دفعةٌ جديدةٌ من الأموال القطريّة لغزّة تتزامن مع إفراج نِتنياهو عن عشَرات الملايين للسلطة في رام الله.. ما الذي يجري بالضّبط؟ وهل هذا التزامن بالصدفة أم في إطار مُعادلة “المال مُقابل الهُدوء” القديمة المُتجدّدة؟ ولماذا تُساورنا الشّكوك تُجاه هذه المُعادلة وأصحابها؟

المجهر نيوز

لا نعتقد أنّه من قبيل الصّدفة أن يتزامن وصول السفير القطري محمد العمادي إلى قِطاع غزّة مع التّسوية التي أعلنت عنها السلطة بينها وبين سُلطات الاحتلال الإسرائيلي وتقضِي بحُصولها على عشرات الملايين من الدولارات من أموال الضرائب المُحتجزة والمُتعلّقة بالمحروقات، فهذا الكرم الإسرائيلي المُفاجئ فرضته تطوّرات فِلسطينيّة داخليّة، وأُخرى عربيّة شرق أوسطيّة، أبرزها تعاظُم الهجمات الفدائيّة داخل الضفّة الغربيّة ضد أهداف إسرائيليّة، وتزايد أعداد الصواريخ التي يتم إطلاقها من قِطاع غزّة بالتوازي مع تصعيدٍ ملموسٍ في مسيرات العودة، وزيادة الصّدامات بين الشبّان المُشاركين فيها وقوّات الاحتلال على الجانِب المُقابل من السور.

المُعادلة الجديدة التي تُريد حُكومة نِتنياهو فرضها هي: الهُدوء مُقابل المال، وهذا ما يُفسّر سماحها للسفير العمادي بالوصول إلى القِطاع حاملًا حقائب محشوّةً بالدولارات، وخطّة لمنح مئة دولار لأكثر من مئة ألف أسرة تعيش تحت خط الفقر، وكذلك صرف سلطة رام الله مُرتّبات لمُوظّفيها الذين يزيد عددهم عن 160 ألف موظّف، منهم حوالي 60 ألف ينخرِطون في قوّات الأمن التي تُنسّق، أو بالأحرى، تتعاون مع حُكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنيّة.

قليلةٌ هي المعلومات التي تسرّبت عن الصفقة التي عقدتها السلطة فجأةً مع حُكومة نِتنياهو وأدّت إلى تدفّق “الشّيكلات” على ميزانيّتها، والسؤال الذي تتداوله الألسُن في الضفّة هو من تنازل إلى الآخر، السلطة أم دولة الاحتلال، ولماذا تسود المُقاطعة في رام الله حالةً من الصّمت القاتل تُجاه هذه المسألة.

نِتنياهو يريد تهدئة الأوضاع لعدّة أسباب:

  • الأوّل: لا يُريد أيّ عمليّات هجوميّة يُمكن أن تُفسِد أجواء الانتخابات وتوفّر الذخيرة لخُصومه الذين يتّهمونه بالتّقصير، والفشل في السيطرة على الأوضاع الأمنيّة في قِطاع غزّة والضفّة.

  • الثاني: تصاعُد التوتر بين السلطات الإسرائيليّة وقوّات الحشد الشعبي في العِراق المدعومة إيرانيًّا، بعد اعتراف نِتنياهو بأنّ الهجمات الأربع التي استهدفت قواعد للحشد الشعبي في بغداد والفالوجة أقدمت عليها خلايا إسرائيليّة، سواء بقصف مِدفعي أو من خلال طائرات مُسيّرة.

  • الثالث: مخاوف نِتنياهو من هجمات صاروخيّة تُقدِم عليها فصائل فِلسطينيّة مُتشدّدة داخل القِطاع وخاصّةً حركة الجهاد الإسلامي التي أكّدت مُعارضتها لاتّفاقات التهدئة المجانيّة مع دولة الاحتلال.

  • الرابع: تفعيل خلايا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في الضفّة الغربيّة بصورةٍ أكبر من أيِّ وقتٍ مضى مع تزايد الاقتحامات اليهوديّة للمسجد الأقصى، ودعوة حركة “حماس” لمسيرةٍ كُبرى يوم الجمعة المُقبل في القدس المحتلّة احتجاجًا على هذهِ الاقتحامات.

مُعظم المؤشّرات تؤكّد أنّ هُناك قرارًا إقليميًّا بتسخين الأوضاع في الضفّة الغربيّة في الأيّام المُقبلة، وما الهجمات الأخيرة التي استهدفت خطف جندي إسرائيلي وقتله في مستوطنة غوش عتصيون، والتّفجير الذي أدّى إلى مقتل مُستوطنة مجنّدة وإصابة اثنين، علاوةً على عمليّات طعن أقدم عليها شبّانٌ صِغارٌ دليلٌ على ذلك.

القلق لم يعُد مقصورًا على الجانب الإسرائيلي من جرّاء هذه الهجَمات المُتزايدة، وإنّما على السلطة الفِلسطينيّة نفسها التي باتت أكثر حِرصًا على استمرار التّنسيق الأمني مع الإسرائيليين لأنّه يَصُب في مصلحة بقائها أيضًا، ويحول دون فُقدانها السيطرة على الضفّة الغربيّة في ظِل تصاعُد الغضب، ولوحظ أنّه رغم دفعها نصف مُرتّبات طِوال الأشهر الستّة الماضية، فإنّ التّنسيق الأمني لم يتأثّر مُطلقًا واستمرّ أقوى من أيِّ وقتٍ مضى.

لا نعتقد أنّ المُعادلة الجديدة، أيّ الهُدوء مُقابل المال  ستصمد طويلًا، وتحول دون حُدوث الانفجار الكبير في الضفّة والقِطاع، لأنّ الشعب الفِلسطيني لا يُريد حُقنًا مُخدّرة، ذات مفعولٍ مُؤقّتٍ، وإنّما استعادة حُقوقه المشروعة كاملةً والهِجرة المُضادّة ليس إلى الخارج، وإنّما إلى مُدنه وقُراه المُحتلّة عام 1948 تطبيقًا لحق العودة.

صحيح أنّ السلطة تتحكّم بالشارع الفِلسطيني من خلال قبضتها الماليّة، وبالأحرى دفع رواتب لحواليُ 160 ألف موظّف، ولكن هؤلاء شاخوا أوّلًا، وهُناك مِئات الآلاف من الشبّان لا تشملهم هذه الرواتب، ولا يُريدونها أساسًا لأنّها مسمومة وتخدِم الاحتلال في نظر الكثيرين، وهؤلاء باتوا أكثر تطرّفًا في مواقفهم تُجاه الاحتلال والسلطة معًا.

“رأي اليوم”

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق