ونوع من الاستسلام الدبلوماسي أمام التغيرات الكبيرة التي تحصل في المنطقة، وهي تغيرات ضخمة وهائلة وتكاد تفوق حجم الأردن السياسي والدبلوماسي عمليا.

التحليلات المفترضة للذكاء الدبلوماسي الأردني تتحدث عن كون عمان تتعامل مع المرحلة الحالية وخصوصا في إسرائيل باعتبارها مرحلة ملآى بالدعايات الانتخابية التي لا تريد العاصمة ان تتفاعل معها بأكثر مما تحتمل؛ والتفسير هنا لا بد انه قاصر ولم يلتقط ما غيّره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع حليفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مرحلة الانتخابات الماضية ومنها وضع الجولان المحتل.

في سياق التحركات الأردنية والتي تباطأت بصورة هائلة خلال مرحلة الإجازة السنوية لملك الأردن والتي لحقتها إجازة في عيد الأضحى من المفترض ان تتنبه مجددا لأنها تكاد تخرج من لعبة السياسة الإقليمية في وقت تتوجه فيه الأنظار للخليج بينما لا يوجد لعمان أي دور هناك ولا حتى تحاول ذلك.

كما تتم تصفية اخر معاقل المعارضة المسلحة في سوريا بالتدريج دون ان تراقب عمان احتمالات عودة مقاتلي النصرة وغيرهم اليها بأي طريقة من جهة، كما لا تحاول التفاعل مع دمشق لتضمن علاقات جيدة في سياق ما بعد الانتهاء من إدلب.

في السياقات المذكورة جميعا، والتي يبقى على رأسها ملف القضية الفلسطينية المرتبطة عضويا بالمملكة الأردنية، تبدو دبلوماسية عمان اقل حتى من وزنها الحقيقي، والحديث هنا لا يقتصر على وزارة الخارجية الأردنية، بل وحتى على المراكز البحثية والسياسيين والنخبة الإعلامية، اذ يغيب كل هؤلاء عن تبدّل حقيقي يحصل في النظام العالمي الحالي.

بكل الأحوال، ومع انتهاء إجازة العيد وعودة العمل في مؤسسات الدولة لا يزال هناك حاجة حقيقية لترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية بعيدا عن الاهتمام بملفات تبدو لتشتيت انتباه الأردنيين اكثر منها بكثير كملفات حقيقية تحتاج لادارة من قبل الدولة ومنحها المزيد من الأضواء والاهمية.

عمان تكاد تكون سياسيا في واحدة من أسوأ ازمتها، فعلاقاتها مع محيطها مرتبكة ومضطربة وخصوصا في الجنوب مع السعودية والشمال مع سوريا بالإضافة لإسرائيل التي تتصرف بغرور، ولكن السؤال في هذا السياق يبقى “أين تقف عمان من سياسة محيطها؟”، والسؤال يبدو اليوم الأكثر صعوبة لايجاد إجابة عليه، مع التأكيد على أهمية استقلالية قرار الأردن لو اتخذ قرارا.

“رأي اليوم”

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق