لماذا اختار السيد نصر الله دعم الحكومة والنظام السياسي اللبناني واستمراره في خطابه الأخير؟ وكيف سيكون رد المحتجين الغاضبين على هذا الخطاب.. وهل سيتفهم دوافعه؟ وما هي العبارة “التهديدية” التي “مررها” ولفت انظارنا وقد يضطر لتنفيذها؟

المجهر نيوز

حَرَصَ السيد حسن نصر الله زعيم “حزب الله” على “انقاذ” النظام السياسي الحالي في لبنان، والحيلولة دون انهيار الدولة، عندما عارض بقوة سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري، واجراء انتخابات تشريعية جديدة، لان اقالة هذه الحكومة سيدخل البلاد في ازمة وزارية ربما تمتد لعام او عامين، كما ان أي انتخابات برلمانية جديدة ربما تأتي بالوجوه نفسها، ولكنه اعترف في الخطاب نفسه الذي القاه اليوم السبت بمناسبة اربعينية الامام الحسين، ان الخروج من الازمة الحالية لا يتم بفرض ضرائب جديدة على الفقراء وذوي الدخل المحدود، وانما بروح جديدة، ومنهجية جديدة ومعالجات جديدة.

الامر المؤكد ان خطاب السيد نصر الله سيكون مفاجئا للكثيرين من المتظاهرين في شوارع مدن لبنان وميادينها الذين يطالبون بإسقاط النظام وليس حكومة السيد الحريري فقط، باعتبارها، وكل الكتل النيابية والسياسية الممثلة فيها، على أساس المحاصصة الطائفية، مسؤولة عن اهدار المال العام، واغراق البلد في الفساد، وتدهور الأحوال المعيشية والخدمات للغالبية العظمى من المواطنين.

السيد نصر الله قال ان هناك خطرين يواجهان لبنان: الأول الانهيار الاقتصادي، والثاني الانفجار الشعبي، ولا نعتقد نحن في هذه الصحيفة “راي اليوم” ان الحكومة الحالية، والنخب السياسية والطائفية الممثلة فيها، قادرة على مواجهة هذين الخطرين ومنع الانهيار الاقتصادي وتطويق الانفجار الشعبي، لأنها تسير على نهج الحكومات السابقة التي أوصلت البلاد الى هذا المأزق الوجودي، علاوة على كونها “غير مؤهلة” لاتخاذ خطوات “ثورية” تجتث جذور الفساد والطائفية.

الشارع اللبناني تحرك بطريقة عفوية في انفجار شعبي غير مسبوق تجاوز كل الاعتبارات المسكوت عنها في السنوات العشرين، او حتى الخمسين السابقة، واظهر وحدة وطنية عابرة لكل المحاصصات الطائفية، ورغبة صلبة في احداث التغيير الجذري، تماما مثلما فعل اشقاؤه في تونس والجزائر والسودان.

لا نتفق مع السيد نصر الله في ان أي انتخابات برلمانية جديدة ستأتي بالوجوه نفسها، فبعد هذه الانتفاضة الشعبية الصادقة التي كان الشباب والمحرومون عمود خيمتها، ربما تكون النتائج مختلفة، ولن يكون لهذه الوجوه “المزمنة”، او معظمها، أي مكان في البرلمان، ولعل النموذج الانتخابي الرئاسي والتشريعي التونسي الأخير الذي جاء بالسيد قيس سعيّد الى قصر قرطاج، وهو الرجل البسيط الذي هزم القطط السمان واليسار واليمين، دليلنا.

الظرف اللبناني حرج، وهناك قوى اجنبية، أمريكية وإسرائيلية وعربية أيضا، تريد تفجير لبنان واغراقه في حرب أهلية، استهدافا لحزب الله، ومحور المقاومة الذي حقق انتصارات كبيرة في سورية والعراق وفلسطين وايران وحرب اليمن، وهذه القوى عجزت عن تركيع هذا المحور بالحصار والعقوبات، وربما هذا الاستهداف الذي حتم على السيد نصر الله استخدام هذه اللغة واللجوء الى التهدئة المسؤولة.

نعم الخروج من الازمة ليس بفرض ضرائب جديدة على الفقراء والمعدمين، ووقف اهدار المال العام، ولكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن ان يكون من خلال الوجوه نفسها او معظمها في الحكومة والبرلمان، لانه لا يمكن تجريب المجرب مرة تلو الأخرى.

ندرك جيدا ان انفجار الاحتقان الشعبي يمكن ان يخلق حالة من عدم الاستقرار في البلاد اذا ما استمر، مثلما ندرك أيضا ان السيد نصر الله يتعاطى بأعلى درجات الحرص والمسؤولية لمنع انهيار الدولة اللبنانية وحرف الحزب عن مهامه الاستراتيجية الأكبر واستنزافه داخليا، ولكن لا بد من الادراك أيضا ان الجماهير المسحوقة عندما يطفح كيلها وتنزل غاضبة الى الشوارع لا تعود الى بيوتها الا بعد ان تتحقق معظم مطالبها، ان لم يكن كلها، الامر الذي يضع عبئا ثقيلا على كاهل السيد نصر الله عنوانه الأبرز كيفية تحقيق التوازن بين مطالب الغاضبين المشروعة، وطموحاته العربية والاسلامية الأكثر مشروعية أيضا.

الجماهير اللبنانية الغاضبة، طالبت، وتطالب “حزب الله” بالوقوف في خندقها في مواجهة الاقطاع السياسي، وناهبي المال العام، ولكنه اختار ان يكون مع النظام السياسي الحاكم، ومعها ومطالبها في الوقت نفسه، وهو خيار محرج اضطر لاتخاذه ليس اقتناعا بجدوى استمراره، وانما لتقليص الخسائر، وكسب المزيد من الوقت، وإعطاء النظام فرصة، وربما تكون الأخيرة، ولا نعرف ما اذا كان هذا الموقف “المسؤول” سيعطي ثماره ام لا، ويحظى بتفهم الشباب الغاضب في الشارع اللبناني بالتالي.

جملة لفتت نظرنا في خطاب السيد نصر الله تقول بأنه اذا نزل الحزب وانصاره “الكثر” الى الشارع فلن يتركه الا بعد تحقيق جميع المطالب كاملة، انه تهديد مباشر وصريح للنخبة الحاكمة، وانذار أخير لها.

يؤسفنا ان نكرر القول بأن هذه النخبة السياسية الحاكمة في لبنان، والمهيمنة على شؤونه منذ استقلاله، ليست اهلا للإصلاح والتغيير بسبب طابعها الاقطاعي والمذهبي والطائفي، واي خطوات تقدم عليها في هذا المضمار، تجاوبا مع ضغط الاحتجاجات، ستكون “تحذيرية” بالأساس، هدفها التهدئة وامتصاص الغضب، تعود بعدها “حليمة الى عادتها القديمة”، لانها ادمنت الفساد وابتعدت كليا عن الجماهير، وباتت تعيش في “فقاعة” معزولة، او كوكب آخر.

استمرار هذه الانتفاضة الشعبية، وهذا هو الاحتمال المرجح، سيدفع السيد نصر الله للوقوف في خندقها، لان معظم هؤلاء المشاركين فيها هم من جماهيره ومحبيه، حتى لو لم يرفعوا علمه وصوره.. والله اعلم.

“راي اليوم”

تعليقات الفيس بوك








مقالات ذات صلة

إغلاق