الأوراق الفيدرالية ورقة رقم: 83 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 28 مايو، 1788

المجهر نيوز


إلى أهالي ولاية نيويورك:
إن الاعتراض على خطة المؤتمر، والذي لقى أكبر قدر من النجاح في هذه الولاية، بل ربما في عدد كبير من الولايات الأخرى، هو ذلك الاعتراض المتعلق بعدم وجود شرط دستوري للمحاكمة عن طريق هيئة محلفين في القضايا المدنية. والشكل المخادع الذي عادة ما يورد فيه هذا الاعتراض كثيراً ما تكرر حرفه وانكشاف أمره، لكن أصحابه يستمرون فيه في جميع الأحاديث والكتابات التي يقوم بها خصوم الخطة. بل لقد صور هؤلاء مجرد صمت الدستور في أمر الخلافات المدنية وكأنه إلغاء للمحاكمة عن طريق المحلفين. وقد يسّر التشهير بذلك نصوصاً تمت دراستها بخبث كيما تفضي إلى الإقناع بأن هذا الإلغاء المزعوم هو حذف كامل وشامل لا يمتد إلى كل نوع من الخلافات المدنية فقط بل يشمل الخلافات الجنائية أيضاً. والمناقشة حول الموضوع الأخير لا طائل تحتها، ولن تثمر شيئاً، شأنها شأن محاولة إيجاد إثبات قاطع على وجود المادة، أو شأن السعي لتوضيح إحدى تلك الفرضيات التي تحمل إثباتها فيها، حتى إنها، تجبر الغير على تصديقها حين يتم التعبير عنها بلغة تم تكييفها حتى غدت مناسبة لنقل معناها.
وفيما يتعلق بالخلافات المدنية، فقد تم تبني الدقائق التي لا تتفق مع الرفض، بغية تأييد الحدس الذي يرى بأن الشيء الذي لم يتم اشتراطه يغدو ملغى بصورة كلية. إن كل رجل حصيف يدرك بكل تأكيد الفرق الشاسع ما بين "الصمت" و"الإلغاء" ولكن، لما كان ملفقوا هذه المغالطة قد حاولوا تأييدها عن طريق إيراد مبادئ قانونية في التأويل حرفوها عن معناها الصحيح، فلا أظنه من باب عدم الجدوى أن نحاول استكشاف الأرضية التي استخدموها.
الواقع أن المبادئ التي يعتمدون عليها هي من هذا النوع: "إن تخصيص الفرضيات هو استبعاد للكليات". أو "النص على شيء هو استبعاد لغيره". ولذلك يقولون، ما دام الدستور قد أقرّ المحاكمة عن طريق هيئة المحلفين في القضايا الجنائية، والتزم الصمت فيما يخص القضايا المدنية، فإن صمته هو منع ضمني للمحاكمة عن طريق المحلفين في القضايا المدنية.
إن قواعد التفسير القانوني هي قواعد الإدراك العام، وقد تم تبنّيها في المحاكم لصياغة القوانين. إذن، المحك الحقيقي لتطبيق عادل لتلك القوانين هو توافقها مع المصدر الذي استقيت منه. مادامت هذه هي الحال فدعنا نسأل: هل يتفق مع المنطق أو الذوق العام أن نفرض أن شرطاً يُلزم السلطة التشريعية أن تعهد بمحاكمة الخلافات الجنائية إلى هيئة محلفين هو حالة خاصة من حق عام لتلك السلطة في أن تفوض تلك الطريقة من المحاكمة في قضايا أخرى أو تقبل بذلك؟ هل هو من الطبيعي أن نفرض أن أمراً بفعل شيء هو نهي عن فعل شيء آخر كان مسموحاً فعله بحسب سلطة سابقة، لم تعد تسمح بالشيء المطلوب فعله؟ إذا كانت فرضية كهذه أمراً غير طبيعي ولا هي فرضية معقولة، فمن غير المقبول عقلياً إذن أن نذهب إلى أن النصح بالمحاكمة عن طريق المحلفين في قضايا معينة هو إبطال لذلك في قضايا أخرى.
إن سلطة تشكيل محاكم هي سلطة لتحديد طريقة المحاكمة؛ وبالتالي، إذا لم يورد الدستور شيئاً عن موضوع هيئات المحلفين فإنه سيظل للسلطة التشريعية كامل الحرية في أن تتبنى تلك المؤسسة أو تتخلى عنها. إن هذا التمييز فيما يخص الخلافات الجنائية قد تم اختصاره بالتعبير صراحة عن النصح بالمحاكمة عن طريق هيئات المحلفين في جميع القضايا المماثلة؛ لكن الحرية قد تركت، طبعاً، فيما يتعلق بالخلافات المدنية، والتزم صمت مطبق بخصوص هذا الموضوع. إن تخصيص الإلزام بإجراء محاكمة جميع الخلافات الجنائية بطريق معينة يقصي فعلياً الإلزام بـ، أو الحاجة إلى، استخدام الطريقة نفسها في الخلافات المدنية، لكنه لا يضيّق سلطة المجلس التشريعي في أن يمارس تلك الطريقة إذا قدر أنها مناسبة. فالادعاء، إذن، أن التشريع الوطني لن يكون له كامل الحرية في أن يحيل جميع الخلافات المدنية المتعلقة بإطلاع فدرالي عليها إلى قرار حاسم تتخذه هيئة محلفين هو ادعاء لا أساس له أصلاً.
من هذه الملاحظات يتحصل معنى الاستنتاج التالي: أن المحاكمة عن طريق هيئة المحلفين في القضايا المدنية لم يتم إلغاؤها؛ وأن الفائدة التي يحاولون جنيها من المبادئ التي اقتبسوها هي مخالفة للمنطق والإدراك العام، ومن ثم، فهي غير مقبولة. وحتى لو حملت هذه المبادئ معنىً فنياً محدداً يتجاوب مع أفكار أولئك الذين يستخدمونها في هذه المناسبة، وليس هذا هو الحال في هذا المقام، فإن تلك المبادئ تظل غير قابلة للتطبيق على دستور للحكم. وبخصوص موضوع مثل هذا يكون المعنى الواضح والطبيعي لشروطه، خلافاً لأية قواعد فنية، هو المعيار الصحيح عند التشكيل.
أما وقد رأينا أن المبادئ التي تم الاستناد إليها لم تحمل الفائدة التي تم استخدامها من أجلها، فدعنا نسعى جاهدين لتثبيت الاستخدام السليم لتلك المبادئ والمعنى الصحيح أيضاً. وأفضل طريق لتوضح ذلك هو ضرب الأمثلة. إن خطة المؤتمر تصرح أن سلطة الكونغرس، أو بكلمة أخرى سلطة "التشريع الوطني" سوف تمتد إلى القضايا المعينة التي سبق تعدادها. ومن شأن هذا التخصيص للفرديات بكل وضوح أن يستبعد كل ادعاء بـ "سلطة تشريعية عامة"، لأن منح سلطات خاصة بصورة الإيجاب – سيكون سخيفاً كما هو عديم الفائدة، إذا قصد به صلاحية عامة.
وبطريقة مماثلة فإن صلاحيات القضاء الفدرالي كما يعلنها الدستور، تشمل قضايا معينة تم تخصيصها بصورة إفرادية. ومن شأن إيراد هذه القضايا أن يبين الحدود الدقيقة التي لا تستطيع المحاكم الفدرالية أن تتجاوزها ولا أن تمد قضاءها إلى ما وراءها، لأن الأشياء التي هي من اختصاصها قد تم تعدادها، وسيكون التخصيص لاغياً إذا لم يستبعد جميع الأفكار المتعلقة بصلاحية أشمل.
قد تكون هذه الأمثلة كافية لإلقاء النور على المبادئ التي سبق ذكرها، ولتعيين الطريقة التي يجب استخدامها بها. ومن أجل ألا يكون هناك احتمال لسوء الإدراك بخصوص هذا الموضوع، فإنني سوف أضيف قضية أخرى، توضح الاستخدام الأمثل لهذه المبادئ والتشويه الذي ألحق بها.
دعنا نفترض أن امرأة متزوجة ستعجز، وفق قوانين ولاية نيويورك، عن نقل ملكية عقار لها، وأن على التشريع، الذي يعتبر مثل ذلك شراً، أن يضع قانوناً يجعل من حقها أن تتخلص من عقارها بموجب صفقة تتم بحضور موظف في القضاء. في مثل هذه القضية ليس هنالك شك في أن التخصيص يرتقي إلى درجة استبعاد أي طريقة أخرى لنقل ملكية العقار، لأن المرأة التي ليس لها سلطة سابقة لنقل ملكيتها إلى غيرها تجد التخصيص يحدد الطريقة الخاصة التي تستطيع أن تستخدمها لصالحها، ولذاك الغرض بعينه. ثم دعنا نذهب بعيداً، فنفترض أنه في ملحق لذلك القانون تم النص على أنه لا يجوز لامرأة أن تتخلص من أي عقار ذي قيمة محددة دون موافقة أقرب ثلاثة أشخاص، من أهلها، تشهد بذلك توقيعاتهم على الصفقة؛ فهل نستطيع أن نستنتج من هذا القيد أنه لا يجوز للمرأة المتزوجة أن تحرز موافقة أقاربها على صفقة نقل ملكية تكون قيمتها أقل من القيمة المذكورة سابقاً؟ إن الموقف سخيف جداً، وأسخف من أن يسوى الإشارة إلى رفضه، ومع هذا فهو بالضبط الموقف الذي على من يرون أن المحاكمة عن طريق المحلفين في القضايا المدنية قد ألغيت أن يوقفوه، لأنه تم النص عليها في القضايا ذات الطبيعة الجنائية.
من هذه الملاحظات سيظهر بكل جزم: أن الصحيح هو أن المحاكمة عن طريق المحلفين لم يتم إلغاؤها بأية صورة في الدستور المقترح، والصحيح أيضاً أنه في الخلافات التي تنشب بين الأفراد وتهتم بها جمهرة من المواطنين، سوف يظل نظام المحاكمة عن طريق المحلفين بالضبط في نفس الموقف الذي جعلته فيه دساتير الولايات، ولن يتعرض بأي قدر من التغيير أو التأثير فيه نتيجة لتبني الخطة المطروحة للبحث. إن أساس هذا التأكيد هو أن القضاء الوطني لن يمس تلك القضايا وستبقى طبعاً خاضعة لإصدار القرار فيها كما ظلت حتى الآن من قبل محاكم الولاية فقط، وبالطريقة التي تحددها دساتير الولايات وقوانينها. إن جميع النزاعات على الأرض ماعدا الدعاوى التي تتعلق بأراضي منحتها ولايتان مختلفتان، وجميع الخلافات بين مواطني الولاية ذاتها، ما لم يكن أساس تلك الخلافات إخلالات صارخة ببنود الاتحاد من جراء قوانين وضعتها مجالس تشريع الولايات – سوف تتبع بصورة شاملة قضاء محاكم الولايات. أضف إلى ذلك أن خلافات الأدميرالية وجميع المنازعات التي يتم الفصل فيها عن طريق القضاء بالإنصاف سيتم الحكم فيها وفق قوانين حكومتنا دون تدخل من جانب هيئة المحلفين، وأن خلاصة الأمر كله هي أن نظام المحاكمة عن طريق المحلفين، كما هو في الوقت الحاضر لن يتأثر إلى درجة كبيرة بالتغيير المقترح في نظام التقاضي عندنا.
إن أصدقاء خطة المؤتمر وخصومها إذا لم يتفقوا على أي شيء آخر، فإنهم يتفقون على الأقل على التقدير الذي يكنونه للمحاكمة عن طريق المحلفين؛ وإذا ما كان هناك أي فارق فيما بينهم، فإنه ينحصر فيما يلي: الأصدقاء يعتبرونها ضماناً لا يُثمن للحرية، والخصوم يصورونها على أنها التمثال الحق للحكومة الحرة. أما من طرفي، أنا، فكلما دققتُ النظر في نظام المحاكمة عن طريق المحلفين – اكتشفت منطقاً أكبر في النظر إليه بتقدير رفيع، وبدا لي من الفضول أيضاً أن أناقش مدى التقدير الذي يستحقه ذلك النظام بخصوص كونه مفيداً أو أساسياً في جمهورية تمثيلية، أو أناقش الاحترام الذي يجب أن يلقاه بصفته وقاءً ضد ظلم الملك في نظام وراثي أكثر منه حاجزاً يصد طغيان قضاة الشعب في حكومة من الشعب ذاته. إن أبحاثاً من هذا القبيل ستكون أبحاثاُ تثير الاستغراب والفضول أكثر منها أبحاثاً تعود بالنفع، مادام الجميع راضين عن فائدة نظام المحلفين وعن الجانب الودي له تجاه الحرية. ومع هذا، فعليّ أن أعترف أنني لا أستطيع بسهولة أن أتحسس الارتباط الذي لا ينفصم بين وجود الحرية وبين إجراء المحاكم عن طريق المحلّفين في القضايا المدنية. إن العقوبات الاعتباطية، والأساليب الاستبدادية في ملاحقة الجُنح المدعاة، والعقوبات التعسفية على المعتقدات الكيفية، قد ظلت تبدو لي في صورة الآليات الكبرى للطغيان في القضاء، ولهذه كلها علاقة أي علاقة بالإجراءات الجنائية. ويبدو أن محاكم طريقة المحلفين في القضايا الجنائية، تساعدها قانون "الحرية الفردية"، هي وحدها المقصودة في السؤال. وقد تم اشتراط الاثنين بأوفى طريقة في خطة المؤتمر.
لقد لوحظ أن المحاكمة عن طريق المحلفين حاجز ضد الممارسة الاستبدادية لسلطة فرض الضرائب، وهذه ملاحظة تستحق البحث.
من الواضح أنه لن يكون لهذا النظام أي تأثير على السلطة التشريعية بخصوص كمية الضرائب التي يتم فرضها، على الأصناف التي يجب أن تفرض عليها، ولا على القاعدة التي على أساسها تحسب نسبة ذلك. ومادام ليس للنظام أي تأثير في ذلك، إذن فمن الواجب أن يكون له تأثير في أسلوب الجباية وتصرفات الموظفين المكلفين بتنفيذ قوانين الخزينة العامة.
أما بخصوص أسلوب الجباية في ولاية نيويورك، وبموجب الدستور فيها فإنه لا يتم استخدام المحاكمة عن طريق المحلفين في كثير من القضايا. ذلك أنه يتم فرض الضرائب في العادة انطلاقاً من واقع أحوال البيع والكساد، كما في حالات الأجرة والاستئجار. ومن المعترف به لدى الجميع أن هذا أمر أساسي لكفاءة قوانين الخزينة العامة. والسير العادي المتباطئ لاستعادة الضرائب المفروضة على الأفراد عن طريق المحاكم القانونية لن تكون مناسبة للحاجات المستعجلة للمجتمع ولا تزيد في راحة المواطنين. إنها كثيراً ما تسبب تكدساً في النفقات وعبئاً أثقل من المبلغ الأصلي للضريبة المفروضة.
أما بخصوص تصرف موظفي الخزينة، فإن اشتراط إجراء المحاكمة عن طريق هيئة المحلفين في القضايا الجنائية سوف يوفر الأمان المنشود. ذلك أن سوء استخدام السلطة العامة عن قصد لظلم المتهم، ومزاولة أي نوع من القسوة الرسمية هي جنح ضد الحكومة، يعاقب عليها الأفراد الذين يأتونها بل ويؤاخذون بحسب ملابسات القضية.
إن رفعة مقام المحاكمة عن طريق المحلفين في القضايا المدنية شأن يبدو أنه يعتمد على ظروف خارجة عن الحفاظ على الحرية. وأقوى مناقشة تؤيد ذلك هو القول بأن الحرية في تلك الحال تظل أمينة من أن يلحقها أي إفساد. وحيث أنه يظل هناك على الدوام وقت أطول وفرصة أفضل للتداول مع هيئة قائمة من القضاة مما يتيسر لهيئة محلفين تستدعى عند اللزوم، فإن هنالك مجالاً للمرء أن يفرض أن التأثر بالإفساد قد يجد سهولة أكبر في الوصول إلى المحلفين مما يجده في الوصول إلى مجموعة القضاة. إن قوة هذا الاعتبار على كل حال تتناقص بفعل اعتبارات أخرى. فالشريف، وهو الذي يقوم باستدعاء المحلفين العاديين، هو وكتبة المحاكم الذين لهم حق تسمية محلفين خاصين – هؤلاء أنفسهم موظفون قائمون، ويتصرفون بصورة فردية لذا فإن للمرء أن يفترض أن إفسادهم أسهل من إفساد القضاة، الذين هم هيئة جماعية. وليس من الصعب على المرء أن يلاحظ أنه سيكون بمقدور هؤلاء الموظفين انتقاء أعضاء محلفين يخدمون غرض طرف ما بصفتهم مجلساً. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن للمرء أن يفترض بحق، أنه ستكون هناك صعوبة أقل في كسب بعض المحلفين المشوشين الذين سُحبوا عشوائياً من الجمهور، أكثر من كسب أشخاص اختارتهم الحكومة على أساس السداد في الرأي والأخلاق الحميدة. وإذا قمنا بطرح جميع هذه الاعتبارات جانباً فإن المحاكمة عن طريق المحلفين تظل عائقاً بالغ الأهمية يحول دون الإفساد. إنها تضاعف العقبات في وجد نجاحه. وفي الوضعية القائمة حالياً، يغدو من الضروري إفساد كل من طاقم المحكمة وهيئة المحلفين على السواء، لأنه إذا أخطأ المحلفون بصورة ظاهرة، فإن المحكمة سوف تمنح (المظلوم) الحق في محاكمة جديدة، وعند ذاك تتضاءل جدوى استخدام إفساد هيئة المحلفين ما لم يتم كسب المحكمة قبل ذلك. هنا إذن، ضمان مزدوج. وسيتم على التو، إدراك أن هذه الوكالة المعقدة تميل إلى حفظ نقاء كل من المؤسستين: (المحكمة والمحلفين). وعن طريق زيادة العقبات في وجه النجاح يتم تثبيط محاولات إغواء نزاهة كل من الطرفين. إن إغراءات التعهير التي سيكون على القضاة أن يتغلبوا عليها ستكون أقل عدداً بكل تأكيد، في حين يغدو التنسيق بين المحلفين ضرورياً أكثر مما لو كان لهم وحدهم حق الحسم النهائي في جميع الخلافات.
وخلافاً، إذن، للشكوك التي أبديتها بصدد أهمية المحاكمة عن طريق المحلفين للحرية، في القضايا المدنية، فأنا أوافق على أن تلك المحاكمة في معظم القضايا، وفي ظل تعليمات مناسبة – لهي طريقة ممتازة لحسم مسائل الملكية، وعلى هذا الأساس وحده سيكون لها الحق في إيراد شرط دستوري لصالحها، إذا أمكن تعيين الحدود التي يجب أن تفهم في نطاقها. وهناك على كل حال، وفي جميع القضايا صعوبة عظيمة في هذا. وعلى الأشخاص الذين لا يعميهم الحماس أن يفهموا أنه في حال حكومة فدرالية، يشكلها مجتمعات ذات أفكار ومؤسسات متباينة بصدد تلك المسألة تباينا حقيقياً وأحدها عن الآخر – فإنه لا يحسنُ زيادة تلك الصعوبة ولو قدراً قليلا. ففيما يتعلق بي شخصياً، ومن أية زاوية نظر اتخذتها تجاه الموضوع يظل يزيد اقتناعي بواقع أن العقبات التي عرفناها بصورة موثوقة، هي التي منعت إدخال شرط تحت هذا العنوان في خطة المؤتمر.
إن التباين الكبير بين حدود محاكم هيئة المحلفين في الولايات المختلفة ليس مفهوماً بصورة عامة؛ ولما كان لا بد له أن يترك أثراً كبيراً على الحكم الذي نصدره بخصوص الحذف الذي يتذمرون منه بصدد هذه النقطة، فإن تفسير ذلك الحكم يغدو ضرورياً في هذه الولاية، أعني ولاية نيويورك، تشبه مؤسساتنا القضائية المؤسسات القضائية في بريطانيا العظمى، وأكثر مما تفعل المؤسسات في أية ولاية أخرى. إن لدينا محاكم للقانون العام، ومحاكم للوصايا (شبيهة في مسائل معينة بالمحاكم الروحانية في إنكلترا)، ومحكمة للأدمرالية، ومحكمة لقاضي القضاة ففي محاكم القانون العام وحدها، تسود المحاكمة عن طريق هيئة المحلفين، مع بعض الاستثناءات في ذلك. أما في جميع المحاكم الأخرى فيترأس المحكمة قاض فرد، ويسير، بصورة عامة، إما حسب سير الشريعة أو القانون المدني، دون أي مساعدة من هيئة محلفين.1 وفي ولاية نيوجرزي هناك محكمة لقاضي القضاة تسير في إجراءتها كمحاكمنا، (أهل نيويورك) لكنه لا محاكم الأدمرالية ولا المحاكم الكنسية بالمعنى الذي بقيت الأخيرتان على أساسه، هما من تأسيسنا نحن. في تلك الولاية تملك محاكم القانون العام حق النظر في تلك الخلافات التي يتم الحكم فيها عندنا في محاكم الأدمرالية وفي المحاكم الشرعية، وبطبيعة الحال تتم المحاكمة على يد هيئة محلفين، وهي أوسع نطاقاً في ولاية نيوجرزي، منها في ولاية نيويورك. وفي ولاية بنسلفانيا ربما كانت أوسع أيضاً، لأنه ليس هنالك محكمة لقاضي القضاة في الولاية، ولأن محاكم القانون العام فيها تقضي على أساس حكم الضمير والإنصاف. إن فيها محكمة للأدمرالية لكنه ليس فيها أي محكمة شرعية، على الأقل حسب خطتنا وقد قلدت ولاية ديلاوير في هذه النواحي ولاية بنسلفانيا. أما ولاية ماري لاند فهي أقرب إلى ما في ولاية نيويورك، ومثلها أيضاً ولاية فرجينيا، ماعدا أن في الأخيرة منها أكثر من مستشار قضائي واحد. ونجد في ولاية كارولينا الشمالية شبهاً قريباً بولاية بنسلفانيا فيما تحمل ولاية كارولينا الجنوبية شبهاً بما لدى ولاية فرجينيا.
وعلى كل حال، فأنا أعتقد أنه في الولايات ذات المحاكم المتمايزة للأدمرالية، فإن الخلافات الموكولة إليها إنما تتم محاكمتها على يد هيئة محلفين. وليس هنالك في جورجيا إلا محاكم القانون العام، ويتم الاستئناف طبعاً من قرار هيئة محلفين إلى هيئة محلفين أخرى تسمى هيئة محلفين خاصة، يتم تعيينها بطريقة خاصة يتم تبيانها. وليس في ولاية كونكتكت أية محاكم منفصلة، لا لقاض القضاة ولا للأدمرالية. كذلك ليس للمحاكم الكنسية عندهم أي قضاء لفض الخلافات. إن محاكم القانون العام عندهم فيها محاكم أدميرالية، وإلى حد معين فيها قضاء بالإنصاف أيضاً. وفي القضايا ذات الأهمية الكبيرة تكون الجمعية العامة. هي محكمة قاض القضاة الوحيدة. وفي ولاية كونكتيكت من ثم، يمتد نطاق المحاكمة بواسطة هيئة المحلفين، في الواقع إلى أبعد منه في أية ولاية أخرى سبق ذكرها. وأنا أعتقد أن ولاية رود أيلاند في هذه النقطة تحتل وضعاً قريباً جداً من الوضع في ولاية كونتكيكت. وإما ولايتا ماساشوستس ونيوهامبشير من حيث الجمع بين محاكم القانون العام ومحاكم الإنصاف ومحاكم الأدميرالية فهما من فئة متشابهة. وفي الأربع ولايات الشرقية لا تقف المحاكمة على يد هيئة محلفين فقط على أرضية أعرض منها في الولايات الأخرى، وإنما ترافقها غرابة لا مثيل لها، من حيث المدى، في أي من تلك الولايات. هناك حق استئناف يتم بالطبع من هيئة محلفين إلى هيئة محلفين أخرى، وإلى أن يتم الحصول على قرارين من ثلاثة لصالح طرف واحد.
من هذا المقطع العرضي للمحاكم عندنا يظهر أن هناك تنوعاً حقيقياً في التوصيف كما في مدى اتساع نظام المحاكمة عن طريق هيئة محلفين في القضايا المدنية في الولايات المختلفة، ومن هذا لواقع تتبلور الأفكار التالية:
أولاً: أنه ما كان يمكن تثبيت قاعدة عامة يتوصل إليها المؤتمر، وتستجيب لظروف الولايات جميعاً؛
وثانياً: أنه حصلت المغامرة بأخذ نظام أية ولاية واحدة كمقياس، بقدر المغامرة أكثر أو أقل قليلاً بإلغاء الشرط من أصله وترك المسألة برمتها إلى التنظيم التشريعي، كما حصل.
والواقع، أن الفرضيات التي طرحت لاستبدال الحذف قد ساعدت في توضيح الأمر أكثر مما ساعدت في استبعاد صعوبة ذلك الأمر. فقد اقترحت أقلية ولاية بنسلفانيا هذا النموذج من التعبير لهذا الغرض – "تظل المحاكمة أمام هيئة محلفين كما هي في وضعها الحاضر" – وأنا أعتقد أنه لا معنى لهذا إطلاقاً، وانه مرفوض. ذلك أن الولايات المتحدة، بصفتها متحدة أو بصفتها الجماعية هي الذات التي يجب أن يعود إليها كل شرط وارد في الدستور. والآن، من الواضح أنه، مع أن المحاكمة بهيئة محلفين، بحدودها المختلفة، أمر معروف في كل ولاية بصورة إفرادية، فإنها في الولايات المتحدة، بصفتها كذلك، غير معروفة أصلاً في الوقت الحاضر، لأن الحكومة الفدرالية الحالية ليس لها سلطة قضائية من أي نوع؛ وبالتالي فإنه ليس هنالك سابقة صالحة أو نظام سابق يمكن أن تتعلق به لفظة "في وضعها الحاضر". إذن فستكون العبارة خالية من المعنى المحدد وغير قابلة للعمل بها نتيجة للشك في المقصود.
ولما كانت صيغة الشرط لا تحقق ما قصده الذين اقترحوه من جانب، فهي كذلك من جانب آخر، فلو تخوفت من القصد الحقيقي، لما غدا ذلك التخوف بذاته طارئاً مستعجلاً. وأنا أفترض أنه يعني أنه يصح أن يتم الفصل في الخلافات في المحاكم الفدرالية على يد هيئة محلفين، إذا كانت تلك الطريقة من المحاكمة موجودة في الولاية التي تنتصب فيها المحكمة، وإذا كانت تلك الطريقة من المحاكمة مسموحاً بها، في قضية مشابهة، في محاكم الولاية؛ بمعنى أن خلافات محاكم الأدمرالية يجب أن تتم محاكمتها في ولاية كونكتيكت أمام هيئة محلفين، وفي ولاية نيويورك بدون ذلك. إن عملية نزوية ذات أسلوب متباين في نظر ذات القضايا وفي ظل الحكومة نفسها – لهي بذاتها كافية لاستبعاد كل رأي تمت دراسته واتخاذه تجاهها.
والجزم بأنه يجب أن يتم النظر في الخلاف أمام هيئة محلفين أو بدونها – هو أمر يعتمد في عدد كبير من القضايا على الوضع الآني للمحكمة والأطراف المتداعية فيها.
لكن هذا في تقديري ليس هو الاعتراض الأهم. فلدي اعتقاد عميق ومدروس أن هناك قضايا كثيرة تغدو المحاكمة فيها أمام هيئة محلفين أمراً غير مشروع. وأنا أفكر بذلك على الخصوص في القضايا التي تهم السلم العام والدول الأجنبية، أي في معظم القضايا التي تعود فيها المسألة بكاملها إلى القوانين بين الأمم. وفي النطاق الطبيعي لذلك، بين القضايا الأخرى، تندرج جميع الخلافات الكبرى. فليس مفروضاً في هيئة المحلفين أن تكون قادرة على القيام بالتحريات التي تتطلب معرفة دقيقة بقوانين الدول الأخرى ومواقع استخدامها؛ وستكون تلك الهيئة في بعض الأحيان واقعةً تحت تأثير الانطباعات التي لن تدع أفرادها يُبدون أي احترام كاف للاعتبارات المتعلقة بالسياسة العامة والتي يجب أن تهدي تساؤلاتهم وترشدها. وسيظل هناك على الدوام خطر الافتئات على حقوق الدول الأخرى بفعل القرارات التي يتخذها المحلفون من أجل خلق ظروف الانتقام والحرب. ومع أن المجال الصحيح لهيئات المحلفين هو الحسم في أمور الوقائع الحقيقية، فإن المترتبات القانونية تكون متشابكة مع الوقائع في معظم الأحيان، على نحو يجعل الفصل بينهما أمراً متعذراً.
ومما يضيف أهمية كبيرة لهذه الملاحظة، فيما يتعلق بالخلافات الكبرى أن نذكر أن أسلوب اتخاذ القرار في تلك الخلافات يستحق تنظيماً خاصاً في مختلف المعاهدات بين الدول المختلفة في أوروبا، وأنه، بمتابعة تلك المعاهدات والاهتمام بها يتم اتخاذ القرار النهائي بشأنها في بريطانيا في مجلس الملك الخاص قبل رفعها إلى الملك نفسه، حيث تخضع الواقعة، كما يخضع القانون لإعادة البحث. ومن شأن هذا وحده أن يبين عدم الحكمة السياسية في إدخال شرط رئيس في الدستور يجعل نظم الولايات مقياساً للحكومة الوطنية في النقطة المطروحة للبحث، كما يخلق خطر تقميط الحكومة بشروط دستورية لا يكون صوابيتها غير قابلة للتنازع.
كذلك فإن اعتقادي قوي بنفس القدر أن هناك فوائد عظيمة ستحصل من الفصل بين القضاء بموجب الضمير والإنصاف والقضاء وفق القانون، وأن من غير المناسب إيكال الخلافات التي تعود إلى حكم القانون إلى هيئات المحلفين. إن أعظم فائدة واستخدام لمحكمة تأخذ بالإنصاف هي كونها عوناً في حل القضايا الشاذة والتي هي استثناءات من القواعد العامة.2 والحق، أن ضمّ القضاء في قضايا من هذا النوع مع القضاء العادي لا بد أن يميل إلى زعزعة القواعد العامة، وإخضاع كل قضية تنشأ إلى قرار "خاص"؛ في حين أن الفصل بين القضاءين يترك تأثيراً معاكساً هو جعل أحد الاثنين رقيباً على الآخر، مع إبقاء كل منهما ضمن الحدود المبتغاة. إلى جانب هذا، فإن الملابسات التي تخلق قضايا صالحةً لمحاكم الإنصاف هي في أكثر الأحيان ملابسات دقيقة وحساسة بحيث لا تتفق أبداً مع سجية المحاكمات على يد هيئة محلفين. فمثل تلك القضايا كثيراً ما تتطلب قدراً كبيراً من التريث والدراسة، والتحري المحرج، بحيث يغدو عسيراً على رجال يستدعون من أشغالهم ويُضطرون إلى أن يصدروا قرارهم قبل أن يُسمح لهم بالرجوع إلى تلك القرارات. إن البساطة والاستعجال اللذين يميزان نمط الشخصيات الضرورية لهذا النوع من المحاكمة – يتطلبان أن تكون المسألة المراد الفصل فيها قد باتت نقطة وحيدة وواضحة؛ فيما أن الدعاوي المرفوعة في محاكم قاضي القضاة كثيراً ما تشمل رتلاً من الدقائق الدقيقة والمستقلة.
صحيح أن الفصل بين القضاء بالضمير والإنصاف، وبين القضاء طبقاً للقانون – هو خاص بالنظام الإنكليزي في القضاء، وهو النموذج الذي تم إتباعه في كثير من الولايات، لكنه صحيح أيضا أن المحاكمة أمام هيئة محلفين مسألة لم تحصل في كل قضية تم الجمع بين القضاءين فيها إن الفصل ضروري للحفاظ على ذلك النظام في نقائه الذي لم يلحق به فساد. إن طبيعة محكمة تحكم بالضمير والإنصاف تسمح على الفور بتوسيع القضاء فيها ليشمل دعاوي المحاكم القانونية، لكنه لا ريب أبداً في أن توسيع قضاء محاكم القانون ليشمل قضايا محاكم الإنصاف لن يؤدي إلى ضمان الحسنات التي يمكن الوصول إليها من محاكم قاضي القضاة، وفق الخطة التي تقوم عليها تلك المحاكم في ولاية نيويورك، بل إنه سوف يميل تدريجياً إلى تغيير طبيعة المحاكم القانونية وإلى نسف التقاضي أمام هيئة محلفين بإدخاله مسائل شديدة التعقيد على إصدار الحكم بموجب ذلك الأسلوب في المحاكمة.
لقد ظهر أن هذه كانت أسباباً شاملة وقفت ضد دمج أنظمة جميع الولايات في تشكيل القضاء الوطني، حسب ما يمكن تخمين المحاولة التي قامت بها أقلية بنسلفانيا. دعنا الآن نناقش مدى المعارضة في ولاية ماساشوستس ومدى كونها مدروسة لمعالجة النقص المفترض.
إنها على هذه الصيغة: "في الدعاوي المدنية بين مواطنين من ولايات مختلفة، يكون كل حكم يصدر على واقعة تبرز في دعاوي القانون العام صالحا لأن يتم النظر فيه أمام هيئة محلفين، إذا أبدت الأطراف أو أي منها رغبة في ذلك".
هذا في أحسن أحواله اقتراح مقصور على فئة من الخلافات؛ والاستنتاج مقبول، فإما أن مؤتمر ماساشوستس قد اعتبر الأمر بمثابة الفئة الوحيدة من الخلافات الفدرالية التي سيكون من المناسب إجراء المحاكمة فيها على يد هيئة محلفين؛ أو أن الأعضاء فيه، إذا كان المؤتمر راغباً في وضع شرط أشمل مما سبق، قد وجدوا من العسير عليهم أن يبتكروا أسلوباً يفي بالغاية التي ينشدها الجميع. ففي الحالة الأولى، كان حذف أي تعليمات تحترم أمراً جزئياً كهذا – لا يمكن اعتباره نقصاً جوهرياً في النظام. وفي الحالة الثانية، فإن الحذف يتيح دمجاً شديداً للصعوبة القصوى القائمة في ذلك الخصوص.
لكن هذا ليس الأمر كله: فإذا انقلبنا إلى الملاحظات التي أبديت سابقاً بخصوص المحاكم التي تكون في عدة ولايات من الاتحاد، وإلى السلطات المختلفة التي تمارسها تلك المحاكم – سيظهر لنا أنه ليس هنالك عبارات أشد غموضاً وأقل تحديداً من تلك التي تم استخدامها لتوصيف ذلك النوع من الخلافات التي يقصد منحها الحق في محاكمة عن طريق هيئة المحلفين. في ولاية نيويورك يتم إتباع الحدود الفاصلة بين الدعاوي التي يحكم فيها بحسب القانون العام والأخرى التي يحكم فيها بحسب قضاء الإنصاف – وفق القواعد السائدة في بريطانيا بخصوص ذلك الموضوع, وفي كثير من الولايات الأخرى تغدو الحدود أقل تمايزاً. ففي بعضها يكون على كل خلاف أن يرفع إلى محكمة تطبق القانون العام، وبناء على هذا الأساس يجوز أن تعتبر كل دعوى مرفوعة دعوى يُطلب الحكم فيها بموجب القانون العام، وأن يتم إصدار الحكم فيها على يد هيئة محلفين إذا رغب الطرفان أو أي منهما في ذلك. لذا فإن عدم الانتظام نفسه بل الفوضى، سيتم إدخالها بالتراضي مع هذه الفرضية التي نوهت إليها سابقاً بصفتها تتحصل من القيد الذي اقترحته الأقلية في ولاية بنسلفانيا. في ولاية ما يتم الحكم النهائي في الخلاف على يد هيئة محلفين إذا طلبت الأطراف أو أي منها ذلك؛ أما في ولاية أخرى فإن خلافاً مشابهاً بالضبط لذلك الآخر يجب أن يتم الحكم فيه دون تدخل من جانب هيئة المحلفين، لأن الأحكام القضائية في تلك الولاية تختلف عن الأحكام القضائية وفق القانون العام.
من الواضح، إذن أن اقتراح ماساشوستس بصدد هذا الموضوع لا يمكن إعماله بصفته قيداً عاماً إلى أن يتم تبني خطة موحدة تعين حدود القانون العام والقضاء الإنصافي وتتبناها الولايات المختلفة. والحق، ابتكار خطة من هذا النوع لهو مهمة مضنية في ذاتها، ولسوف تتطلب وقتاً طويلاً وتفكيراً مجهداً كيما تنضج. وسيكون من العسير جداً إن لم يكن مستحيلاً، أن نقترح أي تقييد عام يكون مقبولاً لدى جميع الولايات في الاتحاد أو يتطابق تماماً مع أنظمة عدة ولايات.
ولربما أثير السؤال التالي ألم يكن بالوسع الإشارة إلى دستور نيويورك، على فرض أن ما قبلت به هو جيد ومقبول، بصفته مقياساً تحتذيه الولايات المتحدة؟ وأجيب عن السؤال بأنه: ليس من المحتمل بقوة أن تشارك الولايات الأخرى في نفس الرأي حول مؤسساتنا في نيويورك كما نفعل نحن. فمن الطبيعي أن نفرض كون تلك الولايات حتى الآن أكثر ولاءً إلى ما لديها، وأن كل ولاية سوف تناضل من أجل تفضيل ما عندها. إذا كانت خطة أخذ ولاية واحدة لتغدو نموذجاً يقتضي به الجميع مسألة قد تم التفكير فيها في المؤتمر – فإن من واجب المرء أن يفترض أن تبني المؤتمر تلك الخطة قد جعل عسيراً بفعل تشويه كل وفد غير ما هو في صالح حكومة ولايته؛ وبواقع أنه لا يعرف أي ولاية سوف تعتبر أنموذجاً. لقد سبق أن بينا أن كثيراًً من الولايات لن تصلح لأن يقع عليها الاختيار. وأنا أترك للمرء أن يخمّن، وفي ظل جميع الظروف أن تكون ولاية نيويورك أو غيرها هي الأكثر احتمالاً للتفضيل. لكني أرى أنه كان يجب القيام بانتقاء قضائي يفعله المؤتمر وعند ذاك يبرز الخطر العظيم من حصول حسد واشمئزاز في الولايات الأخرى من التحيز الذي أبدي تجاه أنظمة ولاية ما. إن أعداء الخطة إذ ذاك سيجدون أنفسهم وقد تزودوا بنص لطيف لإثارة حشد من الأحقاد المحلية ضد تلك الولاية، حشد ربما هدد وإلى درجة كبيرة وجودها النهائي وعرّضة للخطر.
ولتحاشي الإرباك في تعريف للقضايا التي يجب أن تشملها المحاكمة أمام هيئة محلفين يقترح بعض ذوي الطبائع الحماسية في بعض الأحيان، أنه كان ينبغي إدخال شرط لإقرار ذلك في جميع القضايا أياً كانت. وبخصوص ذلك أعتقد، أنه لا يمكن العثور على سابقة من هذا النوع في أي ولاية عضو في الاتحاد؛ وأن الاعتبارات التي تم إيرادها عند بحث اقتراح أقلية بنسلفانيا لا بد أن تقنع كل ذي عقل راجح أن وضع إقرار المحاكمة عن طريق هيئة محلفين وجعلها تنظر في جميع القضايا كان سيغدو غلطة في الخطة لا يمكن السماح بها ولا العفو عنها.
ومجمل القول: كلما زاد البحث فيها تبدّى قدر الجهد والتعب في مهمة تفصيل شرط بصيغة لا تعبر أقل مما ينبغي للوفاء بالهدف، ولا أكثر مما ينبغي أن يُنصح به؛ أو صيغة لا تفتح أبوابا أخرى للوقوف في وجه الهدف العظيم والمهم من الإتيان بحكومة وطنية حازمة.
وأنا أرى في غير مقدوري إلا أن أقنع نفسي بأن الأضواء المختلفة التي وضع فيها الموضوع في أثناء بحث هذه الملاحظات – سوف تنجح في إزالة مخاوف أصحاب العقول الخيّرة التي ربما راودتهم بصدد هذه النقطة. لقد ظهر ميلهم لأن يبينوا أن ضمان الحرية يهتم بصورة حقيقية فقط بالمحاكمة عن طريق المحلفين في قضايا الإجرام، الأمر الذي تم اشتراطه بأوضح أسلوب يستطاع في خطة المؤتمر؛ وأنه حتى في نسبة كبيرة من القضايا المدنية، والقضايا الأخرى التي يهتم بها قطاع كبير من المجتمع سوف تبقى تلك الطريقة في المحاكمة بكامل قوتها، كما قررت ذلك دساتير الولايات، دون مساس بها ولا تأثير عليها من جانب خطة المؤتمر؛ وأنه لن يتم إلغاؤها3 بموجب تلك الخطة من أية قضية؛ وأن هناك عقبات شاقة إن لم تكن عسيرة على التخطي في طريق وضع أي شرط صائب ودقيق لذاك النظام من المحاكمة في دستور يوضع للولايات المتحدة.
إن خير قضاة يحكمون في هذه المسألة لن يقلقوا كثيراً سعياً وراء إقرار دستوري بحق إجراء المحاكمة عن طريق المحلفين في القضايا المدنية، وسيكونون مستعدين تماماً لأن يوافقوا على أن التغيرات المتواصلة الحدوث في المجتمع قد تجعل طريقة مختلفة عن هذه لحسم قضايا الملكية هي الأفضل في قضايا كثيرة يسود فيها نظام المحاكمة عن طريق المحلفين في الوقت الحاضر. ومن جهتي الخاصة، أنا أعترف بأنني مقتنع أنه حتى في هذه الولاية (ولاية نيويورك)، قد يكون من الأفضل أن يتم توسيع نظام هيئة المحلفين ليشمل النظر في بعض القضايا التي لا تدخل فيها محاكم المحلفين في الوقت الحاضر، كما يكون من المفيد أن يتم تطبيق حدودها في قضايا أخرى، فالواقع أن جميع العقلاء يتفقون أن محاكم المحلفين لا يجوز أن تحصل في جميع القضايا. وبوسع أمثلة التجديدات التي تقلص حدودها القديمة في هذه الولايات كما في بريطانيا العظمى – أن توفر حجة قوية على أن توسعها السابق قد بات غير ملائم، كما يُُفسح المجال إلى افتراض أن تكشف التجربة في المستقبل صلاحية وجدوى استثناءات أخرى. وأنا أشك في أنه سيغدو مستحيلاً بحكم طبيعة نظام المحاكمة هذا، أن نضع حداً ظاهراً عنده يجب أن يتوقف عمل نظام المحاكمة بالمحلفين، وهذا في نظري مدعاة قوية لترك المسألة إلى بصيرة المجلس التشريعي وحسن تقديره.
لقد بات مفهوماً الآن أنه هو الحال القائمة في بريطانيا العظمى، ومثله كذلك في ولاية كونكتيكت؛ ومع ذلك فإنه يمكن التأكيد باطمئنان أن اعتداءات أكثر عدداً قد تمت على نظام المحاكمة أمام هيئة المحلفين في هذه الولاية منذ عهد الثورة، رغم أن النظام منصوص عليه في بند يثبته في دستورنا، أكثر مما حصل في الوقت نفسه في ولاية كونكتيكت أو بريطانيا العظمى. ويجوز أن يضاف إلى ما سبق أن تلك الاعتداءات قد نشأت أصلاً من جانب أشخاص يسعون جاهدين لإقناع الشعب بأنهم أقوى مدافعين عن حريتهم لكنهم نادراً ما واجهوا عقبات دستورية تعوق حريتهم في عمل محبوب. والحقيقة هي أن النبوغ العام لدى أي حكومة هو كل ما يستطاع الاعتماد عليه بصورة محسوسة ليترك آثاراً دائمة. ومع إن الشروط الخاصة ليست عديمة الجدوى تماماً فإن فيها فضيلة وفعالية أقل بكثير مما يُنسب إليها في العادة؛ وعدم وجود تلك الشروط لن يكون أبداً اعتراضاً جوهريا لدى رجال ذوي قدرة سليمة على التمييز، ولا حاسماً ضد أية خطة تتبدى فيها المزايا القيادية لحكومة جيدة.
ولا يبدو بصورة أكيدة أنه من القسوة أو الشذوذ أن نؤكد عدم وجود أمان لضمان الحرية في دستور يقر بكل صراحة نظام المحاكمة أمام المحلفين في قضايا الجنايات لأنه لا يقر ذلك في القانون المدني، في حين أنه من الواقع الداعي للدهشة أن ولاية كونكتيكت التي طالما اعتبرت أكثر ولاية شعبية في الاتحاد لا تفتخر بوجود نص دستوري على ذلك لكل من الحالتين.

بوبليوس
تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق