هل تنجح حكومة الرزاز بتجاوز معضلة «الضريبة»؟

المجهر نيوز

عوني الداوود
يُدرك دولة رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز عظم المسؤولية وثقل الامانة الملقاة على عاتقه، والتي اقسم بالله امام الملك على ان يحملها وان يقوم بالواجبات الموكولة اليه بأمانة، ويدرك تماما انه جاء نتيجة حراك – غير مسبوق – على خلفية مشروع قانون أطاح بحكومة وجاء بأخرى بات يرأسها، ويدرك أنه في مواجهة تفاوض مع صندوق النقد الدولي استمرارا لاصلاحات اقتصادية بدأتها حكومات سابقة ولا مناص من شهادة ( حسن سلوك اقتصادي ) من هذا الصندوق لتتمكن المملكة من الحفاظ على تصنيف ائتماني مريح يمكنها من الاقتراض والحد من تفاقم المديونية المرعب وعجز الموازنة المزمن.
لذلك كله فقد كان دولة الدكتور الرزاز خلال لقائه مع رؤساء تحرير الصحف اليومية ومدراء الدوائر الاقتصادية يوم امس الاول كمن يفكر بصوت مرتفع، بهدوئه وحضوره الذهني المعتاد، يزن كل كلمة وهو يشخص الحالة ويرصد المرحلة المقبلة بحذر المراقب الجامع بين واقعية ( حالة الاحباط التي يشعر بها المواطنون، وانعدام الثقة بالحكومات ) استنادا لتراكمات .. وواقع حال يشير الى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع المستوى المعيشي وغلاء الاسعار، وغيرها.. وبين حلم ( الامل ) الذي بدأ يرسم ملامح غده منذ تولى رئاسة الحكومة لتحويله الى واقع ملموس، وجلّ ما ينشده الرئيس هو أن يسعفه الوقت من اجل الخروج سريعا من نفق قاتم يرى هو ان هناك ضوءا في آخره، ويطلب من الجميع مشاركته ارادة الحرص على رؤية النور في نهاية النفق، انطلاقا من شخصيته التي تعشق التحدي والتي ترفض الاستسلام ولذلك فمن المؤكد أنه « لم يستقل ولا يفكر في الاستقالة».
رئيس الوزراء في لقائه الصحفيين شخّص تفصيلا صورة المعاناة داخل النفق المظلم -أو ما اطلق عليه «الحلقة المفرغة « – من خلال حديثه عن الفساد وعن تراجع الخدمات وعن زيادة المديونية وارتفاع نسب البطالة..وغيرها. لكنه وضع نصب عينيه هدف الوصول الى «الحلقة الحميدة» مؤكدا انه لا يمكن الوصول اليها منفردا بل ان ذلك الامر يتطلب تعاون الجميع والخروج من حالة الاحباط الى حالة الامل والعمل، ملخصا المشكلات بأنها – في الاساس – أزمة ثقة وهي « أكبر ما تواجهه الحكومة « – على حد وصفه.
المعادلة صعبة : اذ كيف يمكن للرئيس ان يقنع ( فاقدي الثقة بالحكومات ) بالاستماع اليه، وبأن حكومته مختلفة، وبأنه قادر على تحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه من الرؤساء؟
المقارنة بين حكومة الرزاز وحكومة الملقي في التعامل مع ( معضلة – ضريبة الدخل ) يتمثل في ان الحكومة السابقة لم تنجح في الاجابة عن سؤالين طرحهما الشارع ولم يستمع لاجابة مقنعة فكان ما كان. السؤال الاول: لماذ ندفع الضريبة والأولى قطع يد الفساد والمفسدين وارجاع ما سرقوه من اموال؟! والسؤال الثاني: مقابل ماذا سندفع الضريبة؟ وأين هي الخدمات التي تقدمها الحكومة مقابل كل ما تأخذه من المواطنين؟
الحكومة السابقة ايضا وقعت في خطأ تصريحات افتقدت الى الشفافية والمصارحة، واتسمت بالاكثار من «بالونات الاختبار» الى درجة «الاستفزاز» احيانا بعدم توفر رواتب للموظفين آخر الشهر… وغير ذلك!
الخطأ الآخر كان الخلط بين امرين مفصليين في مشروع القانون وهما: توسعة الشرائح الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي.. فساوت الحكومة في خطابها بين مواطن من ذوي الدخل المتوسط ضد المشروع لانه سيقتطع من راتبه او مداخيله المتآكلة، وبين متهربين ضريبيا سواء كانوا بعض «المهنيين» او «الشركات» ممن يرفضون المشروع لانه سيقلل من ارباحهم.. وشتان ما بين الحالتين.
من هنا بدات حكومة د. الرزاز بالعمل منذ اليوم الاول على توفير اجابات عملية على اسئلة الشارع ولذلك :
– اتخذت قرارات سريعة هدأت النفوس من خلال سحب مشروع القانون والبدء بحوار شامل.
-نشطت في فتح ملفات الفساد وفي مقدمتها « قضية الدخان « التي تحولت اخيرا الى القضاء واعلن الدكتور الرزاز – غير مرة – ان هذه القضية تشكل فرصة للحكومة لاثبات جديتها ومصداقيتها واستعادة ثقة الشارع.
– نشطت الحكومة بملف الخدمات واعلنت عن مشاريع وخطط ( ننتظر تفاصيلها) في قطاعات النقل والصحة والتعليم.
الجزء المليء في (كأس حكومة الدكتور الرزاز) – اذا جاز التعبير – يتمثل في ان الثقة كبيرة جدا في شخص الرئيس كرجل للمهمات الصعبة والملفات الساخنة والامثلة كثيرة بدءا من ملف التشغيل مرورا بالتخاصية وليس انتهاء بوزارة التربية والتخفيف من رهبة التوجيهي للمرة الاولى (رغم تحفظات مواطنين ونواب حجبوا الثقة تحفظا على عدد من الفريق الوزاري ).
-منهجية د. الرزاز في « ادارة الازمة « من خلال الشفافية والحوار والمواجهة والمصارحة وقيادته الشخصية ( اعلاميا) لجميع الملفات «ولقائه في الجامعة الاردنية خير شاهد».
أمّا الجزء الفارغ من الكأس فيتمثل بأن الرئيس لا يملك اولا (ترف الوقت) ولا ( كافة المفاتيح) للحلول ومن هنا- مثلا- كان لا بد من الوصول الى ( توافق ) بعد فشل ( الاتفاق) مع «النقد الدولي» لتتمكن الحكومة من تقديم المشروع في «استثنائية النواب» وليتم تطبيقه في موازنة 2019 وليتمكن الاردن من الابقاء على فرصه بالحصول على قروض ومنح خاصة وان ابواب المساعدات الاخرى لا زالت موصدة ( بعد انقضاء المنحة الخليجية.. وعدم ظهور اية بدائل عن هذه المنحة الى النور حتى الآن من معظم الاشقاء الخليجيين ) وما زال الاردن يواجه ضغوطات اقليمية جراء اللجوء السوري، وها هو في خطر مواجهة تبعات توقف دعم « الاونروا»…. والا فان الدكتور الرزاز كان يتمنى بالتأكيد تأجيل القانون لعام مقبل والبدء بقوانين تحارب التهرب الضريبي اولا وتأجيل توسعة الشرائح على الافراد والعائلات.
– المعضلة الاخرى في الجزء الفارغ من الكأس ان الرئيس لا يملك صلاحية الاسراع في جوانب من الامور والقضايا ، فهو مثلا لا يمكنه التدخل في القضاء للاسراع بالبت في « قضية الدخان «، ولكنه يملك صلاحيات معاقبة من يثبت تورطه في القضية وهذا ما اكد عليه د. الرزاز بالفعل « سنحاسب المقصر مهما كان موقعه».
– ثالثا، ورغم انه سيعلن قريبا- كما قال- عن تفاصيل خطط تحسين الخدمات لكن كل ذلك يحتاج الى وقت ويحتاج الى فريق وزاري وجهاز تنفيذي قادر ان يترجم توجيهات جلالة الملك وقرارات رئيس الحكومة الى واقع لانه يواجه بيروقراطية مستشرية وفسادا اداريا يحتاج مواجهة.
إذًا أين الحل؟
– من المهم الاسراع بتحقيق انجاز على ارض الواقع في قضايا مكافحة الفساد، فهناك ارادة واضحة من قبل الحكومة في مكافحة الفساد، لكن الشارع يريد ان يرى ويسمع انه تم القبض على فاسدين، وانه تم استرجاع اموال للخزينة.
– من المهم ان تخرج الحكومة ببرنامج واضح لخدمات على المدى القريب يلمسه المواطن دون انتظار لخطط خمسية وعشرية تأتي حكومات اخرى فتلغيها.
– من المهم ان تخرج الحكومة بقرارات تطمئن الطبقة الوسطى بأن هناك تعويضا لما ستدفعه من ضرائب يتمثل بتخفيضات على سلع اساسية وعلى خدمات صحية وتعليمية ( المدارس الخاصة ) واعادة النظر في ضريبة المبيعات، وان نرى اثرا ملموسا لتخفيف العبء الضريبي الذي تكرر الحكومة اعترافها بأنه يثقل كاهل الجميع.
– من المهم ان تنشط الحكومة بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص وان تعلن عن برنامج تفصيلي لكيفية توفير 30 الف فرصة عمل في عمان والمحافظات وان تربط بين الاعفاءات الضريبية وتشغيل الشباب.
– واخيرا وليس آخرا من الضروري لدولة الرئيس اعادة دراسة فريقه الوزاري والتنفيذي وتشكيل « خلية أزمة « تدير – ليس فقط مشروع ضريبة الدخل – بل تحقق برنامجه العملي والطموح…تديره اعلاميا وسياسيا واقتصاديا وميدانيا.
بقي ان نذكر ان كل ذلك – وربما – اكثر، من الاولى ان تتعامل معه الحكومة ومع ما يصلها من ملاحظات خلال الايام العشرة التي تنشر فيها مشروع قانون ضريبة الدخل على موقع ديوان التشريع وقبل تحويله الى مجلس النواب والدخول ربما في « معركة اخرى».

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق