اصدارات 2018: د. أحمد زياد محبك.. سردية هاجس القلق في مدينة مثل حلب

المجهر نيوز

بغداد – حمدي العطار:

حينما وقعت في يدي رواية (شقة على شارع النيل) للروائي السوري د. احمد زياد محبك صادرة عن دار امل الجديدة سنة الاصدار 2018، كنت اعتقد بأنني سوق اقرأ رواية تتكلم عن مصر خاصة وان الروائي قد زار مصر اكثر من مرة بمهمة البحث العلمي، لكن من الصفحة الاولى للرواية اتضح لي بإنها رواية عن مدينة الكاتب (حلب) ومستوحاة من أجواء مدينة حلب! فقررت قراءتها فورا  لكن مشكلة اخرى اعترضت هذه الرغبة فالرواية تذكرني بالروايات الضخمة حيث انها تقع في 474 صفحة والوقت المتوفر للقراءة لا يساعدني،لكنني قررت ان اصطحبها معي في رحلتي الى اذربيجان، ولم توفر لي هذه الرواية وانا اقرأ فيها لحد 145 صفحة المتعة او الفائدة المرجوة فالسردية تتمحور حول مدرس تاريخ متقاعد (عبد المجيد) – ابو جميل- يشتري شقة من اموال ابنه جميل الذي يعمل طبيبا في السعودية،وفي هذا الجزء من الرواية لا تلتمس احداث او مناقشات مثمرة، وهي عبارة عن تحليل لمجموعة انسانية تشعر بالقلق بسبب الحرب في مدينة حلب وانعكاسها على جميع الشرائح الاجتماعية وعلى الاخص النازحين!

*طبيعة السرد

يتصف هذا الجزء بسردية اللامبالية لتي اعتمدها الروائي كتمهيد للدخول في ثيمة الرواية واجواءها المهمة، حتى انني تصورت البطل عبد المجيد وهو يحاور زوجته عن رواية اطلع عليها كأنه يتكلم عن هذه الرواية “ساحكي لك، قبل سنتين اشتريت رواية لميلان كونديرا عنوانها (الهوية) وقرأتها ..بصراحة،الرواية صعبة، ما هي مثل الروايات التي نعرفها.. مملة،مفككة،وصعبة،أنا بعد ما قرأتها اهديتها الى مكتبة المدرسة.

*القلق من التاريخ

الانعطافة الايجابية للسردية تكون عند الصفحة 146 حيث عنوان (سليمان الحلبي) حيث كلن ابو جميل (طوال عمره يحلم أن يعد دراسة موسعة عن سليمان الحلبي) الذي قتل الجنرال كليبر عند احتلال نابليون لمصر،فيتوجه الى مكتبة دار الكتب الوطنية ليلتقي بمدير الدار خالد النايف ليساعده في اعارة بعض المصادر التي تمكنه من الكتابه عن البطل (سليمان الحلبي) غير ان هذه المصادر التاريخية بدلا من ان تكون عونا له تجعله يصرف النظر عن الكتابة ويكره ايضا مهنته كمدرس للتاريخ المزيف،لأن الكتابة عن التاريخ ايضا يخلق القلق من الماضي ليسقط بدوره على الحاضر ومنه نخشى المستقبل!

*التاريخ مزيف

وحينما يتوقف ابو جميل عن مشروع عمره كتاب عن سليمان الحلبي ويقرر ارجاع الكتب الى المكتبة يلتقي في غرفة المدير نخبة من  المثقفين بينهم (استاذ علم الاجتماع،والقاضي والمستشار الاول، والطبيب الجراح، والقاص الروائي، والعقيد المتقاعد) وهم كلهم من المثقفين وهواة المطالعة ،يعرفهم مدير الدار بابو جميل ويخبرهم عن مشروع الكتاب ،فيدور حوار فني وفلسفي عن التاريخ بعد ان يخبرهم ابو جميل بإنه اكتشف (التاريخ مزيف) بعد ثلاثين سنة من تدريس التاريخ”ليس هناك حقائق، كل ما في التاريخ أوهام، تخيلات، مصالح، اهواء” ويتطور النقاش ليصل الى المعالجة الادبية والفنية لمفهوم التاريخ حيث يذكر القاص والروائي سامي مستشهدا بمسرحية الكاتب المصري الفريد فرج (سليمان الحلبي) قائلا “المسرحية مصدر للخبرة الانسانية، والتجربة، وهي اكثر من التاريخ نفسه واكثر جمالا، بل أكثر غوصا على اعماق النفس البشرية، لأن الفن يحلل ويفسر، والتاريخ، بصورة عامة، يكتفي بذكر الروايات والأخبار، وهذه هي روعة الفن”، ويصل ابو جميل الى قناعة هو ان يكتب عن المستقبل افضل مما يكتب عن التاريخ.

وتتصاعد الرواية لتصبح اكثر تشويقا ومتعة حينما يلتقي استاذ عبد المجيد بالباحثة اللبنانية المتحررة (سلمى) والتي تعمل استاذه في جامعة بيروت وتزور حلب لكتابة بحث عن (عبد الرحمن الكواكبي)

* خلق المعايشة في رواية

في رواية “شقة على شارع النيل” كان يرغب الروائي “د. احمد زياد محبك” ،من خلال عائلة ابو جميل وهو يستعرض اصداء وتأثيرات الحرب في مدينة (حلب) وما يتعرض له الناس المدنيون من خطورة وصعوبات جراء العمليات العسكرية والمواجهة والقصف العشوائي والقنص!( انا سأصور معاناة الناس البسطاء العاديين في هذه الظروف ) هو يريد من القارئ ان يحس ويشعر بذلك من خلال المعايشة! اي تجعله يشعر بإنه يعيش في تلك المنطقة من حلب، التي تحتوي على شقة اشتراها لأستقبال ابنه الطبيب (جميل) وهو الذي ينهي غربته في السعودية ليبدأ بالاقامة والزواج وفتح عيادته في حلب، كما تحتوي على حديقة السبيل وفيها يجلس ابو جميل وجاره الفلسطيني المقيم في حلب (ابو وائل) وتجري بينهما نقاشات متنوعة عن فلسطين والاحتلال وذكرياتهم فيقل ابو وائل “لما خرج والدي من فلسطين، حمل معه مفتاح البيت، وقال المسألة ستنتهي في شهر أو شهرين،ونرجع إلى ترشيحا، لا هو رجع،ولا أنا رجعت،ولا ابني رجع،انا قلت من قبل:سأموت هنا في حلب،أو في ترشيحا،لن اغادر”

كما ان ابو جميل يكشف عن احلامه وعلاقاته امام ابو وائل لتفسير احلامه والتعليق عليها”أنا وحدي،عندي ثلاثة إخوة،هم اعدائي، لم يزرني أي منهم منذ خمس سنين، ولم ازرهم،أختي الوحيدة، وهي أصغر مني تكرهني، كل ذنبي أني تزوجت امرأة لا يحبونها/ لأنها كردية؟ يسأل ابو وائل/ لا كونها مثقفة، وموظفة،وهم كلهم غير متعلمين،وزوجاتهم شبه أميات!! كثيرة هي الحوارات البعض منها ممتع ومفيد لكن هناك الكثير من الحوارات خاصة (عبد المجيد وزوجته ام جميل شيرين) احيانا تدفع القارئ الى الملل!

*الباحثة سلمى اللبنانية

من الاجزاء الممتعة في الرواية هي الجزئية الخاصة بلقاء عبد المجيد – ابو جميل- في دار الكتب بالباحثة اللبنانية سلمى وهي تحضر بحثا عن (عبد الرحمن الكواكبي) يتعرف عليها ابو جميل وهو يرجع الكتب الى مدير مكتبة دار الكتب ويطلب منه المدير ان يذهب مع سلمى لأرشادها الى حديقة السبيل التي تقع امام شقته!ويذهبان وتدور بينهم احاديث وحوارات تنتهي بالذهاب الى كفر جنة لتنال الغذاء في احد المطاعم،توفق الكاتب كثيرا في هذه العلاقة العابرة بين سلمى التي تمثل الانفتاح والتحرر والجرأة اللبناية مع ابو جميل الذي يمثل الجدية والصرامة والرصانة “عندكم هنا في حلب صلابة وخشونة وقسوة، نحن في لبنان، وبيروت خاصة، أكثر مرحا منكم، أو أكثر حيوية”وحينما يقعدان إلى المائدة متقابلين ،ويجلب لهما النادل كأسين وزجاجة ماء “تبادره سلمى:شو يا عمي، مي؟؟ هات زجاجتين بيرة باردة، وسطل ثلج” يرفض ابو جميل شرب البيرة بينما سلمى تزيد من جرعة الجرأة والمرح وتفتح عدة مواضيع حساسة بعد ان تطلب الكثير من المزات والاكل وتشرب وتدخن وتقول له (أريد تمضية ساعة من العمر فيها السرور، لا تفكر في أي شيء…. لن نسمح لأي شيء يعكر مزاجنا… غدا انا مسافرة،اريد العيش ساعة سرور معك/لماذا انا ؟ لأنك رجل طيب، بريء، عاقل،مهذب، مهذب جدا،خجول، مؤدب، مثل طفل” وتمزح سلمى معه كثيرا وتوحي له بإنها سوف تسافر به الى بيروت لتمارس معه الخيانة من نوع ثقيل! بينما يبقى ابو جميل محافظا على اتزانه (لا يمكن إقامة صداقة بين رجل وامرأة،ولا زمالة، ولا علاقة عمل، لا بد أن تؤدي إلى ممارسة الجنس، تضحك سلمى،أنا عندي عشرة اصدقاء،وهذا انت الحادي عشر، ولم أقم أي علاقة جنسية لا من قريب ولا من بعيد مع اي واحد منهم”  مع تطور الاحداث في الرواية يذاع بعد يومين خبر حدوث انفجار امام الفندق الذي تقيم فيه سلمى وتذهب ضحية هذا الانفجار!

الخاتمة الحزينة

تبتعد احيانا الرواية عن التشويق في بعض المفاصل لكنها سرعان ما تعود للتشويق حتى لو كان مأساويا وحزينا، فبعد مقتل الروائي الشاب الدكتور (سامي) وهو يناقش عبد المجيد عن الراوية التي يريد يكتبها عن حلب “وقع على الأرض،طب أمامي، اختلج، وانتهى، والدم يكت من رأسه، ولا حركة..رصاصة واحدة لم يسمع صوتها” وكذلك فيما بعدها  تتعرض شقة ابو جميل الى قذيفة وتحترق وينتقلون الى شقة ابو وائل في انتظار وصول ابنه الطبيب جميل من السعودية الى دمشق ومنها عليه السفر الى حلب، وفي الطريق الى حلب هناك مواجهات في العديد من القرى فتتعرض السيارة التي تقله الى ثلاثة قذائف مما يؤدي الى احراقها واستشهاد جميع الركاب  في  منطقة “خان شيخون ” التي تبعد عن حلب مئة كيلو متر،كما يشرح مسؤول فريق الانقاذ”كنا نرى الميكرو امامنا يحترق، والقذائف تنهمر مثل المطر، ثم بدأ إطلاق النار… كل شيء محترق،ما عثرنا على غير اقفال الحقائب، وسبع جوالات محترقة،وعلى بعد عدة أمتار عثرنا على ثلاثة جوالات.. ام جميل تصحو،تصيح،وهي متعبة:- لا، ابني ما قتل،ابني ما قتل، لا تصدقوهم، كذابين،ابني وصل، هو تحت في باب العمارة، ابعدوا عني، سأنزل لأفتح له باب العمارة”

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق