عبدالواحد عبدالله شافعي: مشروع القرن الأفريقي الكبير

المجهر نيوز

عبدالواحد عبدالله شافعي

ما يجري في القرن الأفريقي من تطورات يشبه من جوانب كثيرة بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تداولته الأوساط الغربية في بداية الألفية الثالثة. ويقوم هذا المشروع على اعادة تقسيم خريطة الشرق الأوسط وتفتيت الدول الكبيرة الموجودة مثل العراق وسوريا والسعودية ومصر الى دويلات وكنتونات صغيرة على أسس طائفية او عرقية. ويقوم المشروع ايضا على دمج هذه الدول في مشروع ظاهره شراكة اقتصادية تكون اسرائيل جزء منه ومهيمنة علىه ولكنه في الباطن مشروع إمبريالي مصمم للحفاظ على مصالح الدول الكبرى وحلفائهم دون الأخذ في عين الاعتبار بمصالح دول المنطقة.

لدي شك كبير في ان تحصل كل هذه التطورات بهذا الحجم وبهذه السرعة في هذه المنطقة الاسترتيحية من العالم مثل منطقة القرن الأفريقي  دون علم الدول الكبرى اذا لم يكن ذلك بتخطيط مباشر منها او غير مباشر بواسطة حلفائها في المنطقة. وهنا يمكن لنا ان نفهم الوجود الإماراتي في هذا التطورات ودورها في الوصول الى اتفاق السلام بين اثيوبيا واريتريا والدعم المالي الكبير الذي قدمته الى اثيوبيا لدعم اقتصادها حتى لا يتعرض لخطر الانهيار.  وكذلك السعودية ودورها الخفي في تقريب وجهات النظر بين جيبوتي واريتريا حسب ما أعلنه وزير الخارجية الجيبوتي محمد يوسف.

  ليست مفاتيح هذه الأحداث المتلاحقة في المنطقة لدى عراب هذه التطورات رئيس الوزراء الاثيوبي ابي احمد كما يظهر في سطح الأحداث وانما في العمق هناك قوى خارجية إقليمية ودولية تحرك هذه الأحداث وتتحكم فيه لتحقيق مصالحها. وَمِما يؤكد شكوكنا هو هذه الخطوات السريعة التي يتخذها ابي احمد وضربه يمينا وشمالا دون الالتفات الى اي عواقب خطيرة يمكن ان تترتب على خطواته تلك وكأنه ينفذ خطة معدة سلفا كانت تنتظر التنفيذ. ويمكن ان تكون تلك القوى الكبرى قد أعطت لابي احمد دور قيادة تلك التغيرات المطلوبة في المنطقة، وقد يكون قد حصل على وعود لتكون الدولة الاثيوبية هي المهيمنة والمسيطرة على الدول الاخرى في مشروع الشرق الأفريقي الكبير مثلما كانت اسرائيل هي المهيمنة في مشروع السرق الأوسط  الكبير مقابل لعب اثيوبيا دور القيادة في هذا المشروع وتسويقه لدي الدول الاخرى في المنطقة.

  وهذا ما أكده بوضوح الجنرال المتقاعد في المخابرات السعودية أنور عشقي في كلمة له امام مجلس  الشئون الخارجية الامريكي في عام ٢٠١٦، اذ انه تحدث عن الترابط بين الشرق الأوسط الكبير والقرن الأفريقي الكبير وتحدث عن الحقل النفطي في اقليم أوغادين ( اقليم تقطنه القومية الصومالية في اثيوبيا) وذكر ان هذا الحقل سيوحد القرن الأفريقي بقيادة اثيوبيا ووعد ايضا بتدشين جسر سماه جسر النور بين جيبوتي واليمن يربط بين الجزيرة العربية والقرن الأفريقي. وفِي لقاء اخر اجرته معه جريدة الوطن السعودية في يناير عام ٢٠١٧ ذكر اللواء المتقاعد ان الولايات المتحدة الامريكية قد خططت في المستقبل لإنشاء اتحاد فيدرالي بين دول القرن الأفريقي بقيادة اثيوبيا .

وفِي هذا الإطار يندرج ايضا التصريح الذي أطلقه رئيس الوزراء الاثيوبي ابي احمد بعد اول زيارة له الى الصومال  ولقاءه مع المسئوليين الصوماليين، اذ صرح في أديس أبابا انه والمسئولين الصوماليين اتفقوا على التوحيد بين الدولتين في المستقبل ولم يصدر عن الحكومة الصومالية حتى الان اي  تعليق رسمي ينفي او يثبت هذا الكلام.

وليس للصومال اي دور او استراتيجية واضحة في هذه التطورات الا دور المسايرة او المماهاة مع الدور الاثيوبي موهمة للبعض انها شريكة في توجيه التطورات الجارية. وقد تماهت جميع الحكومات الصومالية المتعاقبة منذ انهيارالدولة الصومالية مع سياسات الأقلية التيجراي الحاكمة في اثيوبيا قبل هذا الغليان الأخير  وتخلصت من جميع الأوراق المؤثرة في يدها لصالح تقوية نفوذ التيجراي حتى وصل الامر بالحكومة الصومالية الحالية الى ان أعلنت جبهة تحرير اوغادينيا منظمة ارهابية وقامت بتسليم احد مناضليها الى الحكومة الاثيوبية دون النظر الى ما يشكل ذلك من خسارة كبيرة لدورها التاريخي في المنطقة وتصفية آخر اوراقها في يدها ارضاء لنخبة التيجراي في اثيوبيا  فلا هم كسبوا رضى التيجراي ولاهم احتفظوا بالموقف الاخلاقي للوقوف الى جانب قضية اخوانهم المضطهدين في اثيوبيا.

منطقة القرن الأفريقي في مفترق طرق وهناك كرة ملتهبة أطلقت فيها وما زالت متدحرجة حتى الان ولا نعرف مصيرها وضحاياها من الأفراد والدول ولكن الشي المؤكد هو ان القرن بعد هذه التطورات لن يكون القرن قبله، فقد تختفي دول عن الخريطة وتطهر دول اخرى وقد تتفتت دول وتتوحد اخرى في خارطة اعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق