د. علي الباشا: الإحتلال الأمريكي بين معركة إدلب و سرقة الكنوز الأثرية

المجهر نيوز

د. علي الباشا

حتى لا نتسرع في الأحكام فإن الحرب على الإحتلال الأمريكي في سوريا قد تطول ونحن في بداياتها مالم تنتهي فجأة بالتوابيت على غرار مفاجأة لبنان عام 1982 حين نقلت أمريكا جثامين 241 من جنودها المارينز في أكبر مقتلة لهم بدون نووي وبدقيقة واحدة حسب تعبير الـ اف بي آي. وحتى لايتوهم قصيرو النظر فإن أي احتلال لا يستمر مهما طال نظراً لتكاليفه الباهضة التي تحتاج تغطيته موارد وسوريا لا تمتلكها، وينتهي بخروج مهين والشواهد كثيرة نختزلها بالخروج الفرنسي من سوريا والإسرائيلي من جنوب لبنان وغيره. هذه التجارب التاريخية في التفاني من أجل الأوطان ذاقت أمريكا ويلاتها في فيتنام وسطرت فيهم الفلوجة العراقية ملحمة كفاح. اليوم – وبكل وقاحة – تزرع أمريكا أنظمة حظر طيران في شمال سورية بالقرب من منبج و ريف دير الزور وتقوم ببناء قاعدة بالقرب من الحسكة يضاهي حجمها قاعدة حميميم الروسية في طرطوس مستشرقة فيها البديل عن قاعدة انجرليك في تركيا، دون أخذ وجودها غير الشرعي بالإعتبارالذي يسمح بمقاومته بكل الوسائل المشروعة التي قد تسطره المقاومة الشعبية السورية في يوم يخلده التاريخ.

وللمقاربة كل البلدان التي دخلتها أمريكا أصابتها كوارث مزمنة من أفغانستان إلى باكستان والعراق وكذا الصومال التي تركت صورة سحل مقاومتها لأحد جنود المارينز في شوارع مقديشو أثراً بالغاً في الرأي العالم الأمريكي وساهم إلى حد كبير في إنسحابها المبكّر. أما الدول التي اعتبرت نفسها حلفاء كدول الخليج فهي تجر الهاجس إثر الهاجس حتى خضعت لدرجة السجود وبات استمرار بقائها يعتمد على دورها التخريبي في المنطقة . وهذا الأمر قد انسحب على تركيا الحليف وعضو الناتو بتوريطها في الحرب على سوريا ثم افتعال محاولة إنقلاب فيها عام 2016 وتركها تجترع مخاوفها على وقع هبوط عملتها. ولم تكتف بذلك بل لعبت معها على المتغيرات – منّتها بتأمين حدودها الجنوبية ، ثم منحت الإدارة الكردية الضوء الأخضر بالتواصل مع دمشق وهو مؤشر سلبي رغم كل التفاؤل لما يحمل في طياته من التناقضات التي تنافي صدق الإدارة الامريكية، فالبرغم من تغريدات ترامب بالإنسحاب ، شوهد إرسال مئات الآليات الأمريكية إلى الشمال السوري لبناء تلك القاعدة المزعومة.

***

وحسب محللين إلى حين تظهر قضية أخرى أكبر من الأزمة السورية ، تبقى سوريا موضع إهتمام السياسة الأمريكية ولو أنها أقل من الاهتمام الروسي ، لكنها سياسة إحتلال بالمدى الذي يسمح بتصفية الحسابات ، فالورقة السورية حالياً تقع في جدول الرئيس الأمريكي الذي يصر على أن الحكومة السورية ستستخدم الكيماوي في معركة إدلب قبل أن تبدأ. من أجل ذلك فإن توقيت هذه المعركة ولو أنها حاسمة و مصيرية لم يخضع لسلم الأوليات في الميدان انطلاقاً من أن التوازنات على الأرض غيرمتكافئة فأمريكا المتواجدة في منطقتين هما التنف وشمال شرقي سوريا تعني لها معركة إدلب مبعث قوة وتوازن مع روسيا. وفي حال التفاوض على التنف أو الشمال مع غياب وازنة إدلب فإن ذلك سيشكل لها دافع إضافي للمطالبة بمحاصصات واقعية. وتبقى فرضية إنهاء ظاهرة التنف التي تهدد دمشق مباشرة رغم الصعوبات أقرب إلى واقع التوازنات بين ندين ضروسين وهو ما سيحصر الوجود الأمريكي شرقي الفرات فقط .. من هنا يكون التفاوض أكثر تأثيراً باعتبار أن فصائل إدلب في متناول تركيا التي يهمها التخلص منها مقابل التخلص من الأكراد على حدودها. ورغم كل البعبعة الإعلامية نجد أن أمريكا راضية عن معركة إدلب بغية إدخال روسيا الغالبة في سوريا في لعبة التوازنات التي يعمل عيلها المنطق السياسي الأمريكي. هذا المنطق الذي حاول إستفزاز روسيا أكثر من مرة ولم يقتصر على إسقاط المقاتلة السورية التي قصفت موقع لحزب الاتحاد الديمقراطي في 2017 وقصفها لمطار الشعيرات في العام ذاته ثم قصفها لقوات موالية للحكومة السورية في شباط/فبراير 2018 بحجة اقترابها من موقع نفطي في دير الزور، وغيرها من استفزازات تنافي أقوالها بأن مهمة التحالف الدولي التي تقوده هي لهزيمة داعش.

***

لقد صرحت أمريكا غير ذات مرة أن الأمريكان في سوريا عبارة عن مستشارين وأشارت أنهم من ضمن الـ (2000) جندي المتواجدين فيها. لكن الحقائق تقول غير ذلك فالميليشيا التي تعمل بمثابة جيش غير نظامي تقدر بأضعاف مضاعفة ولم تصدر تقارير بأعدادهم. يقوم هؤلاء المستشارين بالتنسيق بين مجموعاتهم (الميليشيا الأمريكية) و الجهة المسهلة على الأرض السورية (بي يي دي) وقيادتهم العسكرية – كما يسمونها- في المنطقة الوسطى في الخليج و العراق وقاعدة انجرليك ، والتنسيق مع الجانب الروسي لعدم الإحتكاك والتصادم الجوي أو البري ومؤخراً مع الجانب التركي من خلال تسييرهم دوريات مشتركة شمال منبج قرب التوخار بناء على إتفاق مبرم يقضي بتسليم منبج وما حولها للقوة التركية لاحقاً.

هذه الميليشيا لا تعمل بالمجان بل وقعت عقداً  مع الأكراد وقبضت ثمنه مقدماً حسب المصدر وقعته في كانون الثاني- يناير/ 2018 مدته (سنتان) يمتد حتى يناير/ 2020م قابل للتمديد، دفعت قيمته الوحدات الكردية من عائدات النفط السوري التي قُدرت انتاجيته بفترة 2014/2015 بـ (60 مليون يورو لعام واحد) ماعدا عائدات الغاز الطبيعي. ولا نبالغ بالقول أن مستشاري البنتاغون الموزعين في الحسكة ومنبج و الرقة وشرق دير الزور يتقاضوا أجورهم من عائدات النفط السوري أيضاً.

لم تكتف هذه الميليشيا بزج أبناء المناطق المحتلة تحت راية الخريطة الصفراء التي قسموها بنهر الفرات منذ تصميمها على أيدي الموساد و السي اي ايه، بل اندفعت لنهب الكنوز الأثرية من ذهب و تماثيل و لقى باهظة.. ففي “منبج” مثلاً نقّبت بمساعدة العملاء في مواقع مختلفة وصل حسب التقدير إلى 50 موقعاً أهمها موقعي جبل قرية الصيادة وجبل قرية جب الطويل ومواقع داخل منبج الغنية بالآثار الرومانية واليونانية . حيث تقوم بمسح المواقع باستخدام طائرة مسيّرة مربوطة بالأقمار الصناعية تبث إشعاعاً ليزرياً يتم من خلاله تحديد مكان الكنز واستخراجه.. كل ذلك يتم بالتنسيق مع الجهة المسهلة على الأرض الوحدات الكردية بحجة أن تلك الدرونات تبحث عن أسلحة دفنها الدواعش فيحظروا على المواطنين الاقتراب منها على مسافة خمسة كيلومترات مربعة ليمارسوا سرقتهم بارتياح.

ناقلة القول، أمريكا دولة استعمارية تخطط لاحتلال طويل الأجل لمنطقة شمال وشرق سوريا التي تحتوي على ثلاثة أرباع ثروات البلاد البترولية والمائية والزراعية، وتعمل على إفشال أي حل سياسي للأزمة السورية، في الوقت نفسه تترقب معركة إدلب بفارغ الصبر لأن استراتيجتها الجديدة تبدأ بعدها حسب زعمها و استراتيجينا مقاومتها حسب مبادئنا …!

دمتم بخير ،،

* كاتب وأكاديمي سوري

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق