“صراع الشاشات” يحتدم في الأردن ولا شيء يسدّ “فراغ الحقيقة”.. سيل الشائعات مستمر رغم انطلاقة قناة “المملكة”.. والشاشة الجديدة تتموضع بعد “الطريق الى الدوار” بلا ضمانات للسقف.. والتلفزيون الرسمي يتململ ويتذمّر ويذكّر بمن خذلوه..

المجهر نيوز

برلين- “رأي اليوم” – فرح مرقه:

كانت إطلالة لافتة للمفكر والسياسي العريق عدنان أبو عودة ظهر فيها لتشخيص الحراكات في الأردن في فيلم توثيقي عنوانه “الطريق الى الدوار الرابع”. بهذا الفيلم استهلّ تلفزيون المملكة ساعته الثالثة من البثّ قبل نحو أسبوعين (بدأ في 16 تموز/يوليو الحالي)، كاسراً تابوهين على الأقل في النسخة القديمة لتلفزيون الدولة. فالمفكر القدير أبو عودة ومنذ زمن لا تستضيفه الشاشة الاصيلة، والحراكات الشعبية ضد الحكومات هي بالعادة “محرمات” في الشاشة القديمة.

بالكثير من المسوّقات البصرية والتقنيات الرقمية بدأت الشاشة الجديدة بثّها بعد أن تم الترويج لها منذ عامين على انها “قناة خدمة عامة” على غرار الشاشات الأجنبية كـ BBC البريطانية، وحمل بيانها الصحفي السابق للانطلاقة حديثا عن تقييمات من لجان جمهور ستعمل بشكل دوري لمساءلة القناة وتقويم أدائها.

الشاشة الجديدة منذ عامين تستقطب الكفاءات وتدربهم، ومنهم كثر من الشاشة الاصيلة. وعملياً لا شيء مما ذكر مضرٌّ للأردن، بل على العكس، فمعظم ما ورد وسيرد هو ما كان الشارع والناشطون يطالبون به لسنوات طويلة ولكن من الشاشة الاصيلة الرسمية، في الوقت الذي اختارت المؤسسات الأردنية لنفسها ان تبني بيتاً جديداً بدلاً من ان تصلح بيتها القديم.

التلفزيون الأصيل.. نفّذ فتكلّس!

المسوغات كثيرة جدا لترميم خفيف للبيت القديم مقابل “استسهال” البدء بشاشة جديدة ومشروع جديد، فكثر من خبراء الاعلام يتحدثون عن “خراب لا يمكن إصلاحه” في التلفزيون الرسمي، حيث ازدحام في الموظفين نتج عن الواسطة والمحسوبية لسنوات طويلة، وموارد ضعيفة، وقدرات محدودة وتغول من السلطات التي لا تريد ان تلجم نفسها، وغير ذلك. تلك نتائج يعترف بها عاملون في المؤسسة، ولكنهم ايضاً يذكّرون بأن المؤسسات المتذمّرة وحتى الخبراء كانوا الأساس والسبب في المشهد المذكور.

الاعلام الرسمي لطالما وقع في فخ التقليدية الشديدة، والنمط الذي ساد لسنوات بل عقود، رسّخته فيها نظرية “الأوامر للحركة” و “نفّذ ثم اعترض او فكر” على غرار المؤسسات العسكرية، بدلا من الابداع للتغيير والتبديل، فباتت الشاشة الرسمية، أقرب للتكلّس والكسل منها للإبداع، يسوّق ذلك منظرو التطور، بينما يصرّ أبناء المؤسسة على ان ذلك أيضاً هو نتيجة لأفعال لم تكن يوماً “مبنية للمجهول”.

أبناء المؤسسة يتحدثون عن استقواء على مؤسستهم مقابل تهميش عملي للعاملين فيها وخبراتهم وكفاءاتهم وحتى افاقهم للابداع، مقابل وزراء اعلام سابقين استمعت لهم “رأي اليوم” وهم يشيرون لان المؤسسة عبء عليهم بسبب طريقة التفكير الراسخة والتي لا تخرج من الصندوق، ويقابلهم جميعاً مدراء عامين يتحدثون عن وزراء ومؤسسات وجهد ضخم يبذل بالبيروقراطية والموافقات من كل جانب.

كل هذه تفاصيل تعرقل العمل في المؤسسة، ويساعدها ويساندها ان العاملين فيها يعانون أصلا مما يعاني منه الموظف العام عموما، حيث جور في الأجور، وغياب شبه تام لمعايير تقييم الكفاءة والأداء والحوافز، بالإضافة لمزاجية عالية لدى الإدارات المتعاقبة في التعيينات والترفيعات والتنفيعات بين الموظفين.

الشاشة الاصيلة، أي التلفزيون الأردني الرسمي، كانت ولعقود طويلة تحت قيود فرضتها عليها مؤسسات الدولة الأردنية أو كما يحب ان يسميها الصحافي مالك عثامنة “حكومات الظل” سواء في القصر او في دائرة المخابرات او حتى في مؤسسات أخرى يتحدث العاملون عن “تدخلها” بعملهم.

والشاشة البديلة.. لا تكسر البيض!

التلفزيون الأصيل عانى كثيرا من تراكم الأخطاء والاستهتار بالمؤسسة، والذي كانت واضحةٌ نتائجه مع الازمات الأخيرة، بدءاً من تأخر عن الحدث وليس انتهاءً بأخطاء في نقله احياناً وترويج سيء للرواية الرسمية. وهذا كله لا ضمانات أبداً انه لن يتكرر في الشاشة البديلة الجديدة.

شاشة تلفزيون المملكة، والتي يصرّ العاملون بها على انهم ليسوا “بدلاء” لاحد، وان شاشتهم برؤيتها كشاشة خدمة عامة تقدّم اعلام وطن ودولة وليس حكومة كما التلفزيون الرسمي- رغم ان الأخير لم يكن يوما تعريفه انه اعلام حكومات-، قدّمت حتى اللحظة صورة إيجابية لاعلام “معقول السقف”، يحاور الجميع ويقدّمهم عبر شاشته ولكنه لم “يكسر مزيدا من البيض ليصنع العجّة” كما في المقولة الشهيرة. لا بل ويبحث المسؤولون فيه عمن يعطيهم الأوامر او يوجههم في بعض الأحيان.

مؤثراته جذابة وتقنياته لافتة ويحمل بين ثنايا مبناه مجموعة ضخمة من الخبرات والكفاءات الأردنية، ولكنه على صعيد لا يزال لا يوحي بالكثير من الاختلاف رغم كسر بعض التابوهات التي باتت أصلا تتكسر مع المرحلة المختلفة التي تحياها عمان واستلام حكومة الدكتور عمر الرزاز بعد الحراك الشعبي. وللدقة فالتلفزيون الرسمي بدأ يكسرها أيضاً في بعض الحالات.

الشاشة الجديدة، والتي اخذت مساحة واسعة من الهجوم من النائب المخضرم عبد الكريم الدغمي في نقاشات الثقة، خصص لها اكثر من 30 مليون دينار اردني (ما يزيد على 42 مليون دولار)، وهذا بحد ذاته محل للتساؤلات وللانتقادات، واكثر للنقمة بين زملاء مهنة، بينهم موظفو التلفزيون الرسمي الذين رصدت “رأي اليوم” نمطاً هجومي من بعضهم على الشاشة الوليدة، في حين طالب البعض الاخر بمساواتهم بنظرائهم في المملكة بالاجور والميزات (رواتب العاملين في شاشة المملكة تصل لضعف نظرائهم في التلفزيون الأردني واحياناً اكثر).

مشهد اعلامي قاسٍ..

الصراع يحتدم عملياً بين الشاشتين، ولا ضمانة ان الشاشة الجديدة لن تقع ضحية ذات السلسلة من الأخطاء والصراعات بين المرجعيات وحكومات الظل، رغم كون الصراعات المذكورة تبدو كامنة مع الاعلام في المرحلة الحالية، الامر الذي يجعل حل المعضلة في الاعلام الرسمي مطلوباً جداً اليوم من الوزيرة جمانة غنيمات التي تكاد لا تنتهي من دورها كناطق اعلامي خبير بالكثير من الملفات ومضطر للاطلاع عليها، لتمسك جيّداً خيوط اللعبة في المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، والتي الاصيلة منها تعتبر الوزيرة أصلا “لا تنتمي لمدرسة العمل العام” وهنا حرب ومعركة أخرى، تعلم الوزيرة الشابة كيف تخوضها.

بكل الأحوال، قد يكون حل الازمة مرحلياً بإفساح المجال أكثر واكثر للشاشتين، وترك العاملين يبدعون في الجهتين مع مساواتهم بالأجور والمزايا وإعادة النظر بأنظمة التقييم ومعايير الكفاءة. بالتوازي مع ضخ الحكومة للمزيد من المعلومات والتزامها معايير الشفافية التي عمليا بدأت تظهر بوادر إيجابية بخصوصها.

لكن الأهم، انه وحتى ذلك الوقت، سيبقى الشارع الأردني متعطشا لمعلومة دقيقة وسقف عالٍ لم تنجح أي من الشاشتين في اثباته، الامر الذي لن يسهم في تخفيف سيل الشائعات الذي يملأ فراغ الحقيقة والشفافية، بل وسيغذيه!

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق