الحلم والأسطورة وروح «بالميرا» في لوحات الفنان السوري شفيق اشتي

المجهر نيوز

افتتح مساء الثلاثاء الماضي، بجاليري «اورفلي» في عمان، معرض «روح بالميرا» للفنان السوري د. شفيق اشتي، وقد احتوى المعرض على 47 عملاً فنياً كانت شاهدة على خبرة السنوات الطويلة وحساسية الفنان الذي يتمتع بطزاجة الرؤية والتعبير حيث استطاع أن يوجد لنفسه أسلوباً فنياً وعالماً خاصاً من الفن الجميل الذي لا تخطئه العين في أن تنسبه إليه، بأسلوبه الخاص، الذي وصل فيه الفنان اليوم درجة الأستاذية على تقنيته المفضلة التي اختارها من البداية وكان أميناً لها فأعطته الكثير من أسرارها وهي ألوان الأكريليك والزيتي ومواد أخرى، حيث قام الفنان من خلال تلك التقنية باستعادة روح «بالميرا» روح المكان في «تدمر» الموغلة في القدم، وقد أظهر على مسطحات لوحاته، العمائر والخرائب والأطلال، والناس والحيوانات… هذه العناصر التي تشكّل كتلة شامخة لوحدة العناصر. تكشف عن دلالة أساسية اعتمد عليها الفنان وهي دلالة تجسيد الرمز البطولي، الرمز/ الماضي، رمز انتصار الإنسان. كما عمل الفنان اشتي من حلال لوحاته على تجسيد المغزى العميق للماضي من خلال التأكيد على الأسطورة؛ حيث سعى عبرها أن يحقق مضمونه الإنساني المعاصر. كما لم تفقد مشخصاته قدرة التحدي لما يحيط بها من أسباب الخراب والدمار، ولهذا اختار الفنان اشتي (تاج تدمر) مثلا، رمزا للتعبير عن انتصار عدالة الإنسان… وهو بذلك يعيد تكوين الحكاية التاريخية وفق رؤيته لها، ووفق وعيه لعملية استلهام الجانب القصصي البطولي من خلال تركيزه على الإنسان باعتباره المحرك الأول وصانع التاريخ ومغير الحياة.
لقد حاول الفنان اشتي أن يغني تجربته الفنية عندما استلهم من روح بالميرا ذات العلاقة العميقة بالواقع، وبالمشاعر الإنسانية بعض الرموز الحية مثل: الطائر، والثور، والحصان، والأسد.. وهي رموز تمثل القوة، والتحدي، والصراع.. هذه الرموز التي قام اشتي بإعادة توظيفها على مسطح لوحاته بما يناسب العصر، لم تكن قيمة مجردة وإنما هي قدرة على إعطاء الرموز بعدها المتجدد، لذلك خلقت هذه الرموز معادلا بين الحكاية المأساوية والرموز التي تخدمها وتناقضها؛ وهنا نجد أنه في تصويره مثلا للحظة الموت لحظة « الشهادة « التي هي من واقع الأمر لحظة هجران قاسية.. تزفه ترانيم جنائزية طالما رددها في ألوانه.. وخطوطه..سواء في الخلفية أو في تجسيد الظل والنور.
كما عكست ثقافة الفنان اشتي التي مثّلت مُحفزًا إبداعيًا في تجربته التشكيلية التي تميزت بتنوع التقنية وبتنوع المنتج الفني الذي اشتمل على عناصر مختلفة؛ حيث مزج فيها بين التعبيرية وسحر اللحظة في إيقاع حركي مميز يجافي الصمت والسكون المخيم عليها، وهي عبارة عن كتل ذات رسوخ وثقل يتمشى مع الحالة المستحوذة على روحها التي تحمل في طياتها موسيقى اشتملت على لحظات معبرة عن الحزن، والفجيعة، والخوف، والحب، والموت، وطلب الخلاص، وبلغة درامية تحدثنا شخوصه المفعمة بالإثارة والمنطوية على شحنة تشكيلية وسيكولوجية ذات طابع مأساوي عن لواعج الألم الكامن في أعماقها.. وبالتالي فنحن إزاء رحلة إلى داخل العمل الفني ومكوناته، رحلة إلى داخل الإنسان وأسراره التي كشف عنها الفنان ببعد جمالي. وبالرغم من القصص والحكايات التي تبدو في لوحات شفيق اشتي وإيحاءاتها الإنسانية المصممة وفق قواعد حسابية تشحذ فكر المتلقي وتمتع عقله وتفعل بنفسه ما تفعله الموسيقى الرفيعة، إلا أنها جاءت أكثر إحكاما من ناحية التشكيل ومتطلبات التوازن في اللون والتصميم والخط والإيقاع، مما جعلها ذات نكهة تعبيرية إنسانية مثيرة بهيئتها البنائية وألوانها المتعددة المتباينة التي أضفت على موضوعات لوحاته حيوية فياضة فكانت الأضواء تخفت أحيانًا وتشع أحيانًا أخرى، وكأنها ومضات براقة من ظل ونور تتلاحم مع الأشكال الآدمية أو الحيوانية أو العمرانية فنراها تؤكد الشكل ثم تبعده في حوار فني ثري جعلها قادرة على اجتذاب العين وشد انتباه المشاهد، وهذا يدل على حنكة فنان مقتدر ومتمكن.
أخيرًا، قدم الفنان اشتي من خلال هذا المعرض تجربة إبداعية مهمة كشفت عن مقدرة ذهنية متفدة تتوازى معها تجربة تنظيرية ودورًا ثقافيًا هامًا في الحركة التشكيلية السورية بشكل خاص والعربية بشكل عام، كما لم يترك لنا الفنان اشتي الذي يدفع الفن إلى الأمام في صمت بعيد عن الأضواء؛ شيئًا نسأل عنه: وجهًا، أو مكانًا، أو حدثًا.. إلا أسقطه على مسطح لوحاته..

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق