علي المسعود: فيلم عطر: قصة قاتل (2006 ) Perfume: The Story of a Murderer

المجهر نيوز

علي المسعود

الفيلم هو اقتباس صريح لرواية (العطر: قصة قاتل) التي كتبها الألماني (باتريك زوسكيند) ونشرها عام 1985محققاً من ورائها شهرة واسعة ونجاحاً كبيراً. وقد لفت هذا النجاح أنظار المخرجين الكبار تحديداً (مارتن سكورسيزي) والراحل (ستانلي كويبريك) الذين أعجبا بالرواية فرغبا في تحويلها إلى السينما، لكن طبيعة الرواية وتناولها لأفكار مجردة تسبح في خيال بطلها، جعل من مهمة التحويل مهمةً صعبة بل أقرب إلى الاستحالة، الأمر الذي جعلهما يصرفان النظر عن خوض مثل هذا التحدي العسير .

كذالك حاول أكثر من مخرج ومنتج تحويل هذه الرواية إلى فيلم لكنهم لم يستطيعوا إيجاد الطريقة المناسبة لتقديم هذه الرواية القائمة على حاسة الشم الخارقة للعادة لدى البطل جون بابتيست جرونوي .. حتى قام النجم السينمائي الشهير داستن هوفمان في عام 2001  بشراء حقوق تحويل الرواية لفيلم مقابل 10 ملايين يورو  .. ثم تعاون هوفمان مع المخرج الألماني توم تايكوير الذي نجح بتقديم هذه الرواية الأدبية الخالدة كتحفة فنية لا مثيل لها إلا ما ندر .. وسبب نجاح المخرج الألماني تايكوير فيما فشل فيه قبله بتحويل هذه الرواية لفيلم يكون بنفس مستوى النص الأدبي .. هو أنه لم يبتعد عن فكر الكاتب فحاول أن يقدم الفلم بثوب الرواية وهنا يكمن الفارق بين تايكوير وبقية المخرجين الذين لم يفهموا ذلك .. حيث اعتمد باخراجه للفيلم على أسلوب الراوي الذي يعلق على الأحداث وينقل للمشاهد التفاصيل التي لا تستطيع الكاميرا نقلها والتي تحتاج لمخيلة المشاهد الذي يجب عليه إطلاق العنان لمخيلته لكي تنسج له الرواية بخط موازي مع عرض الفيلم .. فعلاً كانت فكرة مدهشة ورائعة من تايكوير و تجربة تستحق التقدير والاحترام .ً

هناك  نظرية تقول أن الراوية والسينما فنّان منفصلان، كل منهما له أسسه وأجواؤه و حيثياته وبنيته الفنية الخاصة به، لكن ثمة علاقة فنية بينهما إذ أن الكلمات تتحوّل على يد السيناريست والمخرج إلى صور نابضة حية، ويتحول الفنّ المقروء إلى فنّ مرئي و مسموع على شكل لقطات سينمائية موحية ومؤثرة. الرواية قد يقرؤها ألف قاريء بينما الفيلم الذي يستند إلى نفس الرواية من الممكن أن يشاهده ملايين المشاهدين .

القصة تحكي عن الفتى «جون باتيست»، وحياته منذ أن وُلِد بين بقايا السمك العفن على أرضية قذرة ومغبرة، مرورًا بكونه فتى صغيرًا لم يستطع الكلام بعد، وحتى امتلاكه الشغف المطلق ليصنع العطر المُعجزة والذي لم يستطع أي انسان  صنعه قبلًا. وُلِد البطل بهبة إلهية غير طبيعية، وتتمركز تلك الهبة في قدرته الفذّة على شم كل شيء وأي شيء، حتى الروائح التي لا تستشعرها الأنف العادية، ووصلت تلك القدرة لدرجة تمييز الأشياء من مجرد الشم، ولو كانت تلك الأشياء كالصخور والمياه والحيوانات. بل ووصلت إلى تقفي أثر أي شخص على بعد آلاف الأميال بدقة شديدة  . وقد بدأ مهنته بتطوير بعض من افضل العطور الشائعة انذاك عندما عمل لدى صانع العطور الشهير جوسيبي بالديني الذي فقد شهرته نتيجة لعطوره التقليدية التي اصبحت مقرفة بالنسبة لاهالي باريس (  ويقوم بالدور الممثل العبقري داستن هوفمان ). كانت رغبة جون باتيست غرانوي الجامحة هي تقطير و ترشيح جوهر رائحة الانسان لذلك فقد راى ان رغبته لايمكن تحقيقها وانجازها تحت اشراف معلمه بالديني فترك باريس و ذهب الى غراس حيث موطن العطور و منبعها و في غراس اكتشف جون باتيست غرانوي الحل لمعضلته المفقودة الا و هي : القتل حيث يقدم جون باتيست بقتل النساء الشابات الجميلات و ذلك و فقا لطريقته الخاصة حيث كان يقوم بصبغ اجسامهم بالدهن الحيواني و يلفهم بها باحكام ثم يزيل الدهن الذي سوف يحتوي على جوهر رائحة الانسان الذي يفتقده غرانوي فهو يريد تقطير جوهر النحاس والحجارة ليتمكن من التعرف على روائحها. وبحثا عن هذه الصفة يتحول الى قاتل مرعب ومتسلسل و يبدأ غرانوي بطريقته للحصول على عطره الخالد و يحتاج لتحضيره ثلاثة عشر مكونا كما هي مكونات العطور الاساسية لذلك فهو يحتاج الى قتل ثلاثة عشرة فتاة وكانت الضحية الاخيرة له “لورا ” الفتاة الاكثر جمالا في غراس و ابنة صاحب النفوذ

القوي و المؤثر في غراس وهو ريكس ويقوم بالدور ببراعة ( ألان ريكمان ). ثم يتحول غرانوي بامتلاكه عطر الحياة الى ملاك بالنسبة للناس فتتحول المشاهد الاخيرة للفيلم الى مسرح لممارسة للجنس بين الحماهير المحتشدة والتي كانت تنتظر اعدامه لكنها تحولت الى مومياء تحت تأثير العطر الذي صنعه باتيست .

نسير في القصة مع خُطى جون منذ البداية، وحتى النهاية، مرورًا بالعديد من العقبات، الآمال المُحطمة، والنزعات الشديدة نحو الكمال والتي لن تُحقق بالسرعة المُتوقعة. يقتل جون الفتيات ذوات الرائحة العذبة التي تسحره، ومنها يستخلص الروائح كي يصنع العطر الآسر والمُطلق !

 لصناعة فيلم جيد، تحتاج إلى ثلاثة أشياء: سيناريو وسيناريو وسيناريو “

قال المخرج البريطاني العظيم «ألفريد هيتشكوك» هذه العبارة تدليلًا على أهمية السيناريو لصناعة الأفلام و في فيلم ” العطر” لعب سيناريو الفيلم دورا كبيرا في نجاح نقل الرواية الى الشاشة وببراعة ,كما كان الإخراج مذهل في العديد من المشاهد، خصوصًا تلك التي

تظهر البطل في الظلام قبل أن يشرع في تنفيذ خططه مباشرة. وبالتأكيد المشاهد التي فيها تظهر عملية استخلاص العطر منذ البداية وحتى هبوطه في القنينة الصغيرة التي ستُضاف إلى قريناتها حتى يكتمل لتكوين العطر ذو الأريج المخملي والأبدي . تلك مشاهد عبقرية الإخراج  والذي قام بالتصدي لهذه المهمة المخرج (توم تايكر ) .

المملكة المتحدة

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق