أحدهم أشعل النار بجسده وآخر شنق نفسه في سيارة الترحيلات.. لماذا تزداد حالات الانتحار في أوساط اللاجئين بألمانيا؟

سلطت النسخة الألمانية لموقع هاف بوست، الجمعة 12 يناير/كانون الثاني 2018، الضوءَ على حالات الانتحار المتكررة في صفوف اللاجئين في ألمانيا، والسبب وراء هذا الأمر المتكرر.

وتقول هاف بوست “عندما يكون أمامك صبي على الأريكة في الصباح، وقد قطع يده بسكين، والدم يملأ المكان، ما الذي يجب أن تقوله له؟”.

كان هذا بالضبط هو ما حدث أمام جوليان كناوب، الذي يعمل منذ سنوات أخصائياً اجتماعياً مع اللاجئين الشباب في ولاية شمال الراين وستفاليا بألمانيا. كان يؤدي عمله، يجلس أمامه شاب يُدعى آمون، بجسم عليه آثار دماء، ونفسية دمرتها الحياة، لا تبدو منه أي قوة إلا تلك التي يتجاوب بها مع المساعدة العلاجية.

يعمل الجميع تحت ضغط، لتقديم المساعدة له بسرعة.

أنجز له كناوب هذا، تماماً كما فعل زميله مع شاب آخر من أفغانستان يُدعى باهار، عمره 18 عاماً، كان يريد طعن نفسه بسكين لولا أنه انتزعها منه.

لا توجد أرقام دقيقة

هناك لاجئون آخرون لم يكن لديهم ملائكة يحمونهم كهؤلاء.

من هؤلاء الشاب الأفغاني البالغ من العمر 22 عاماً الذي قفز من نافذة مأوى للاجئين في مدينة أبنسبرغ بولاية بافاريا. والشاب الإيراني الذي شنق نفسه في سجن الترحيل في ميونيخ. والنيجيري الذي سكب على نفسه البنزين في محطة وقود بالقرب من ميونيخ.

هناك عدد هائل من حالات الانتحار أو محاولات الانتحار بين اللاجئين في الآونة الأخيرة. ولا توجد أرقام دقيقة.

رصد المكتب الإحصائي الاتحادي في ألمانيا أكثر من 10 آلاف حالة انتحار في ألمانيا في عام 2015. ولم يتم تسجيل كم منهم من اللاجئين. ولا توجد بيانات أحدث.

تقول سيلفيا شريفرز، الطبيبة النفسية في الجمعية الاتحادية للمراكز النفسية والاجتماعية للاجئين وضحايا التعذيب Baff “من المهم أن تكون لدينا فكرة عامة عن هذا الأمر”.

البيانات الدولية مثيرة للقلق

لأن البيانات على المستوى الدولي تشير إلى تطور خطير.

وأظهر استجواب قدَّمه الحزب الديمقراطي الحر FDP للحكومة في ولاية سكسونيا في الربيع الماضي، أن تقارير المنظمات التي وثقت حالات الانتحار، تبيّن ارتفاع عدد محاولات الانتحار بين اللاجئين ارتفاعاً حاداً خلال السنوات القليلة الماضية.

وأظهر استجواب قدَّمه حزب الخضر في البرلمان في ولاية بافاريا أنه في عام 2016 حاول 162 لاجئاً قتل أنفسهم، أي ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة بحسب الحزب.

“عدد حالات الانتحار آخذ في الازدياد”

تقول شريفرز “من الممارسة العملية يمكننا القول إن عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار بين اللاجئين بلا شك في زيادة”.

كما أكد بيرند ميسوفيتش من منظمة Pro Asyl أن “هناك زيادة في الانتحار، ومحاولات الانتحار على مدى السنوات القليلة الماضية. وهذا ما يمكن أن نؤكده من الواقع العملي”.

ولا يرى الخبراء أن هذه الأرقام تعود إلى زيادة عدد اللاجئين الذين يعيشون اليوم في ألمانيا عن الأرقام منذ سنوات، ويرون أن الأمر أعقد من ذلك.

لأن العديد من اللاجئين يأتون بالفعل إلى ألمانيا، محملين مع أمتعتهم بالكثير من المعاناة. وهذا هو ما عاشوه في وطنهم.

الدراما في الأمتعة

يروي الأخصائي الاجتماعي كناوب أن بيهار، الذي أراد طعن نفسه، كان قد تم تجنيده مع شقيقه من قبل طالبان. شقيقه سقط فكسرت ركبته، وبيهار كان يُضرب بعقب البندقية على رأسه.

وقد نجح الاثنان بعد عدة محاولات في الفرار من طالبان إلى أوروبا. وخلال سيرهم ليلاً عبر غابة بلغارية، اختفى الأخ. ومنذ ذلك الحين، لم يتلق بيهار أي شيء يشير إلى أن أخاه ما زال حياً.

ويُضيف ميسوفيتش من منظمة Pro Asyl قائلاً “لم يتعرض الكثير من الشباب في رحلتهم لمخاطر السفر فحسب، ولكن كان يتم تسخيرهم للعمل كعبيد، ويتعرضون للاستغلال الجنسي. طريق الهجرة غاية في الوحشية”.

عذاب الأوراق اللازمة لتلقي العلاج

ذكرت شريفرز أنه “بحسب العديد من الدراسات، يعاني حوالي %40 من اللاجئين نتيجة لتجاربهم الصادمة، ويصابون غالباً بما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة. وليس كل منهم يحتاج للعلاج. وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن حالتهم تتحسن بعد السكن الآمن، والراحة، والدعم الديني والمجتمعي”.

38 % من اللاجئين البالغ عددهم 15 ألف لاجئ، الذين يأتون إلى مراكز Baff يتلقون العلاج هناك. إلا أن المحتاجين للعلاج ربما أكثر من هذا.

تقول شريفرز “قوائم الانتظار طويلة. يمكن أن يستغرق الأمر عدة أشهر ليحصل الشخص على مساعدة”. وهي مشكلة يعرفها المرضى الألمان أيضاً.

وتضاف البيروقراطية إلى مشكلات اللاجئين. تضيف شريفرز “مع معظم المرضى، يحتاج الأطباء إلى مترجمين”. وهو ما يجب توفيره.

ولكن حالما يتم الاعتراف بمقدم طلب اللجوء كلاجئ، تبدأ معاناة أخرى جديدة، عذاب توفير الأوراق اللازمة يبدأ من جديد”.

الوقت يجعل الجروح القديمة تفتح من جديد

ما يدفع أعداد حالات الانتحار إلى الزيادة؛ هو أن العديد من اللاجئين موجودون في ألمانيا منذ عدة سنوات.

يقول الأخصائي الاجتماعي كناوب “إنهم يأتون إلى هنا بسبب قسوة ظروفهم، يحكون ويخرجون ما بداخلهم، بل إن بعضهم يطلق النكات. هذا هو المعني الحرفي لإرادة البقاء على قيد الحياة. وعندما تحاصرهم مشكلات الحياة اليومية، تعود تجاربهم السابقة والأهوال التي عاشوها لتطفو على السطح”.

على سبيل المثال، عندما يكون عليهم أن يحكوا كل التفاصيل المروعة في جلسة استماعهم في المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين Bamf من أجل السماح لهم بالبقاء. يقول كناوب “يُفتح جُرحهم على مصراعيه”.

بحسب الطبيبة النفسية شيفرز، يقع اللاجئون بالإضافة إلى ذلك تحت ضغوط المطالبة بالاندماج، تقول “ولكن كلما كانت حالتهم النفسية أسوأ، كان من الصعب عليهم التعلم بتركيز. وهذا يجعل نجاحهم في الأمر أكثر صعوبة”.

وفي الوقت نفسه، يدرك الكثيرون منهم أنهم لن يتمكنوا من إرسال الأموال إلى أسرهم في وطنهم بالسرعة التي كانوا يتوقعونها.

السياسة تعلق لهم سيف ديموقليس

يضاف إلى كل هذا البعد السياسي. تعمل ألمانيا بقواعد غاية في الصرامة. قرارات ترحيل نافذة، وتصنيف تتزايد فيه البلاد المصنفة كبلاد آمنة، واتفاقيات مع مختلف الدول لإعادة لاجئيها.

ويضاف إلى ذلك ضعف حيثيات قرارات اللجوء– تقوم المحاكم بالنظر في أغلب قرارات اللجوء والرفض مرة أخرى.

ذكر ميسوفيتش “ما إن يتلقى اللاجئون الخبر بلغتهم الأم، حتى ينفجر الهلع. يشعرون بعدم الأمان، والإحباط واليأس”.

يقول الخبراء إن الكلمات المهدئة لا تُجدي هنا. الشخص اليائس لا يطمئن بمجرد الكلام “الحكومة الاتحادية تعلق أمامهم دائماً سيف ديموقليس. يحقق مفعوله في التهديد دون أن يجرح”، بحسب ميسوفيتش.

الأفغان أكثر المتضررين

يقول ستيفان دونفالد، من مجلس اللاجئين بولاية بافاريا “بسبب الحرب الطويلة يعيش معظمهم في خطر مدة أطول من السوريين، وهذا مدمر”.

بالإضافة إلى ذلك، تعمل الحكومة الاتحادية على وضع نظام لترحيل اللاجئين إلى بلادهم على الرغم من انعدام الأمن هناك.

الأفغان أسرع من يتم ترحيلهم من أي مكان بألمانيا إذا لم يتعاونوا في تقديم إثبات هويتهم على النحو الذي تطلبه السلطات.

في ولاية بافاريا يبدو الأمر “مثل لعبة يانصيب رديئة”

يُبدي دونفالد انتقاده قائلاً “ولاية بافاريا تضع قوانين بعيدة جداً في هذا الأمر. حتى لو كان الأفغاني موجوداً منذ سنوات، وتأخر مرة واحدة عن تقديم الأوراق الأفغانية المطلوبة، يتم اعتباره رافضاً للاندماج”.

صحيح أنه لم يتم ترحيل سوى عدد قليل “ولكن الأمر يبدو هكذا مثل لعبة يانصيب رديئة”.

يؤكد دونفالد أن هذا هو السبب في فرار الأفغان من بافاريا إلى إيطاليا أو فرنسا “وهناك رحلة هروب أخرى معروفة من المجر أو بلغاريا”.

وبحسب تقرير لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ، تلقي الحكومة البافارية باللوم على منظمات مثل مجلس اللاجئين، الذي ينشر بيانات غير صحيحة.

ويرى ميسوفيتش من منظمة Pro Asyl، أن هذه التهمة “عبثية تماماً”. لا يمكن للمرء أن يُحمل ناقل الأخبار السيئة المسؤولية عن محتواها.

ما الذي يمكن فعله

ليس لدى الخبراء إجابة عن مشكلة الانتحار. الأمر متفاقم بدرجة لا يكفي معها فقط اتخاذ العديد من الإجراءات لنزع فتيل المشكلة.

يطالب دونفالد أن يتم الاعتراف بشكل أفضل من ذي قبل بنجاح واجتياز الأفراد للاندماج، وألا يتم التركيز فقط على الترحيل. حتى نمنحهم مرة أخرى نظرة مختلفة للحياة، أو شيئاً يدفعهم للعيش، والأمل والاجتهاد.

ويدعو الأخصائي الاجتماعي كناوب إلى الموافقة على لم شمل الأسر كلما كان ذلك ممكناً، لتخفيف المسؤولية على الشباب، والقضاء على قلقهم ومخاوفهم.

على سبيل المثال، آمون، الذي قطع يده وكان يريد أن ينتحر، لم يستطع أن يتحمل عدم وجود أي أخبار عن والده لعدة أسابيع.

وقد اضطرت عائلتة الأفغانية إلى الفرار من موطنها منذ سنوات عديدة، وعاشت في إيران، دون أن يسمح لهم بأي فرصة للعمل هناك بشكل قانوني. والآن قبضت الشرطة على الأب.

مساعدة قبل فوات الأوان

يرى الخبراء في كل مكان في ألمانيا ضرورة ملحة لتوفير عدد أكبر من المعالجين النفسيين لرعاية اللاجئين منذ البداية. خاصة أن قوانين الاستقبال في الاتحاد الأوروبي تنص بوضوح على توفير الدعم والمساعدة للأشخاص الذين يطلبون الحماية.

بالطبع لن نتمكن أبداً من إنقاذ كل اليائسين. ولكن بالتأكيد سوف يكون من الأفضل لهم وكذلك للمجتمع الألماني المسارعة بعلاج الصدمات والاضطرابات النفسية. لا أن ننتظر حتى يطعن أحدهم نفسه بسكين.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: