الذكرى التسعون لميلاد ياسر عرفات تثير التساؤلات حول مواقفه التاريخية.. عندما صب عليه إدوارد سعيد جام غضبه واتهمه بالخيانة ووصف “فعلته” بـ”الحمقاء” وقال إنه ليس “منديلا”.. د. عبد المنعم سعيد: أبو عمار رمز رئيسي للنضال الفلسطيني وهناك مقاومة لا تستطيع إسرائيل ردها! عبد القادر ياسين: أوسلو خطيئته الكبرى ولكنه قضى وطنيا !

المجهر نيوز

في عام 1994 أصدر المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد كتابا بعنوان “غزة- أريحا .. سلام أمريكي” صب فيه جام غضبه على عرفات، متهما إياه بأنه فرط حقوق الشعب، وتنازل عنها دون أي مقابل، مؤكدا أنه ليس في قامة الزعيم الافريقي مانديلا!

سعيد في كتابه الذي كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل مقدمته حرض الفلسطينيين صراحة ودون مواربة على عرفات قائلا  “هل يتحمل الفلسطينيون في الأراضي المحتلة حماقة وإذعان وعدم كفاءة قيادتهم الحالية، في الوقت الذي تستمر فيه معاناتهم من الظلم الواقع عليهم من قوات الاحتلال والمستوطنين؟ هل يقبل الفلسطينيون بقاء عرفات في الحكم، ويتعاملون معه كحاكم عربي مستبد آخر؟”.

وأضاف سعيد :”إن الإحساس الذي يراود الكثير من الفلسطينيين بشأن خيانة قيادتهم للطموحات الوطنية الفلسطينية يتفاقم الآن نظرا لعدم تحقق الوعود الكاذبة التي بذلت على شرف أوسلو، ولكن حقيقة مأساة غزة ستتكشف أكثر فأكثر مع الأيام، حتى يجيء يوم يحاسب فيه المسئول عما جرى لنا كشعب، ويتحمل مسئولية ما اقترف ” .

اليوم فات ربع قرن بالتمام والكمال على كلام سعيد ولم يحاسب أحد، وكل مسئول في مكانه ينعم ويجني، والخاسر الأكبر الشعب الفلسطيني الذي لم يقل كلمته بعد!

اليوم 24 أغسطس تحل الذكرى التسعون لميلاد عرفات الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس، وهي مناسبة لتقييم مواقفه التي أرضت البعض، وأسخطت آخرين .

 سعيد آخر كان له رأي في مواقف عرفات، وهو المفكر المصري الكبير د. عبد المنعم سعيد الذي استهل حديثه مؤكدا أن الفلسطينيين هم وحدهم القادرون على الحكم على عرفات سلبا أو إيجابا، مشيرا الى أن عرفات جمع في شخصيته ما لم يكن موجودا في كثيرين غيره من القيادات الفلسطينية، وكان يمتلك قدرات سياسية عالية، وقادرا على تعبئة الشعب الفلسطيني والتحرك بين المقاومة والدبلوماسية والسياسة.

وأضاف د. سعيد لـ “رأي اليوم” أن التقييم التاريخي لعرفات سيكون إنجازا منقوصا، لأن مهمة قائد حركة التحرر الوطني أن يحقق لشعبه الاستقلال والدولة .

وتابع د. سعيد :”عرفات حقق جزءا من ذلك عندما رأس أول سلطة فلسطينية مستقلة داخل فلسطين التي كانت دوما جزءا من شيء آخر، إما من مصر أو الخلافة العثمانية أو الأموية أو العباسية، وآخر مشهد لها كان وهي تحت الاحتلال ” .

وقال د. سعيد إن السلطة الوطنية الفلسطينية كان هي الشيء المجسد للهوية الفلسطينية ولا دون أن تعبر عن دولة، مشيرا الى أن ذلك مرده الى فشل في فهم أساسي ماذا تعني الدولة؟

وتابع د. عبد المنعم سعيد :”نعم الدولة تعني – جزئيا- الشعب والسلطة، وإنما تعنى دوليا أكثر من ذلك الاحتكار الشرعي في استخدام القوة، والتي أحيانا يعبر عنها بكلمة السيادة، هذه مسألة لا تؤخذ في المفاوضات، وإنما هي جزء من إرادة”.

وأشار د. سعيد الى أن ثمة خلطا في العقل العربي ما بين السياسة والمقاومة واعتبارهما صنوان، مؤكدا أن قيادة الشعب الفلسطيني لم تكن سهله بسبب تشرذمه منذ البداية بين البلاد العربية شتى والعالم الخارجي، فضلا عما كان بالعصر نفسه من قوى متعددة ما بين التقدمي والمتطرف والراديكالي اليساري، و أخيرا ظهرت أشكال آخرى من الراديكالية الكثيرة، منها الراديكالية الاسلامية الرجعية.

وقال د. سعيد إن عرفات لم يستطع أن يجعل السلطة الوطنية الفلسطينية قادرة على احتكار استخدام القوة، مشيرا الى أن النتيجة كانت بعد وفاته في شبه استقلال حماس بغزة، ومن ثم حدثت منازعة كالتي نراها في لبنان ما بين حزب الله والدولة، وكالتي نراها في الحوثيين في اليمن، وفي أشكال كثيرة للخروج على الدولة وحمل السلاح .

وتابع د. سعيد :”أعتقد أن ذلك كان عورة كبيرة بالنسبة لمسيرة عرفات، وهذا المأزق موجود لدى أبو مازن الآن، وهي أن الضرائب الفلسطينية تجمعها إسرائيل وليس أحد آخر، لضمان توزيعها بمعرفتها على الفلسطينيين، ولو أن ذلك تم بأوامر من السلطة الوطنية الفلسطينية، لكان ذلك هي المقاومة التي لا تستطيع إسرائيل ردها .إسرائيل تقول للفلسطينيين أنتم تريدون أمرا متناقضا : دولة وفي ذات الوقت تكون لديكم قوة حاملة للسلاح متعددة، وليس مسؤولة أمام أحد”.

واعتبر د. سعيد أن هذه النقطة تمثل فجوة مهمة جدا في النضال الفلسطيني، يجب على القادة أن يسدوها حتى يكون النضال السياسي مقبولا من قبل دول العالم، مشيرا الى أن هذه المسألة بدأت منذ عصر عرفات، ولا زالت مستمرة حتى الآن .

واختتم د. سعيد حديثه لـ “رأي اليوم” قائلا :”لا شك أن عرفات رمز كبير، وربما كان الرمز الرئيسي للنضال الفلسطيني “.

أما المؤرخ الفلسطيني الكبير عبد القادر ياسين فيرى أن عرفات بكل ما له وما عليه قضى وطنيا !

وأضاف ياسين لـ”رأي اليوم” أن في مقدمة ما عليه اتفاق أوسلو سيئ الصيت، وإن كان تنبه الى كارثية هذا الاتفاق عام 1998، ولكن بعد فوات الأوان!

وتابع ياسين  “خطيئة عرفات الكبرى هي قبول سوقه الى أوسلو، التي لم تأت مصادفة وإن كان دخلها مع سبق الإصرار والترصد، وذلك لأنه تأكد من أن بعض دول الخليج تريد أن تنتقم منه بسبب موقفه أثناء حرب الخليج الثانية تسعين واحد وتسعين، حين أعطى صوته لصدام حسين باجتياحه الكويت، وبعد انتهاء الحرب، قطعت دول الخليج عنه المال، وحرضت عليه لإقصائه، فدخل الى أوسلو لينقذ كرسيه، دون أن يجنب القضية الوطنية الكارثة المشار إليها !” .

وقال ياسين إن عرفات عندما اكتشف الكارثة، ما من شك أنه هو من حرك انتفاضة الأقصى 28 سبتمبر عام ألفين، وهذا يحسب له بحسب عبد القادر ياسين، وإن كان يحسب عليه أنه دخلها دون وحدة وطنية أو برنامج إجماع وطني، مما جعل فصائل أخرى تعمل وفق أجندتها وبرنامجها اللذين خربا على عرفات هدفه بإطلاق انتفاضة.

وأضاف عبد القادر ياسين أنه في اللحظة التي كان عرفات يسعى فيها للتهدئة، كان فصيل آخر يفجر العمليات الاستشهادية والعكس صحيح، مشيرا الى أنه لم ينفعه تبرعه بدمه لإنقاذ ضحايا انفجارات برجي التجارة العالمي، ومجيئه بالتليفزيونات لتصور مشهد تبرعه بدمائه، دون أن يلاحظ أن دمائه وهو الطاعن في السن لا تصلح لآخرين !

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق