الأوراق الفيدرالية ورقة رقم: 75 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 26 مارس، 1788

المجهر نيوز


إلى أهالي ولاية نيويورك:
للرئيس السلطة "بنصيحة من مجلس الشيوخ وبموافقته أن يعقد معاهدات شرط موافقة ثلثي الشيوخ الحاضرين على ذلك". مع أن هذا الاشتراط قد هوجم على أكثر من أرضية واحدة؛ وبدرجة غير قليلة من العنف، فأنا لا أتردد في إعلان اقتناعي الجازم أنه اشتراط من أفضل ما تم هضمه، وأكثر أجزاء الخطة عدم قابلية للاستثناء. وأحد أركان الاعتراض هو مسألة اختلاط السلطات بشدة: فالبعض يجادل في أن الرئيس لوحده كان يجب أن يحوز سلطة عقد المعاهدات، فيما يرى آخرون وجوب أن يستقر ذلك الحق في يد مجلس الشيوخ وحده. هذا أحد مصادر المعارضة، أما المصدر الآخر فينبع من الاعتراض على قلة عدد الأفراد الذين يقومون بصياغة المعاهدة. وبين الذين يناصرون هذا الاعتراض نجد فئة ترى أنه كان على مجلس الممثلين أن يُشرك في العمل، فيما ترى فئة أخرى أنه لم يكن هنالك ما هو أكثر ضرورة من أن يتم استبدال ثلثي جميع أعضاء مجلس الشيوخ بثلثي الأعضاء الحاضرين. ولما كنت أخدع نفسي فأزعم أن الملاحظات التي تمت الإشارة إليها في الورقة السابقة بخصوص هذا الجزء من الخطة لا بد أنها كافية في وضعه أمام عين قادرة على التمييز، وفي وضع مشجع جداً – فإنني أقنع هنا بتقديم بعض الملاحظات المساعدة، مع النظر في الأصل إلى الاعتراضات التي ذكرتها قبل قليل.1
أما بخصوص اختلاط السلطات فإنني استند إلى التفسيرات التي سبق وقدمت في مواضع أخرى2 حول المعنى الحقيقي للقاعدة التي ينهض الاعتراض على أساسها؛ وسأفترض أمراً مفروغاً منه. كنتيجة تتحصل من تلك التفسيرات، أن ضم الرئيس ومجلس الشيوخ معاً في بند المعاهدات ليس حاشية هامشية لتلك القاعدة؛ بل أجدني أتجرأ وأضيف أن الطبيعة الخاصة لسلطة عقد المعاهدات تشير إلى صوابية شديدة في ذلك الجمع بين الرئيس والمجلس. ومع أن عدة كتاب صنّفوا في موضوع الحكم، يضعون تلك السلطة في فئة السلطات التنفيذية، فإن ذلك بصورة جلية ليس إلا ميلاً تعسفياً لديهم؛ لأننا إذا ما انتبهنا جيداً لإعماله، فسنجد أنه ينال جانباً من السلطة التشريعية أكثر مما ينال من الطبيعة التنفيذية، وإن كان لا يبدو أنه يقع بصورة جازمة ضمن تعريف أي منهما. إن روح السلطة التشريعية هو إصدار القوانين، أو بكلمات أخرى، تحديد القواعد اللازمة لتنظيم المجتمع؛ في حين أن تنفيذ تلك القوانين، واستخدام قوة المجتمع سواءً لهذا الهدف أو للدفاع العام، تشمل جميع وظائف ومهمات الموظف التنفيذي. إن سلطة عقد المعاهدات، ليست بكل بساطة، لا هذه ولا تلك. إنها لا تتعلق بتنفيذ القوانين ولا بإصدار قوانين جديدة، وأقل من ذلك تعلقها باستخدام قوة المجتمع. إن ما تتعامل به هي عقود واتفاقيات تتم مع الأمم الأجنبية ويكون لها قوة القانون، لكنها تنبع أصلاً من الالتزام بالنية الحسنة. إنها ليست قواعد وضع مواصفاتها السيد المسيطر على تابع له، بل اتفاقيات بين سيد مستقل وسيد مستقل آخر. من ثم فإن السلطة موضوع البحث تشكل دائرة متميزة، لا تعود، بصورة سليمة، لا إلى السلطة التشريعية ولا إلى الرئيس. لكن الصفات التي تم تفصيلها في مكان آخر على أنها صفات لا غنى عنها في ترتيب وإدارة المفاوضات الخارجية تشير إلى أن الرئيس هو الأداة الأفضل من غيرها للقيام بتلك الصفقات؛ في حين أن أهمية الأمانة وقضية اعتبار المعاهدات بمثابة قوانين – تستلزم إشراك كل أعضاء المجلس التشريعي أو بعضهم في مهمة عقد تلك الاتفاقيات.
وأياً كان قدر الصحة أو السلامة في الحكومات التي يكون فيها الموظف التنفيذي الأعلى ملكاً وراثياً يُعهد إليه بالسلطة الكاملة في عقد المعاهدات، فسيكون من غير الأمين كليةً، وغير السداد أيضاً، أن يعهد بتلك السلطة إلى موظف انتخابي مدة رئاسته أربع سنوات لا أكثر. وقد أثيرت، في مناسبة أخرى ملاحظة أجدها ملاحظة عادلة دون ريب، تقول: مع أن الملك الوراثي، يضطهد شعبه في كثير من الأحيان، فإنه يظل على الدوام عرضة لأن يواجه خطراً حقيقياً من أن تفسده الدول الأجنبية. أما رجل تم رفعه من مرتبة مواطن نفر إلى مرتبة قاض أعلى في بلده، لا يحوز إلا ثروة معتدلة أو ضئيلة، ويتطلع إلى الأمام، إلى فترة ليست بعيدة في الزمن قد يُجبر بعدها على العودة إلى الموقع الذي أخذ منه، قد يوضع أحياناً تجاه الإغراء بأن يضحي بواجبه لمصلحة فائدته الشخصية، فذاك أمر يتطلب نزاهة فائقة جداً للمقاومة والصمود. إن رجلاً ذا جشع قد يسهل إغراؤه لأن يخون مصالح الدولة في سبيل أن يحوز ثروة لنفسه. ورجلاً ذا طموح قد يحصل على أطماعه بمساعدة تقدمها له دولة أجنبية بصفتها ثمن خيانة لمواطنيه. ولا يسوّغ تاريخ السلوك البشري ذلك الرأي الرفيع في النزاهة، الذي يجعل من الحكمة لدى أمة أن تعهد بمصالحها الدقيقة والظرفية، مثل تلك التي تهم اتصالاتها مع بقية العالم – إلى مجرد طرد موظف تم إبرازه، ووضعه في ظروف مثل ظروف رئيس الولايات المتحدة.
لو تم العهد بسلطة عقد المعاهدات إلى مجلس الشيوخ وحده لكان معناه التخلي عن الفوائد الناتجة عن التوكيل الدستوري للرئيس في شئون المفاوضات الأجنبية. صحيح أن مجلس الشيوخ، في تلك الحال، سوف يكون له الخيار في استخدام الرئيس بصفته رئيساً، لكن أعضاء المجلس بدورهم سيكون لهم الخيار أيضاً في أن يتركوا القضية لوحدها، كما أن الغش والاحتيال سوف يغريهم أكثر مما يغري الرئيس. وعلاوة عن هذا فإن أحداً لن يتوقع من المفوض الذي ينتدبه مجلس الشيوخ للقيام بالمهمة أن يتمتع بالثقة والاحترام في نظر الدول الأجنبية بالقدر نفسه الذي يتمتع به الممثل الدستوري للدولة؛ وبطبيعة الحال لن يكون ذلك المفوض قادراً على التصرف بدرجة مساوية في الأهمية ولا الفعالية. وفي حين أن الاتحاد بفعل هذا السبب سوف يفقد خبرة كبيرة في تدبير مشاكله الخارجية فإن الشعب سوف يخسر الضمانة الإضافية التي تحصل لديه بفضل تعاون الرئيس. ومع أن سيكون من غير الحكمة أن يعهد إلى الرئيس بمفرده بأمانة مهمة مثل هذه، فليس هناك شك في أن مشاركته في حمل الأمانة سوف تزيد، بصورة محسوسة، في قدر السلامة التي ينشدها المجتمع. ومن الواجب أن يكون واضحاً بصورة جلية أن حيازة مشتركة للسلطة موضوع البحث موزعة بين الرئيس ومجلس الشيوخ، تتيح قدراً أكبر من الضمان من حيازتها من جانب أي منهما لوحده. إن أي امرئ يزن تلك الظروف بقدر من النضوج، أعني الظروف التي يجب أن يتم الاتفاق فيها على تعيين الرئيس – سيقتنع تماماً أن ذلك المنصب سيظل على الدوام يشغله أشخاص يتمتعون بقدرات تجعل الاتفاق في صياغة المعاهدات مرغوباً فيه بصورة خاصة من حيث الحكمة والنزاهة.
وتصدق الملاحظات التي أبديت في النقطة السابقة والتي تمت الإشارة إليها في موضع آخر من هذه الورقة،3 بقوة قطعية ضد القبول بمنح مجلس الممثلين نصيباً في صياغة المعاهدات. ذلك أن التقلب، وأخذ الزيادة المستقبلية بعين الاعتبار، وضخامة عدد ذلك المجلس – لا تسمح للمرء أن ينتظر أن تتوفر فيه تلك الصفات التي هي أساسية في تنفيذ أمانة من هذا الصنف بصورة صائبة. إن معرفة دقيقة وشاملة بالسياسات الخارجية، والتزاماً ثابتاً ومنتظماً بالآراء ذاتها، وحساً مرهفاً ومنسجماً بالشخصية الوطنية؛ والحسم والسرية، والتوصيل، صفات لا تتفق مع عقلية مجلس متنوع كبير العدد. إن التعقيد بذاته في العمل، بحكم إدخال الحاجة إلى التوافق ما بين مجالس كثيرة مختلفة الرأي يوفر اعتراضاً صلباً. فكلما تكرر استدعاء مجلس الممثلين، وزاد طول الوقت الضروري لإبقائه في حالة انعقاد، للحصول على موافقة الأعضاء، في المراحل المتعاقبة من إجراءات المعاهدة – بات ذلك مصدراً للمتاعب، وباب كلفة كبيرة تكفي لوحدها لإدانة ذلك المشروع والحكم عليه.
إن الاعتراض الوحيد الذي يبقى علينا بحثه هو ذلك الاعتراض الذي يستعيض عن كامل أعضاء مجلس الشيوخ بثلثي الحاضرين منهم. وقد بينا ضمن العنوان الثاني من تساؤلاتنا أن جميع الشروط التي تتطلب أكثر من أكثرية أي مجلس لإصدار قراراتها تكون ميالة إلى إرباك عمل الحكومة بصورة مباشرة، وإلى إخضاع مشاعر الأكثرية لمشاعر الأقلية بصورة غير مباشرة. ويبدو هذا الاعتبار كافياً لتقرير رأينا في أن المؤتمر ذهب بعيداً في جهده لضمان ميزة العدد في صياغة المعاهدات،4 بالقدر الذي يمكن التوفيق بينه وبين نشاط المجالس العامة أو الاحترام المعقول للمشاعر الرئيسة عند المجتمع, لو طُلب ثلثا كامل عدد الأعضاء، لبات ذلك في الواقع، في كثير من الحالات، ولعدم حضور بعضهم – يعني ضرورة حصول الإجماع، ونحن نعلم أن تاريخ أي مؤسسة سياسية ساد فيها هذا المبدأ هو تاريخ العجز والارتباك والفوضى. ويمكن استخلاص البراهين على هذا الموقف من أمثلة كل من محاكم التربيون الرومانية، ومجلس الرياط البولندي، وسكرتير الولايات في الأراضي الواطئة، مما يجعل ضرب مثال جديد عندنا أمراً لا حاجة إليه.
أما طلب نسبة ثابتة من مجموع عدد المجلس فلن يكون، بأي احتمال، إسهاماً مناسباً لجني الفوائد التي تترتب على توكيل المجلس بكامله أكثر من طلب نسبة من الأعضاء الحضور. فالأولى تزيد من صعوبة الحصول على قرارات لا ترتضيها الأقلية، مما ينقص دوافعها إلى المواظبة على الحضور. والثانية تجعل قدرة المجلس تعتمد على نسبة متغيرة، بحسب تباين حضور أو غياب عضو فرد، مما يخلق أثراً معاكساً. ولما كان علينا عن طريق زيادة المواظبة أن نميل إلى إبقاء المجلس كله منعقداً، فإن هناك احتمالاً كبيراً أن تكون القرارات التي يتخذها المجلس يمليها بصورة عامة، عدد كبير في هذه الحال؛ كما في الحال الأخرى، في حين سيكون العدد أقل كثيراً إذا ما حصل أي تأخير. ولا يجوز أن نغفل عن أنه، في ظل الكونفدرالية الحالية يجوز لعضوين اثنين أن يمثلا ولاية ما، بل إن ذاك واقع كامل؛ ولذلك يجوز أن يتألف الكونغرس الذي تستقر في يديه وحده جميع السلطات في الاتحاد – من عدد من الأعضاء لا يكاد يتجاوز عدد أعضاء مجلس الشيوخ المقصود. فلو أضفنا إلى هذا أن الشيوخ الأعضاء يصوتون على أساس ولاياتهم، وأنه حيث يكون عضو واحد حاضراً من ولاية ما، فإن صوته يضيع، وهذا يبرر افتراض أن الأصوات الفاعلة في مجلس الشيوخ حيث يتم تصويت الأعضاء بصورة فردية، نادراً ما تنقص من حيث العدد عن الأصوات الفاعلة في الكونغرس القائم، وأخذنا في حسباننا، ضم هذه الاعتبارات إلى تعاون الرئيس، فإننا لن نتردد في استخلاص أن الشعب في أمريكا سيجد ضماناً ضد سوء استخدام السلطة عند عقد المعاهدات بموجب الدستور الجديد – أكبر من الضمان الذي يتمتع به في ظل الكونفدرالية. وحين نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة ونتطلع إلى الزيادة المحتملة في عدد أعضاء مجلس الشيوخ في المستقبل، بفضل قيام ولايات جديدة – فإننا لن ندرك قدراً واسعاً من الثقة في كفاية عدد من نعهد إليهم لتلك السلطة، بل ربما قادنا ذلك إلى استنتاج مفاده أن مجلساً أكثر عدداً من مجلس الشيوخ الحالي سيكون أقل قدرة بكثير على تصريف شئون الأمانة المعهودة إليه بشكل سديد.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق