د. هشام أحمد فرارجة: على حافة الهاويةْ مآلات الحرب التجارية المستعرة بين ترامب والصين

المجهر نيوز

د. هشام أحمد فرارجة

  تخضع العلاقات الدولية بين الامم لاعتبارات المصلحة الوطنية حسبما تراه كل دولة يخدم أهدافها، على الاقل من الناحية النظرية. وما يميز دولة عن اخرى في تحديدها لمصلحتها الوطنية، بالدرجة الرئيسية، هو كيفية صياغة المصلحة، وأيضا اعتمادا على من يساهم في رسم معالم تلك المصلحة.

  ففي بعض الدول، ينحصر تحديد ماهية المصلحة في شخصية الحاكم الفرد المتفردّ، الذي يعتبر الاعرف، والادرى والافهم بما يخدم مجتمعه. وفي مثل هذه الحالات، يركز القائد، الذي يرسم لنفسه صورة بأنه الفذ الملهم، على تدعيم ما يحافظ على ركائز وأدوات حكمه، سواء كانت عسكرية، أمنية، اعلامية، اقتصادية، أو نفسية تعبوية.

  وفي حالات اخرى، تتصدر نخبة من الافراد المتنفذين عملية بلورة مفهوم المصلحة الوطنية في بلدانهم، بحيث تجدهم يحتكرون معظم، ان لم يكن جميع، ما في دولهم من أدوات القوة، بمختلف أشكالها، بهدف الحد من ظهور منازعين لهم على النفوذ، ومن ثم، على تحديد ما تعنيه المصلحة الوطنية بالنسبة لهم. وفي الدول التي يحتكم فيها لآراء النخبة في تحديد معنى المصلحة الوطنية، تنشأ عادة المؤسسات التي تعنى باعطاء الانطباع بايجاد علاقة ترابطية مستمرة بين عامة الناس، من ناحية، وأعضاء النخبة، من ناحية اخرى، وذلك بهدف اضفاء الشرعية على كل ما تقوم به النخبة من نشاطات وما تساهم في اتخاذه من قرارات. وفي غالب الاحيان، تجد المنطلقات في مثل هذه الحالات أكثر ما تكون عقائدية، أيديولوجية، حيث تحتكر النخبة أنظمة الحكم ورسم السياسات، اعتمادا على ما تُعرّفه هي بالمصلحة الوطنية.

  وفي نوع آخر من الدول، تتغنى أنظمتها السياسية بكونها ديمقراطية تشاركية، يستطيع في ظلها كافة المواطنين المساهمة في تقرير مفهوم المصلحة الوطنية، عن طريق الانتخابات، والانخراط في مؤسسات فاعلة بهذا الخصوص، والتعبير الحر عن الرأي للتأثير في صناعة القرارات المنبثقة عن، والتي ينبثق عنها، مفهوم المصلحة الوطنية. وتحت حكم مثل هذا النوع من الانظمة السياسية، يمكن لعامة الناس، تبعا لطبيعة الثقافة السياسية السائدة بينهم، أن يؤثروا في بلورة السياسات العامة، دعما للنظام الحاكم، أو احتجاجا على ممارساته.

  وأيا كان نوع النظام السياسي المعمول به، فان مفهوم المصلحة الوطنية السائد يؤثر تأثيرا مباشرا في مختلف جوانب حياة المواطنين، كونه ينعكس بتأثيراته على درجة الاستقرار التي تحيط بهم، وعلى مدى توافر سبل العيش الكريم لهم، أو عدمه، وكذلك على ما يربط بلدهم مع غيرها من البلدان من علاقات تعاونية، أو تنافسية. بمعنى آخر، فان مفهوم المصلحة السائد في بلد ما هو الذي يقرّر، أكثر من غيره من العوامل، حالة السلم أو الحرب التي يمكن للبلد أن ينعم بها، أو يضجر منها.

  ففي مجتمع غربي، كالمجتمع الامريكي، حيث مفهوم المصلحة الوطنية، بمكوناتها المادية، تطغى على أية اعتبارات اخرى، كان مؤسس المدرسة الواقعية، والذي يعتبر الاب الروحي لها، هانس مورغنثاو قد أكد بشكل لا ضبابية فيه بعد الحرب العالمية الثانية، في كتابه الهام والشهير “السياسة بين الامم” أن أهم محدد للسياسة الخارجية لبلد ما هو ما تعرّفه لنفسها من مصلحة وطنية. وفي معرض تحليله لمنطلقات، ومكونات، وكيفية بلورة، وانعكاسات مفهوم المصلحة الوطنية، يوضح مورغنثاو أن الحالة الصراعية في العلاقات الدولية تملي على الولايات المتحدة ضرورة تطوير أدوات قوتها، لا سيما العسكرية منها، لتحافظ على تفوقها وأفضليتها بين باقي الدول. وان كان مورغنثاو قد ركز في معرض تناوله للطبيعة الصراعية في العالم على أدوات القوة العسكرية بشكل خاص، بسبب تعاظم حدة الحرب الباردة، مباشرة بعد انتهاء زواج المصلحة أثناء الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اّلا أن منظّرين آخرين لنفس المدرسة الواقعية، وان باشتقاقات مغايرة، جاءوا لاحقا ليؤكدوا على مركزية أدوات قوة اخرى، خاصة الاقتصادية منها، اضافة الى الادوات العسكرية. وكان من أبرز هؤلاء المنظرين روبرت غيلبين الذي التقط أهمية ما أحدثته ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية من تطور اقتصادي وتكنولوجي هائل، رغم ما حل بهما من دمار محقق أثناء الحرب العالمية. فغيلبين كان من بين أولئك الذين بدأوا ينبهون صناع القرار وراسمي السياسات في الولايات المتحدة الى أن احداث التفوق العسكري لوحده قد لا يؤتي الثمار المرجوة، اذا لم يترافق معه تفوق اقتصادي، كذلك. فرغم ما حل بألمانيا واليابان من هزيمة كبرى في الحرب العالمية، اّلا أنهما تمكنتا من اللحاق بالولايات المتحدة اقتصاديا، بل والتنافس معها، ومن ثم الاقتراب من التفوق عليها، في فترة تقل عن عقدين من الزمن.

  هذه الطفرة في الاجتهادات والتفسيرات لما قامت عليه المدرسة الواقعية من مبادئ، هذه المدرسة التي تعتبر ركيزة السياسة الامريكية الرئيسية، دفعت بمفكرين آخرين لكي يدلو بدلوهم، ويطرحوا نظرة أكثر شمولية تحاول المزج بين كافة عناصر القوة، بما فيها ما يمكن للدبلوماسية الفاعلة أن تحدثه من تأثيرات لخدمة المصلحة الوطنية للبلد. وكان من بين أهم هؤلاء أحد أهم صانعي السياسة الخارجية الامريكية وأكثرهم تأثيرا حتى الآن، مستشار الامن القومي ووزير الخارجية الاسبق، هنري كيسنجر الذي ترك بصمات محفورة بعمق في نسيج علاقات الولايات المتحدة مع أقطاب العالم الاخرى.

  ورغم تشعب امتدادات وتأثيرات سياسات كيسنجر الخارجية، يبقى أحد أهم جوانبها هو ما قام بهندسته من علاقات بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، بعد قطيعة دامت أكثر من عقدين من الزمن. فبالرغم من كون الصين أكثر دول العالم تعدادا بالسكان، اّلا أن الولايات المتحدة لم تقم حتى بمجرد الاعتراف بالنظام السياسي الجديد في الصين بعد الثورة عام 1949، وذلك لاعتبارات أيديولوجية بالدرجة الرئيسية. اّلا أن هذه القطيعة من قبل الولايات المتحدة لم تَرُق لعبقرية كيسنجر السياسية، بحيث تمكن من اقناع الرئيس ريتشارد نيكسون بفتح الباب على الصين، وان سرّا في بداية الامر. وكان من أهم العوامل التي حدت بكيسنجر للاقدام على الفكاك من نمط السياسة الخارجية السابقة التي لا تعترف بالصين، هو ادراكه لأهمية مسألتين أساسيتينْ الاولى، تتمثل في رؤيته أن تنشيط علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية متبادلة مع البلد الاكثر سكانا في العالم سوف يساهم في اضعاف أية نزعة نحو المواجهة العسكرية من قبل، ومع هذا البلد، حيث تبادل المصالح وتداخلها يصبح كفيلا بجسر الفجوات القائمة، مع الوقت. ومن ناحية ثانية، وانطلاقا من فهمه الكوني لخارطة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ارتأى كيسنجر أن الدفع باتجاه التقارب الامريكي-الصيني يمكن أن يساهم في التشجيع على التباعد الصيني-السوفيتي، الامر الذي كان يعتبر أحد أهم أهداف كيسنجر الخارجية.

  وبحكم عمق تأثير فكر كيسنجر في المجتمع السياسي الامريكي، يمكن القول أن طروحاته بقيت تشكل ركائز السياسة الخارجية الامريكية تجاه الصين حتى وصول الرئيس الامريكي، دونالد ترامب الى سدة الحكم في البيت الابيض، مطلع العام الماضي. فالسياسة التي أرسى قواعدها كيسنجر، والقائمة على جسر الفجوات مع الصين من خلال تعميق التبادلات التجارية والثقافية بدأت تتعرض لهزات واختلالات حقيقية، قد يكون من الصعوبة بمكان معرفة ما يمكن أن تؤول اليه من مخاطر، بالضبط.

  وضمن التصنيف المبسط أعلاه لمصادر صياغة المصلحة الوطنية، يمكن ادراج الرئيس ترامب بين النوع الاول والثالث. فهو يرى في نفسه الاقدر من كل من سبقوه على رسم السياسات التي تخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الامريكية، لا سيما ما تعلق منها بالعلاقات مع الصين، كون محور هذه العلاقات تجاري بالدرجة الرئيسية، وكونه يصوّر نفسه على أنه الاكثر خبرة ودراية في هذا المضمار. ووفق هذا الاعتقاد، يرى ترامب في نفسه ذلك القائد الفذ، الاذكى من غيره، والاقدر على حل ما يسميه اشكالات التجارة غير المتكافئة بين الولايات المتحدة والصين. ففي مناسبات عديدة، أشار ترامب الى ما صوّره على أنه ممارسات تجارية غير عادلة بين بلاده ودول اخرى في العالم، وبشكل خاص مع الصين.

  ومن ناحية ثانية، يجد ترامب نفسه مقيدا بما يمليه عليه الدستور الامريكي وقوانين عديدة اخرى من املاءات، بهدف احداث توازنات في الحكم مع مؤسسات الدولة الاخرى، تشريعية وقضائية. ولا يخفى على أحد أن ترامب يعتبر من أكثر الرؤساء الامريكيين، ان لم يكن أكثرهم، امتعاضا مما تفرضه عليه مثل هذه المتطلبات الدستورية والقانونية من قيود. وهو لا يألو جهدا في محاولاته لتحجيم دور سائر المؤسسات الاخرى وتهميشها، وأحيانا تحقير أعضائها وتعريضهم للاهانات، كما فعل مرارا وتكرارا مع عضو مجلس الشيوخ عن حزبه الجمهوري، جون ماكين.

  ولذلك، يمكن القول بأن ترامب يبقى يتأرجح بين رغباته ودوافعه الشخصية ليكون حاكما مطلقا لا يوازنه أحد، وبين ما عليه الامتثال له من متطلبات دستورية وقانونية. وهذا التأرجح لم يعد حبيس نفسه، أو مجرد خيال ينبع من اجتهادات في التفسير من قبل المحللين. وانما كان هو نفسه قد أفصح بصراحة عما يعتمل في داخله من خلجات بهذا الخصوص أكثر من مرة، والتي كان من أهمها عباراته أثناء مؤتمره الصحفي في سنغافورة بعد لقائه بزعيم كوريا الشمالية، كيم جون أون، بأنهْ “يرغب في أن يطيعه كل من يعمل معه”، كما الحال مع الرئيس كيم.

  وانطلاقا من منهجية عمله العامة في ادارة الحكم، والتي تتصف عموما بالفردية والتمترس حول ما يعتقده هو من أفكار، تبرز معالم سياسته الاقتصادية التصادمية تجاه الصين. فترامب لم يخفِ ضغائنه ضد الصين، حتى قبل أن يتسلم مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة. ولا يكاد موضوع خارجي يطغى على تصريحاته الاعلامية قبل ترشحه، مثلما كان الامر بالنسبة لانتقاداته الموجهة للصين بسبب تغلغل وارداتها في الاقتصاد الامريكي. ولم يكن ترامب يتحفظ في توجيه عبارات السخرية اللاذعة لكل من سبقوه من الرؤساء، نظرا لعدم تمكنهم من الوقوف في وجه الاقتصاد الصيني المتمدد، حسب وجهة نظره. وقد يكون صعبا على الباحث أو المحلل أن يعثر على كثير من تصريحات ترامب قبل ترشحه التي لم يوجه فيها أقسى عبارات النقد والتهديد والوعيد للصين.

  وبالتأكيد، لم تتوقف هذه الحملة الترامبية ضد الصين بعد أن أصبح ترامب مرشحا، ومن ثم، رئيسا. ولذلك، لم يكن مفاجئا بأي حال من الاحوال أن أقدم ترامب على فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على ما هو أكثر من 200 مليار دولارا من الواردات الصينية في الولايات المتحدة، وأن هدّد بفعل ذات الشيء مع المزيد من الصادرات الصينية. ولم يكن مفاجئا أيضا أن قامت الصين باتخاذ خطوات مماثلة ضد صادرات أمريكية بذات المقدار الى الصين.

  ورغم أن ترامب يبدو وكأنه هو صاحب اليد العليا للوهلة الاولى عند النظر الى اختلال كفة الميزان بين مقدار الصادرات الصينية الى الولايات المتحدة، والتي تتجاوز قيمتها نصف تريليون دولارا، وبين الصادرات الامريكية الى الصين، والتي لا تتعدى ربع هذا المقدار، اّلا أن التقاء مجموعة من العوامل والمتغيرات الاقتصادية والسياسية في العلاقات الامريكية-الصينية، وكذلك على المسرح الدولي بشكل عام، تجعل من سياسة ترامب التصادمية مجازفة خاسرة، في أغلب الظن. فصحيح أن ترامب يستطيع أن يثقل كاهل الصين لو قام بفرض تعرفة جمركية بمقدار ال25% سالفة الذكر على كافة الواردات الصينية، كما يهدّد ويتوعّد، اّلا أن الصين في المقابل تستطيع أن تجعل الميزانية الامريكية العامة قعيدة، لو قامت بسحب، أو تسييل الاوراق المالية التي تشتريها من الخزينة الامريكية بحوالي 1.9 ترليون دولارا، أي ما يعادل 10% من مجموع العجز والمديونية في الميزانية الامريكية. فان كان ترامب يحاول أن يبطل مفاعيل العجز التجاري الذي تتمتع بفوائده الصين عن طريق رفعه للتعرفة الجمركية بتلك النسبة المبالغ فيها، يمكن لذلك أن يتحول الى سيف قاطع على عنق الميزانية الامريكية التي من الصعوبة، ان لم يكن من الاستحالة، بمكان أن تقف على أقدامها، لولا الدعم الصيني أولا، ومن ثم الياباني، لها. وأمّا اذا ما كان ترامب يحاول أن يجبر الصين على شطب مستحقاتها من المديونية الامريكية مقابل تفاهمات تجارية معدلة، فانه في الاغلب يبذل جهودا عبثية، قد لا تقود اّلا الى مزيد من التوتير والتأزيم.

  ولكن مغامرة ترامب غير المحسوبة، رغم ادعائه بخبرات اقتصادية وتجارية فذة، يمكن أن ترتد عليه وعلى الولايات المتحدة بويلات قاسية لعدة أسباب داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي في الولايات المتحدة، يمكن للترامب أن يحلم بزيادة نسبة الانتاج المحلي عن طريق تحفيز المواطن الامريكي لشراء سلع مصنوعة أمريكيا، وذلك برفع سعر السلعة الصينية بحوالي 25%، اّلا أن تكلفة الانتاج المرتفعة في الولايات المتحدة، اذا ما قورنت مع الصين، سوف تؤدي الى رفع مستوى الاسعار للسلع المنتجة أمريكيا أكثر بكثير من مجرد 25%، على الاقل في المدى المتوسط والبعيد. فمثلا، يبلغ معدل ما يتقاضاه العامل يوميا في الصين حوالي 12 دولارا. بينما لا يمكن لأي عامل أن يتقاضى أقل من 120 دولارا يوميا في الولايات المتحدة. هذا يعني أن مستوى سعر السلعة في الولايات المتحدة يجب أن يرتفع على الاقل عشرة أضعاف ما هو عليه الآن، حتى يصبح الانتاج مجديا لاصحاب الشركات والمصانع الامريكيين. والسخرية في الامر تكمن في أن كثيرا من الشركات والمصانع العاملة في الصين هي مصانع وشركات أمريكية، تبحث عن عمالة رخيصة وعن بيئة انتاجية لا تخضع لذات القوانين والانظمة والقيود التي عليها الامتثال لها في الولايات المتحدة. ولذلك، فانه ومن الآن، بدأ المواطن الامريكي يتحمل عبء بعض النتائج الفورية لخطة ترامب التجارية تجاه الصين، والتي كان عدد كبير من الخبراء والمختصين قد نصحوه بعدم الاقدام عليها. ولا شك أن المواطن الامريكي سوف ينحى باتجاه تحمّل نسبة ال25% الجديدة، بدلا من الاقدام على شراء سلع أمريكية ذات سعر أعلى، وربما بجودة ليست أفضل. ففي الغالب، قد نلحظ تركيزا من قبل الصين على تحسين جودة سلعها المصدرة أكثر من ذي قبل لتجعلها أكثر منافسة لأية سلع أمريكية شبيهة يمكن انتاجها. وبذلك، يكون ترامب فقط قد نجح في تأزيم العلاقات مع الصين، ليس التجارية منها فحسب، وانما على صعد اخرى أيضا. ويمكن لهذا التأزيم أن يزداد حدة اذا ما أقدم ترامب على تنفيذ تهديداته بالحد من منح تأشيرات الزيارات لرجال الاعمال والمثقفين الصينيين. أي أن حدة التوتر في العلاقات الصينية-الامريكية قد لا تقف عند الحدود التي يتخيلها ترامب، وذلك بحكم عدم خبرته في رسم السياسات الدولية.

  وأمّا على المستوى الخارجي، فأيضا تقف عدة عوامل في وجه رغبات ترامب ومخططاته الاقتصادية فيما يتعلق بالعلاقة مع الصين. فمن ناحية، قد تكون مخططات ترامب تترك مفاعيلها على الصين لو كان يعمل على استقطاب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، سواء في الاتحاد الاوروبي، كندا أو استراليا، تلك الاطراف التي قام باغضابها بزيادة التعرفة الجمركية على صادراتهم للولايات المتحدة. وفي ظل توتير العلاقات مع الاصدقاء والحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، يمكن ببساطة للصين أن تقوم باستغلال هذه البيئة المستجدة لتنشيط علاقاتها التجارية مع تلك الاطراف، بهدف التعويض عما قد يلحق بها من خسائر في علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومما يعمّق من امكانية تبلور هذا الاحتمال، قيام ترامب بمطالبة الاعضاء الآخرين في حلف شمال الاطلسي بزيادة نسبة مساهماتهم المالية السنوية في ميزانية الحلف مقابل ما تقدمه الولايات المتحدة لهم من حماية، حسب رواية ترامب. هذا أيضا سوف يغضب هؤلاء الحلفاء ويدفع بهم نحو البحث عن شركاء بدائل، لا سيما في تعاملاتهم التجارية. والطرف الاكثر ترجيحا للاستفادة من هذه التفاعلات هي الصين، ذات الاقتصاد الاكبر في العالم. فبهذه الحالة، سوف يزرع ترامب بذور الفرقة ليس بين الولايات المتحدة والصين، فحسب، وانما مع شركاء الولايات المتحدة التقليديين.

  وبالاضافة الى ذلك، يبدو أن ترامب لم يربط بين استفزازاته للصين برفع نسبة التعرفة الجمركية على صادراتها للولايات المتحدة مع ما يزعم أنه سيتمكن من تحقيقه في علاقاته الموهومة مع كوريا الشمالية. واضح أن ترامب لا يربط الجوانب المتعلقة في السياسة الدولية مع بعضها البعض. فحتى لو كانت كوريا الشمالية ميالة، وذلك أمر جِدُّ مشكوك فيه، الى أن تلبي رغبات ترامب بالتخلص من سلاحها النووي وصواريخها العابرة، فان العلاقة المتينة التي تربطها مع الصين سوف تدفع بها لتعقيد ما يخطط له ترامب، وربما ايقاعه في دوامة الاوهام والسراب. فهو ليس أمرا سرّا أن للصين تأثيرا كبيرا على كوريا الشمالية، بحكم الجوار، من ناحية، وبسبب ما يربطهما من تعاملات تجارية، من ناحية ثانية. فما يضعه ترامب من ضغوط على الصين سوف يترك أصداءه في علاقته الناشئة مع كوريا الشمالية. فهو لم يكن من قبيل الصدفة أن عزف الرئيس كيم عن لقاء وزير الخارجية الامريكي، مايك بومبايو في زيارة الاخير لبيون بيانغ، وأن قامت وزارة خارجية كوريا الشمالية بوصف الموقف الامريكي الذي جسده بومبايو بأنه أشبه ما يكون بتعامل العصابات. فحتى بدون تأزيم العلاقة مع الصين، ما كان لكوريا الشمالية أن تمتثل للمخططات الامريكية التي يرسمها ترامب. ولكن، بدفع الامور نحو الهاوية مع حليف كوريا الشمالية الاهم، الصين، يمكن للمرء أن يتخيل حجم ما يمكن لترامب أن يلاقيه من عقبات، حيث الصين ليست بذلك اللاعب الغائب عن المسرح.

  وعلى صعيد آخر، وذات درجة عالية من الاهمية والخطورة، لا يمكن لاحد أن يضمن أن آفاق تأزيم العلاقة التجارية مع الصين سوف تبقى محصورة في هذا السياق. فسجل العلاقات الصينية-الامريكية في السنوات الاخيرة حافل بالتوترات، حتى على الصعيد العسكري. ففي أكثر من مرة، اقتربت الامور من حافة الهاوية بين طائرات عسكرية أمريكية وصينية فوق بحر الصين الجنوبي. وفي أكثر من مرة، يبدو أن الصين قد قصدت أن تبرهن على قدراتها العسكرية في وجه الطائرات الامريكية. ولم تخلُ التقارير الاخبارية من المعلومات التي تبين حدة التوتر في هذه العلاقات، حتى قبل مجيء ترامب الى الحكم. فحتى في أواخر عهد الرئيس باراك أوباما، لم يحظَ باستقبال دافئ أثناء زيارة له الى بكين، حيث بقيت طائرته تنتظر لوقت طويل في المطار دونما البساط الاحمر.

  وفي ذات الوقت، يكاد يكون هناك اجماع واسع النطاق بين المختصين أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في الحرب الالكترونية، حيث صدرت عدة تقارير تبين قيام اختراق شركات وجهات صينية لانظمة الحاسوب والشبكة العنكبوتية لعدة مرافق ومؤسسات حساسة في الولايات المتحدة.

  وعليه، وحتى لو كان ترامب يحلم بأن بامكانه تعويض العلاقة مع الصين بتدعيم علاقاته مع روسيا بسبب اعجابه بشخصية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تبقى خططه مجتزأة غير مترابطة، وتعبر عن نشوة اللحظة، لا عن مردوداتها الاستراتيجية. فهو أيضا، لا شك يغفل مدى حنكة بوتين وعمق قدراته على التعامل مع الامور بما يخدم مصلحة بلاده، لا تطلعات ترامب.

  فبدون مبالغة، يبدو أن ترامب قد بدأ ينبش عشا للدبابير، كما يقال، بحيث أخذ يحيط نفسه بكافة الاخطار والتحديات، ليس فقط مع الخصوم، كالصين وروسيا، وانما أيضا مع الاصدقاء. وفي عالم تتعاظم فيه حدة التنافسات بين المتطلعين للنفوذ والسيادة، يبدو أن الصين قد تكون الطرف المستفيد الاكبر.

  لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن كلا البلدين يمتلكان أكثر مما يكفي للتسبب فيما يعرف بالشتاء النووي، تلك الحالة التي ستودي بالحياة الانسانية وتطيح بأية فرص لانقاذ الكون. مرد ذلك كله يعود الى ما عزم ترامب على شنه من حرب تجارية مستعرة مع واحد من أقوى اقتصادات العالم التي لن تقبل بتطويعها، تلك الحرب التي ليس هو بقادر على قراءة مآلاتها. هذه الحرب التجارية التي يشنها ترامب تنسف أسس العلاقة مع الصين من ألفها الى يائها. وهي كفيلة أن تضع العالم كله في حالة من التوتير، بشكل أخطر بكثير مما أحدثته أحلك مراحل الحرب الباردة في القرن الماضي.

  فعملية البناء تتطلب مهارة ونظرة ثاقبة. وأما عملية الهدم، فكل ما تحتاجه هو رعونة وتعطش لاشباع الذات، وان كانت هي الاخرى تأتي تحت مسميات خدمة المصلحة الوطنية.

د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق