الأوراق الفيدرالية ورقة رقم: 81 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 28 مايو، 1788

المجهر نيوز


إلى أهالي ولاية نيويورك:
دعنا الآن نعود إلى تقسيم صلاحيات القضاء بين المحاكم المختلفة وعلاقات المحكمة الواحدة منها بالأخرى.
تستقر "السلطة القضائية في الولايات المتحدة" (في خطة المؤتمر) "في محكمة عليا، ومحاكم أدنى وفق ما يصدره الكونغرس من وقت لآخر ويأمر بإنشائه".
إن وجوب أن يكون هناك محكمة لها القضاء الأعلى والنهائي لهو فرض لم تتم معارضته حتى الآن، ومن غير المحتمل أن تبرز أية معارضة له في المستقبل. أما الأسباب الداعية لتلك المحكمة فقد تم تحديدها في موضع آخر من هذه الأوراق. وهي أوضح من أن تكون في حاجة إلى تكرار. لكن السؤال الوحيد الذي يبدو أنه قد أثير بخصوص ذلك هو: هل يتوجب أن تكون تلك المحكمة هيئةً متميزة أم فرعاً من الدائرة التشريعية؟ إن تناقضاً مماثلاً يمكن ملاحظته بخصوص هذه المسألة التي أشرنا إليها في عدة قضايا أخرى. فالأشخاص أنفسهم الذين يعترضون على مجلس الشيوخ بصفته محكمة للعقوبات، انطلاقاً من أرضية عدم صحة خلط السلطات – يحبذون بصورة ضمنية على الأقل، سداد تخويل القرار الأخير في جميع الخلافات، إلى مجلس التشريع، كله أو بعضه.
إن المناقشات، أو بالأحرى الاقتراحات التي تقوم عليها هذه التهمة هي: " أن سلطة المحكمة العليا المقترحة في الولايات المتحدة، والتي ستغدو هيئةً منفصلة ومستقلة، ستكون أعلى من سلطة المجلس التشريعي". إذ أن سلطتها في تأويل القوانين وفقاً لروح الدستور ستمكن تلك المحكمة من قولبة تلك القوانين بالصورة التي تراها مناسبة، وبخاصة أن قراراتها لن تكون بأية صورة خاضعة للمراجعة أو التصحيح من قبل مجلس التشريع ذاته. هذا أمر لا سابقة له كما أنه جد خطير. ففي بريطانيا، تستقر السلطة القضائية بصورة نهائية في مجلس اللوردات، وهو بدوره فرع من مجلس التشريع. هذا هو الجانب من الحكم البريطاني الذي تم تقليده في دساتير الولايات عندنا بصورة عامة. إن بمقدور برلمان بريطانيا العظمى ودساتير عدة ولايات هنا، أن تعدّل في أي وقت تشاء، وبصورة قانونية، القرارات الاستثنائية التي تتخذها المحاكم فيها. لكن الأخطار التي تقع فيها المحكمة العليا في الولايات المتحدة والاعتداءات التي قد تأتيها – ستكون غير قابلة للعلاج، ولا سيطرة عليها لأحد. وسيتبين عند التدقيق أن هذا يقوم على تعليل خاطئ نجم عن حقيقة أسيء فهمها.
ففي المقام الأول، ليس في الخطة موضوع البحث لفظ يخول المحاكم الوطنية، مباشرةً، أن تقوم بتأويل القوانين وفق روح الدستور، أو يعطيها أي أفق أوسع بهذا الخصوص مما يجوز أن تطالب به محاكم كل ولاية بمفردها. وأنا أقبل في كل حال أن يكون الدستور هو المقياس الذي تبنى عليه القوانين، وأنه حيثما يبرز تضارب واضح، يكون على القوانين أن تخلي مكانها لصالح الدستور. لكن هذه القاعدة لا يمكن استخلاصها من أية ملابسة بمفردها في خطة المؤتمر، بل من النظرية العامة في دستور محدّد، وبقدر ما هي صحيحة بقدر ما تنطبق على معظم حكومات الولايات، إن لم يكن عليها جميعاً. على هذا الأساس ليس هنالك أي اعتراض، إذن، على القضاء الفدرالي لا يكون اعتراضاً على القضاء المحلي بصورة عامة، ولا يخدم في إدانة كل دستور يحاول أن يضع حقوقاً لتمييز المجلس التشريعي.
غير أنه ربما ظن بعضهم أن قوة الاعتراض قد تنصب على التنظيم الخاص للمحكمة العليا المقترحة؛ من حيث كونها تتألف من هيئة قضاة منفصلة بدلاً من كونها فرعاً من فروع التشريع، كما هو الحال في حكومة بريطانيا العظمى وحكومة هذه الولاية (ولاية نيويورك). إن الإصرار على هذه النقطة يوجب على مقدمي الاعتراض أن يتخلّوا عن المعنى الذي جهدوا في إلحاقه بالبديهية المعروفة التي تتطلب الفصل بين دوائر السلطة الثلاث. ومع ذلك يجب التنازل إليهم، بكل رضا، عن التفسير الذي أوردناه لتلك البديهية في الأوراق، بخصوص أنه ليس هناك إخلال به عند تخويل السلطة النهائية في القضاء إلي قسم من هيئة التشريع. ومع أن هذا ليس إخلالاً مطلقاً بتلك القاعدة الرائعة، فإنه يلتف حولها تقريباً، كما في هذا المثال وحده، حتى يغدو أقل شرعية من النموذج الذي فضله المؤتمر. فمن هيئة كان لها توكيل جزئي في إمضاء قوانين سيئة، بالكاد نتوقع ميلاً لتلطيف تلك القوانين وتعديلها حال تطبيقها إذ أن الروح ذاتها التي نشطت في وضع تلك القوانين ستكون مستعدة تماماً لأن تنشط في تفسيرها، وأقل من ذلك أن يُتوقع منها أن يميل الأشخاص الذين حددوا هوامش الدستور بصفتهم مشرّعين – إلى إصلاح الثغرات بصفتهم قضاة. ليس هذا كل ما في الأمر. فكل سبب يحبذ دوام السلوك الحسن ممن يشغلون الوظائف القضائية يعمل ضد جعل السلطة القضائية، آخر الأمر، في يد هيئة من الأشخاص تم انتخابهم لفترة محددة. هنالك نوع من السخافة في إحالة الحكم في الخلاقات، أول الأمر، إلى قضاة دائمين في مناصبهم، وآخر الأمر، إلى قضاة مؤقتين يتقلب أمر تشكيلهم. وهناك سخافة أكبر من هذه تتمثل في إخضاع قرارات الأشخاص الذين تم انتقاؤهم على أساس معرفتهم بالقانون، التي اكتسبوها بعد دراسة طويلة ومضنية – إلى مراجعة ومراقبة أشخاص يجعلهم انعدام تلك الميزة عندهم مجبرين أن تكون معرفتهم أدنى وأقل. إن أعضاء المجلس التشريعي قلما يتم اختيارهم على أساس اتصافهم بالمؤهلات التي تؤهل الأفراد لأن يحتلوا مناصب القضاة وحيث إنه سيكون هناك سبب كاف للخشية من جميع ما يترتب على المعرفة الناقصة، وما تفرزه قوة الاندفاع الطبيعية لدى تلك الهيئات نحو الانقسامات الحزبية – فلن يكون هناك سبب أقل للتخوف من أن ينتقل النفس الوبائي للانقسام فيسمم منابع العدالة. إن عادة القيام بالمراقبة الموصولة على الأطراف المتعاكسة ستكون مستعدة تماماً لأن تفسد صوت القانون والإنصاف على السواء.
والحق أن هذه الاعتبارات تعلمنا أن نحيّي الحكمة لدى الولايات التي عهدت بالسلطة القضائية فيها، آخر الأمر، لا إلى قسم من هيئة التشريع، بل إلى هيئات من الأفراد متميزة ومستقلة. وعلى العكس مما يرفضه من صوروا خطة المؤتمر في هذه الناحية كبدعة لا سابقة لها، فالواقع أنها ليست أكثر من نسخة عن دساتير ولايات نيوهمبشاير، وماساشوستس، وبنسلفانيا، وديلاوير، وماري لاند، وفرجينيا، وكارولينا الشمالية، وكارولينا الجنوبية وولاية جورجيا، عن الأولوية التي حظيت بها هذه النماذج التي تستحق كل ثناء. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، ليس صحيحاً، أن برلمان بريطانيا العظمى أو مجالس تشريع الولايات عندنا تستطيع أن تعدل القرارات الإستثنائية التي تصدرها محاكمها الخاصة، بأي معنى آخر، أكثر مما يستطيع أن يفعل مجلس التشريع المقبل في الولايات المتحدة. ليس مسموحاً في بريطانيا ولا في دساتير الولايات، من وجهة نظرية – إعادة النظر في قانون تشريعي في حكم قضائي قد صدر. وليس هناك في الدستور المقترح ما يمنع ذلك أكثر مما في أي منهما. ففي حال بريطانيا كما في حال دساتير الولايات ههنا، يظل عدم سداد مثل ذلك وعدم انسجامه مع المبادئ العامة في القانون والمنطق هو الحائل الوحيد. ولا يستطيع المجلس التشريعي، دون تخطي مجال اختصاصه، أن ينقض قراراً تم اتخاذه في قضية معيّنة؛ لكنه يجوز له أن يحدّد قاعدة جديدة لقضايا مشابهة تحصل في المستقبل. هذا هو المبدأ. وهو يصدق بجميع ما يترتب عليه، بالطريقة نفسها بالضبط وإلى المدى نفسه أيضاً، على حكومات الولايات كما يصدق على الحكومة الوطنية موضوع البحث في الوقت الحاضر. ليس هناك أي فرق يمكن الإشارة إليه عند النظر إلى الموضوع من أي زاوية.
ربما يجوز أن نشير في المقام الأخير إلى أن الخطر المفترض من عدوان القضاء على صلاحيات التشريع والذي حصل ترداده في كثير من الأحيان، هو في الواقع مجرد شبح لا وجود له. نعم، قد حصل إساءات في التركيب وسوء تأويل لرغبات السلطة التشريعية بين الفينة والأخرى، لكن هذه يستحيل أن تكون على نطاق واسع حتى تبلغ درجة خلق متاعب أو تؤثر بأي درجة محسوسة في نوعية النظام السياسي. ويمكن استخلاص هذا بالتأكيد من كل من الطبيعة العامة للسلطة القضائية، والأهداف التي تتصل بها، والأسلوب الذي تتم ممارستها به، بل حتى من ضعفها النسبي، وعدم قدرتها الكلية على أن تساند عدوانها بالقوة. ويتم تعزيز الاستنتاج السابق وتمتينه بفضل الكابح الدستوري المهم الذي يوفره وضع قوانين العقوبات من لدن قسم من الهيئة التشريعية وجعل سلطة إقرارها لدى قسم آخر – إلى المجلس التشريعي، على أعضاء الدائرة القضائية. لن يحدث البتة خطر من أن يخاطر القضاة، عن طريق تجاوزات مدروسة على صلاحيات المجلس التشريعي، بإثارة غضب الهيئة المكلفة بالتشريع في حين أنها تمتلك الوسائل لمعاقبة وقاحتهم بتخفيض درجة مناصبهم. وفي حين أن هذا الأمر يجب أن يزيل جميع المخاوف المتعلقة بالموضوع، فإنه يقدّم في الوقت نفسه جدلاً مقنعاً لجعل مجلس الشيوخ دستورياً، محكمةً تنظر في قضايا التقصير والخيانة.
أما فقد ناقشنا الآن، بل أعتقد أننا أزلنا الاعتراضات من وجه تنظيم يكون متميزاً ومستقلاً للمحكمة العليا، فدعني أمضي إلى مناقشة سداد تشكيل المحاكم1 الأدنى منها والعلاقات التي ستقوم بين هذه المحاكم والمحكمة العليا السابقة.
المقصود من سلطة تشكيل محاكم أدنى من المحكمة العليا أن تريح من حاجة الرجوع إلى تلك المحكمة في كل قضية ذات اختصاص فدرالي. فالمقصود هو تمكين الحكومة الوطنية من أن تؤسس أو تخّول، في كل ولاية أو مقاطعة من الولايات المتحدة، محكمة يحق لها أن تصدر القرار حول أمور قضائية وطنية ضمن حدود تلك الولاية أو المقاطعة.
وهنا يسأل بعضهم: أما كان بالوسع إنجاز الغرض نفسه من خلال آلية محاكم الولاية؟ هذا سؤال يجوز تقديم إجابات مختلفة له. ومع أنه يجب افتراض صلاح وكفاءة تلك المحاكم بأوسع مدى، إلا أن حقيقة السلطة موضوع البحث تظل قائمة بصفتها جزءاً ضرورياً من الخطة، ولو لمجرد أن تخول الخطة السلطة التشريعية أن تكلّف تلك المحاكم الإطلاع على الخلافات التي تنشأ من الدستور الوطني. إن نقل سلطة الحكم في مثل هذه الخلافات إلى المحاكم القائمة في الولايات الحالية سوف يكون وكأنه "إضفاء الصبغة الدستورية على هذه المحاكم"، بل كأنه خلق محاكم جديدة ذات سلطة مماثلة. أما كان في الوسع وضع شرط مباشر أكثر وصريح أكثر لصالح محاكم الولاية؟ أنا أرى أسباباً حقيقية تقف ضد شرط من هذا النوع: فأعظم امرئ قدرةً على التبصّر يظل عاجزاً عن أن يتنبأ بالمدى الذي إليه ستكون سيادة الروح المحلية قادرة على جعل المحاكم المحلية غير أهل لإصدار الأحكام في الخلافات الوطنية؛ في حين أن بمقدور كل شخص أن يكتشف أن تلك المحاكم التي تشكلت مثل نظيراتها الموجودة في بعض الولايات لن تكون قنوات مناسبة للسلطة القضائية في الاتحاد. إن قضاة الولايات الذين يشغلون مراكزهم في أوقات عطلهم، أو من سنة إلى أخرى، سيكونون أقل استقلالية من أن يُركن إليهم تنفيذ صارم لا مرونة فيه للقوانين الوطنية. وإذا كان هناك ضرورة للعهدة بالنظر الأولي في الخلافات الناشئة ضمن تلك القوانين إليهم، فسوف تكون هناك ضرورة مقابلة لترك باب الاستئناف متاحاً وواسعاً قدر الإمكان. وبحسب الثقة أو عدم الثقة في المحاكم الفرعية – يجب أن يتم تسهيل أو تعسير حق الاستئناف. ولما كنت راضياً عن صوابية حق الاستئناف في عدة فئات من الخلافات التي تدخل ضمن ذلك الحق، حسب خطة المؤتمر – فإنني أعتبر كل شيء قد حُسب حسابه، عند التطبيق، وأن سيراً لا يلقى أية إعاقة سوف يكون مصدراً للمضايقات، العامة والخاصة على السواء.
إنني لست متأكداً من أنه لن يكتشف الجميع وجود حاجة ملحة وذات فائدة في أن يتم تقسيم الولايات المتحدة إلى أربع أو خمس أو ست مقاطعات، وإنشاء محكمة فدرالية في كل مقاطعة إن لم يكن في كل ولاية. ويجوز لقضاة هذه المحاكم، بمساعدة من قضاة الولاية، ان يعقدوا جلسات للنظر في الخلافات في مختلف أجزاء مقاطعات على التوالي. عن طريقهم يمكن إدارة العدالة بكل سهولة كما يمكن حصر الإطلاع والاستئناف بكل أمان في نطاق ضيق. وتبدو لي هذه الخطة في الوقت الحاضر أكثر مشروعية من أية خطة أخرى يتم تبنيها. ومن أجل الوصول إليها يكون من الضروري أن يتم النص على سلطة إنشاء محاكم أدنى بأقصى مدى لها، في الدستور المقترح.
أظن هذه الأسباب كافية لإقناع امرئ طيب النية، بأن غياب سلطة كهذه سوف يكون نقصاً كبيراً في الخطة. دعنا الآن نناقش الطريقة التي ستتوزع بها الصلاحية القضائية ما بين المحكمة العليا والمحاكم الأدنى في الاتحاد.
ستكون المحكمة العليا مخولة بالقضاء الأصيل (الأولي) فقط "في القضايا المتعلقة بالسفراء والنظار العامين الآخرين والقناصل، والقضايا التي تكون الولاية طرفاً فيها". إن الموظفين العامين من جميع الفئات هم الممثلون المباشرون لمن تعود إليهم السيادة. فجميع المسائل التي تخصهم متصلة بصورة مباشرة بالسلام العام، وبحكم صيانة ذلك السلام، وانطلاقاً من احترام السيادات والتي يمثلونها يغدو من الضروري والمناسب أن ترفع تلك المسائل أول الأمر إلى أعلى هيئة قضائية في الأمة. ومع أن القناصل ليس لهم طبيعة دبلوماسية بمعنى الكلمة، فإنهم، بحكم كونهم وكلاء عامين عن الدول التي يتبعونها، تنطبق عليهم الملاحظة ذاتها وإلى درجة كبيرة. ففي القضايا التي يصدف أن تكون الولاية طرفاً فيها، لن يتفق مع كرامتها أن تحال الدعوة إلى محكمة أدنى من المحكمة العليا.
ومع أن هذا قد يكون ذلك انحرافاً عن الموضوع المباشر لهذه الورقة فإنني انتهز الفرصة فأذكر هنا فرضيةً أثارت بعض القلق على أسس كلها خطأ محض… لقد اقترح بعضهم أن تعيين أجهزة الأمن العام في ولاية ما لخدمة مواطني الولاية الأخرى سوف يمكنهم من ملاحقة تلك الولاية في المحاكم الفدرالية حسب طاقة تلك الأجهزة الأمنية؛ وهو اقتراح تثبت الاعتبارات التالية أنه لا يقوم على أي أساس.
إن من الملازم لطبيعة السيادة أن تكون ذات حصانة ضد دعوى يقيمها الفرد بدون موافقتها. هذا هو المعنى العام والتطبيق السائد بين البشر؛ ويتم التخلي عن ذلك من قبل حكومة كل ولاية في الاتحاد بحكم أن التمتع بذلك الحق إحدى صفات السيادة ومن ثم، وإلى أن يكون هناك تسليم بهذه الحصانة في خطة المؤتمر ستظل الحصانة مع الولايات، ويظل الخطر المتصل بها مجرد خطر وهمي. وقد تم بحث الظروف الضرورية لخلق استبعاد سيادة الولاية حين بحثنا بند فرض الضرائب، فلا حاجة إلى تكرارها من جديد. إن العودة إلى المبادئ التي تم إقرارها سوف تقنعنا وترضينا إنه ليس هناك أي ميل أو نزوع لأن ندعي أن حكومات الولايات، بتبنيها تلك الخطة ستكون مجردة من امتيازات تدفع ديونها بطريقتها الخاصة، دون أي عقبة أو إعاقة إلا تلك التي تنبع من الالتزام بالنية الحسنة. والتعاقد بين دولة ذات سيادة وأفراد إنما يلزم ضمير صاحب السيادة فقط وليس من حقه ادعاء أنه قوة إجبارية. فهو لا ينقل أي حق في العمل مستقلاً عن رغبة السيد. فما هو الغرض الذي من أجله نفوض إقامة الدعاوى ضد الولايات بخصوص الديون التي هي في ذمتها؟ كيف يمكن استعادتها بالقوة؟ من الواضح أن ذلك لا يمكن فعله دون إعلان الحرب على الولاية المتعاقدة؛ ودون أن نخلع على المحاكم الفدرالية، ولو بصورة ضمنية ومن خلال تدمير حق قائم لحكومات الولايات – سلطة تنطوي على هذه النتيجة – سوف يكون أمراً قسرياً لا مبرر له.
دعنا نراجع مجموعة ملاحظاتنا. لقد شاهدنا أن النظر الأولي في القضاء في المحكمة العليا سيكون محصوراً ضمن فئتين من القضايا النادرة الحدوث بطبيعتها أما في جميع القضايا الأخرى التي تتطلب إطلاعاً فدرالياً عليها فإن القضاء الأولي يظل للمحاكم الدنيا؛ ولن يكون للمحكمة العليا ما يعدو قضاءً استئنافياً "مع استثناءات معيّنة ووفق تعليمات سوف يضعها الكونغرس".
إن صوابية هذا القضاء الاستئنافي قلّما أثير بحثها فيما يتعلق بشئون القانون؛ لكن الصخب كان عالياً ضدها كما تم تطبيقها في الواقع الفعلي. فبعض ذوي النوايا الحسنة في هذه الولاية، الذين يستقون اتجاهاتهم من اللغة والصيغ المستعملة في محاكمنا، قد دفعوا إلى اعتبار ذلك وكأنه نسخ ضمني للمحاكمة عن طريق المحلفين، ولصالح اتباع طريقة المحاكمة حسب القانون المدني التي تسود في محاكم الأدميرالية والمحاكم الشرعية الاستشارية. إن معنى دقيقاً قد ألحق بعبارة "استئنافية" وهو معنى عادة ما يستعمل في قانوننا الممتاز عند الإشارة إلى الاستئناف في سير القانون المدني. لكن، إذا صدقت معلوماتي فإن المعنى ذاته لن يعطي للفظة في أي جزء من ولاية نيوإنجلاند. هناك، نجد الاستئناف من هيئة محلفين إلى هيئة محلفين أخرى شيئاً مألوفاً في كل من اللغة والتطبيق، بل إنه الأمر الطبيعي وحتى يتم الحصول على قرارين لمصلحة طرف واحد في الدعوى. إن كلمة قابل "للاستئناف" إذن لن تفهم بالمعنى ذاته في ولاية نيوإنجلاند كما في ولاية نيويورك. ومن شأن هذا أن يوضح خطأ قبول التأويل النابع من قضاء أي ولاية بعينها. فالعبارة، حال أخذها تجريدياً، لا تشير إلى أكثر من صلاحية محكمة ما لأن تراجع إجراءات محكمة أخرى، إما من حيث موافقتها للقانون، أو واقع الحال، أو كليهما. ويجوز أن يستند عملها هذا إلى العادة المتبعة منذ وقت طويل أو إلى ما يشترطه التشريع. (وفي حكومة جديدة) يجب أن يستند إلى (العُرف القديم)، ويجوز أن يحصل بمساعدة المحلفين أو بدون مساعدتهم، كما تستدعي الحاجة والنصيحة. فإذا ما استدعى الأمر أن تطلب إعادة المحاكمة عن طريق المحلفين، بموجب الدستور المقترح، في واقعة سبق أن صدر حكم فيها، بموجب الدستور المقترح، فإنه يجوز قيدها وكأنها قد تمت على يد هيئة محلفين ثانية، إما بإعادة الخلاف إلى المحكمة الأدنى لإجراء محاكمة جديدة، أو عن طريق توجيه مذكرة تصدر مباشرة من طرف المحكمة العليا.
لكنه لا يلزم من ذلك أنه سوف يسمح بإعادة بحث قضية سبق أن نظرتها هيئة محلفين للنظر في المحكمة العليا. ويجوز أن يقال، وبأعظم سداد في القول: ولكن، حين يقع خطأ في الكتابة من محكمة دنيا تجلب القضية إلى محكمة عليا في هذه الولاية، فلماذا تصدر المحكمة الأخيرة حكماً في القضية تكون له قوة القانون؟ صحيح أنها لا تستطيع مباشرة تحقيق جديد بخصوص الواقعة، لكنها تقبل الإطلاع عليها كما هي في السجل، وتصدر الحكم القانوني المترتب على ذلك. إن هذا حكم على الواقعة كما هو على القانون؛ وليس من الممكن الفصل بينهما بأية صورة. ومع أن محاكم القانون العام في هذه الولاية تتأكد من صحة الوقائع المختلف عليها عن طريق هيئة محلفين، فإنها لا شكّ تصدر أحكامها بناءً على الوقائع ونص القانون. وتبعاً لذلك، فهي حين توافق على وقائع الدعوى فإن تلك الدعوى لا تعاد إلى هيئة المحلفين بل يتم تقديمها مباشرة لإصدار الحكم فيها. وأنا أجادل إذن، على هذا الأساس، في أن عبارات "حكم قابل للاستئناف، شكلاً ومضموناً" لا تتضمن بالضرورة إعادة نظر المحكمة العليا في الوقائع التي أصدرت هيئة المحلفين في المحاكم الدنيا حكماً فيها.
وللمرء أن يتخيل أن المجموعة التالية من الأفكار قد أثرت في المؤتمر بخصوص هذا الشرط بعينه. فالحكم القابل للاستئناف لدى المحكمة العليا (كما يمكن النقاش) سوف يمتد إلى الخلافات الخاضعة للحكم فيها بأي من الأساليب المختلفة، بعضها بموجب القانون العام، والبعض الآخر بموجب القانون المدني. ففي حال القانون العام ستكون مراجعة القانون وحده، بصورة عامة، هي المجال المناسب للمحكمة العليا، أما في حال القانون المدني فإن إعادة النظر في وقائع القضية هي الأمر المقبول. وفي بعض القضايا مثل تلك التي تكون فيها المخالفات مخالفات كبرى، تغدو إعادة النظر أمراً أساسيا للحفاظ على السلم العام. لهذا، إذن، يكون من الضروري أن تتسع الأحكام القابلة للاستئناف، في قضايا خاصة، حتى تشمل أمر الواقعة فعلاً. وليس مما يلبّي هذا أن نورد استثناء خاصاً للقضايا التي سوف تجري محاكمتها أصلاً على يد هيئة محلفين، لأنه يتم النظر في محاكم بعض الولايات في جميع الخلافات بهذا2 الأسلوب؛ فسيكون معنى استثناء كهذا أن يبطل إعادة النظر في الوقائع، حيث يكون هذا هو الصواب، وحيث لا يكون الأمر كذلك أيضاً ولتحاشي جميع هذه المتاعب والمضايقات سيكون أسلم لنا أن نعلن بصورة عامة، أن للمحكمة العليا حق قبول الاستئناف في الحالتين من حيث النظر في القانون والنظر في الوقائع، وأن حكمها هذا سيكون خاضعاً للاستثناءات والتعليمات التي يُعينها مجلس التشريع الوطني. ومن شأن هذا أن يمكن الحكومة أن تهب الحكم كيفيةً تلبي أهداف العدالة العامة والأمن أفضل من غيرها.
إن هذه النظرة إلى الأمر، على كل حال، تجعل من غير المشكوك فيه أن يغدو الإلغاء المفترض للمحاكمة بواسطة هيئة المحلفين، جراء إعمال هذا الشرط، لاغياً وغير صحيح. أن لسلطة التشريع في الولايات المتحدة؛ بكل تأكيد، كامل الحق في أن تشترط، حال رفع الاستئناف إلى المحكمة العليا، ألا يكون هناك إعادة نظر في الوقائع التي تم نظرها أصلاً من قبل هيئة محلفين. وسيكون هذا استثناء مسموحاً به. أما، إذا تم للسبب الذي سبق ربطه به، فإنه سيعتبر أكثر شمولاً مما ينبغي. فبالوسع توصيفه بتقييد يقصره فقط على الخلافات التي يمكن الحسم فيها بموجب القانون العام بذلك الأسلوب من المحاكمة (أسلوب القانون العام).
إن كمية الملاحظات التي قدمتها حتى الآن حول سلطة الدائرة القضائية هي ما يلي: أنه قد سبق وتم قصرها بكل عناية على تلك الخلافات التي من الأنسب والواضح جعلها من اختصاص القضاء الوطني وأنه عند تقسيم هذه السلطة تم الاحتفاظ بجزء ضئيل من القضاء الأولي للمحكمة العليا فيما أبقي الجزء المتبقي من اختصاص المحاكم الفرعية؛ وأن المحكمة العليا سوف تمتلك حق قبول الاستئناف، شكلاً ومضموناً على السواء، في جميع القضايا التي تحال إليها، لكنها خاضعة لأية استثناءات وتعليمات يجوز النصح بها؛ وأن هذا القبول بالاستئناف لن يلغي بأية صورة المحاكمة عن طريق المحلفين؛ وأن درجة عادية من الحكمة والنزاهة في المجالس الوطنية سوف تضمن لنا فوائد حقيقية من إنشاء المحاكم المقترحة دون تعريضنا إلى أية متاعب تم التكهّن بها من ذلك الجانب.

 
تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق