قناديل-ملك-الجليل (2)

المجهر نيوز

المحامي إبراهيم محمد أبو حماد

           تشكل سيرة ظاهر العُمر (1689م-1775م) إحدى روايات الملهاة الفلسطينية للشاعر والناقد والروائي إبراهيم نصرالله، “الدار العربية للعلوم ناشرون ش م ع، ط2 ، 2012” ،باعتبار السرد فعل مقاوم ،وصراع الحكاية العربية الصهيونية ،هذا الصراع التاريخي ،دفع الروائي نصر الله للحفر في التاريخ العربي والفلسطيني الحديث ،بتحقيب زمني لإنتاج سباعية روائية ،تمتد (250)عام ،بحيث يسرد حياة الأشخاص وعواطفهم ،منذ نهاية القرن السابع عشر حتى ما بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية ،بحيث تمتزج الملحمة الاسطورية لشخصية العُمر في (86) عاماً .

 

       فالقنديل صراع الحياة والموت ،إنه قنديل بحر الجليل المختزل بالملك الظاهر ،الذي تولى أعمال الالتزام خليفة لوالده عمر الزيداني  رغم أنه أصغر إخوانه سنا ، إذ يقول يوسف العُمر “فالناس رياح فابتعد بقنديلك قبل هبوبها “(347)،فالقنديل هو فجر تحرر المشرق العربي ،إذ أن التجنيد العسكري والضريبة غير العادلة الجزافية ،واستخدام القوة الجبرية في الجباية والتحصيل ،وطمع الملتزمين بالتابعيين  ،وتحصيل الضريبة أو الاتاوة من الرعايا  دون اعتبار لموافقتهم وقيم حكم القانون وسيادته وتمثيل الشعب (15)،نجم عنه ولادة روح عربية ،فمرضعته حليمة فرس بيضاء  لا يقبل الا بحليبها ، وذلك رمز ديني ،أو أحد دلائل النبوة ،وبالتالي يؤمن بالتسامح والعدالة وبث الطمأنينة ،وتحقيق التضامن الاجتماعي والحرية ، وتحتل المرأة مكانة سامية في حروف الراوية ،فنجمة تدرك ما لا تدركه الابصار(207)(16) ،ولا يسكت لمغتصبة (104)،ولا يطلق زوجته لعقم (141)، ،ويسعى لتأسيس نواة المجتمع المدني ،لقيام دولة الحديثة وتوسعها .

 

     إن قنديل ملك الجليل يدفع ويرد الموت خارج طبريا (54)،هذا القنديل الذي يعيش صراع الموت والحياة في زمن تعصف به الرياح ،ليؤسس مدينة حيفا ،ويبنى المساجد والحمامات الشعبية ،وأسوار عكا وطبريا ،مما يجعلها كتابة للتاريخ الاقتصادي الاجتماعي لأول كيان مشرقي عربي ،و تحدى للإمبراطورية العثمانية سيدة العالم القديم.

 

       وتمثل الرواية رؤية الروائي للشخصية المتخيلة للعُمر، وتوظيف الأسطورة والفلكلور الفلسطيني كالقنديل والحَمام للفتيات العازبات في بحيرة الجليل (112) ،ولذا تجذب القارئ لمعايشة الحدث التاريخي بالمنطق الروائي والصدق الفني وتقنيات العرض السينمائي، فالطقوس الجنائزية والفقد والوجع والتوتر ،ووصف بحيرة الجليل وسهل مرج ابن عامر وبحر عكا ،وصيد البط ،يستغرق القارئ ،وتسكن الرواية فيه كاللوحة السينمائية لجماليات المكان ،وتمثل افراح الناس واحزانهم ،(تأمل طبرية من بعيد ،كم أحس أنها جميلة )(213)ويذكر اسماك طبريا الجليلي والشبوط (203)، وبذلك يحل الروائي محل التاريخي ،ليستعيد التاريخ جذوره الأدبية ،وتحضر قوة الحقيقة والخيال لتتحد بجوهر الأحداث والشخصيات .(9)

 

       وبذلك فإن الرواية لم تتمكن الأمانة التاريخية من ابتلاعها ، رغم استناده للعلمية التاريخية للأخوين الصباغ وتوفيق معمر المحامي (9) مع اتساع الحدث التاريخي الروائي رغم شح المعلومات ،فلقد رسم الروائي خارطة جنوب الشام بمدنها وقراها ، باعتبارها نواة المشرق العربي ،وذَكرها بالأسماء الحقيقية مثل : حيفا ،عكا ،طبريا ،الناصرة، عجلون ،اربد، دمشق وقرى عرابة، ترشيحا، والبعنة ،والبصة ،والأعراب مثل: الصقر والصخور ، وعائلات مثل : طوقان، والنمر، وجرار ،ووضح المصطلحات العثمانية مثل المستلم (14) ،وشخصيات الولاة مثل حسن باشا الذي يستأنس الأسد ويرافقه ،(554) والقناصل الأجانب (279)والميزان التجاري ببنودة من الاسلحة والمنسوجات وتصدير القطن ،فوالده أحسن تربيته من علوم القران والشعر الجاهلي والتاريخ (55) فلقد كان عمر الزيداني يحب الفقراء ولا يستغلهم ، ويوفر لهم الحماية في مواجهة الاستبداد العثماني الذي جعل الفلاح يقول :(بأن الدجاج يدعو على تركيا بالكسر )،لذا فرجال العُمر يعرفون العدالة ،ولن يسمحوا العيش تحت الظلم .(208).،كما تظهر الرواية مكونات الشعب الفلسطيني في طور تكوينه من المغربي(212) والالباني والجركسي ،والسياسة الإدارية العثمانية بعزل الولاة (151)،وقتلهم أيضا .

 

ولقد سمح لليهود بتشكيل سوق تجاري ،وأَوقف كَرمَي زيتون لكنيسة البشارة ،ولم ينطفئ قنديل ملك الجليل فلقد عاش عمرا مديداً ،وكان الخوف من انطفأ القنديل محفز للتحدي ،هذه الشخصية ،تحالفت مع اعداء الدولة العثمانية من الروس ومماليك مصر ،مما نجم عنه عدائية القوى المحلية والعثمانيين ضده ،وصراع ابنائه على السلطة لعدم تسمية وريث أو وجود نظام دستوري ،وخيانة القائد المغربي وجنوده ،فنطفأ قنديله ،لمشروع مجتمع مدني لم يكتب له الديمومة والاستمرار ، ولوصف الحالة الطبيعية للمشرق العربي ،وبأن فلسطين الحياة وشعب لا يموت ، وتستمر الملهاة الفلسطينية ،التي لم تكتب بعد .

 

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق