د. طارق ليساوي: تحالف الشرق بين روسيا والصين يستهدف أمريكا وعلى البلدان العربية والإسلامية الإعتماد على الذات وتبني الخيار النووي

المجهر نيوز

د. طارق ليساوي

في مقال لنا حول أزمة انخفاض قيمة الليرة التركية وسبل الحد من هيمنة الدولار الأمريكي على النظام الإقتصادي والمالي العالمي، أشرنا إلى أن كسر شوكة الدولار الأمريكي ليست بالمهمة السهلة، وأنها في حاجة إلى إرادة دولية، وتناولنا بالتحليل البدائل الدولية المتاحة، واعتبرنا أن الصين تملك عمليا مكونات القوة الإقتصادية والمالية التي تؤهلها لإسقاط الدولار من عرشه، لكن تنقصها الجرأة السياسية ولازالت غير قادرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لاسيما في المجال العسكري، لكن سعيها لثوتيق علاقاتها بروسيا يجعل من القوة الاقتصادية الصينية أكثر فعالية، فالقوة العسكرية الروسية هي الأقدر – عمليا- على مواجهة  القوة العسكرية الأمريكية..

وهذا التوجه التصادمي مع الولايات المتحدة والغرب عامة تأكد مؤخرا بإجراء  مناورات عسكرية بين الجيشين الصيني والروسي، ووصفها الخبراء بأنها الأكبر منذ أربعة عقود. وأطلِقَ على هذه التدريبات العسكرية اسم “فوستوك 2018” وتجرى على مساحات شاسعة من سيبيريا ومناطق أخرى تقع في أقصى شرق روسيا …وبحسب تصريح وزير الدفاع الروسي “سيرغي شويغو” فإن هذه المناورات” تشبه إلى حد ما مناورات “الغرب-1981″ لكنها ستكون أوسع نطاقا في بعض المجالات، وسيشارك فيها أكثر من ألف طائرة و300 ألف عسكري وأسطول المحيط الهادئ والأسطول الشمالي وقوات الإنزال بالكامل”، وأضاف قائلا أن روسيا” لم تنظم مثل هذه المناورات منذ عهد الاتحاد السوفيتي في 1981″…

وشاركت الصين بنحو3200  عسكري و900 قطعة عسكرية بينها مقاتلات ومروحيات، لكن مع ذلك فإن الأهم في هذه المشاركة   هو رَمزِيتها ودلالاتها السياسية فبحسب المتحدث بإسم  الكرملين “ديمتري يوسكوف”: ” المشاركة الصينية تدل على أن البلدين الحليفين يتعاونان في كل المجالات”.

 فهذه المناورات هي محاولة لتخفيف حدة المخاوف السياسية بين الصين وروسيا، فعلى الرغم من التنسيق السياسي في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وتشابك المصالح الإقتصادية والتجارية بينهما إلا أن لكل بلد أجندته وتطلعاته الإقليمية والدولية، فهناك  صراع تاريخي و جيو-ستراتيجي وتنافس على مناطق النفوذ بين الصين وروسيا…والرسالة المستخلصة من هذه المناورات أن العلاقة بين البلدين تجاوزت منطق التعاون التجاري والاقتصادي وسياسة حسن الجوار، و بلغت درجة من القوة والمثانة والفعالية، وتم ترجمت ذلك إلى تعاون أمني وعسكري …

وهوما يعني  ميلاد تحالف شرقي روسي – صيني مفتوح على العديد من البلدان الإقليمية، وهذا الحلف لا يختلف في فلسفته عن “حلف وارسو” ، و  يؤشر على دورة جديدة في العلاقات الدولية يطبعها  التوثر والإصطفاف، ومسرح العمليات سيكون بمنطقة الشرق الأوسط وبمناطق النفوذ التقليدي لكل من روسيا والصين خاصة بأسيا والمحيط الهادي…

وبالمقابل فإن تحرك الولايات المتحدة في الأسابيع الماضية باتجاه باكستان والهند واليابان الغاية منه تقزيم الدور الروسي والصيني بآسيا ومحاولة عسكرة المنطقة، نفس الأمر تم على مستوى حلف الناتومن خلال الضغط على البلدان الأوروبية برفع ميزانيتها العسكرية، وهوما يعد تهديد للنفوذ الروسي بوسط وشرق أروبا…

وجاء رد الفعل الروسي  في المنتدى الإقتصادي الشرقي ب”فلاديفوستوك” الروسية، إذ طرح الرئيس الروسي على رئيس وزراء اليابان “شينزوآبي” إبرام معاهدة  سلام وصداقة مع اليابان، و  الغاية تسوية خلافات الماضي ،  ونزع مخاوف اليابان من التمدد الروسي، وخاصة  التحالف القائم  بين روسيا و كوريا الشمالية من جهة وبين روسيا والصين من جهة أخرى، وبالتالي كسر التحالف بين اليابان وأمريكا وتقريبها إلى التحالف الصاعد في آسيا وضمان حياد اليابان فهي وكوريا الجنوبية معقل لأغلب القوات الأمريكية في أسيا..

فسياسة “ترامب” وعدوانيته، دفعت بحلفاءه  إلى الالتحاق بروسيا والتي تحاول استثمار قوتها العسكرية لتحقيق مكاسب على الأرض ، ومن المحتمل أن تتمادى روسيا في توجهها التوسعي بحكم حالة اللاستقرار الذي تشهده الولايات المتحدة، فماضي ترامب الأسود يحاصره ويؤثر على حاضره ومستقبله…

والجدير بالذكر، أن أعداء الأمس يتحدون ويتجاوزون خلافاتهم، فروسيا والصين والهند واليابان لم تكن علاقاتهم في الماضي على وئام تام ، فكم من حروب نُشٍبَت ودماء سُفِكَت بينهم.. ومع ذلك ، هذه القوى تتجاوز خلافات الماضي، وتوحد جهودها لتحقيق مصالحها. لكن بالعودة إلى عالمنا العربي فإن كل شيء ممكن ومتاح إلا تصفية الخلافات بين الإخوة، فمن الممكن أن ترتمي بلداننا في حضن الشيطان ولا ترتمي في حضن الوحدة العربية والإسلامية…

ومادام الوضع كذلك، ستكون دماء المسلمين وبلادهم الوقود الذي يحرك الصراعات الدولية صعودا ونزولا، فروسيا اليوم هي الأمر الناهي في سوريا وتفعل ما تشاء في الشعب السوري المسلم، وإخواننا في أدلب يتعرضون للقصف والتهجير مجددا، فروسيا دمرت سوريا حماية لمصالحها أولا وأخيرا…

والصين لها أجندتها إن لم تكن عسكرية في الوقت الراهن،  فهي تسعى للتوسع الإقتصادي وتحقيق توسعها التجاري المركنتيلي، فغايتها هوالمزيد من الفوائض التجارية، ومن المؤكد أن النفوذ التجاري سيتحول فيما بعد إلى نفوذ سياسي ولما لا عسكري…

 فهندسة العلاقات الدولية تتجه نحوتقوية الحلف الروسي – الصيني، والذي يسعى إلى الحد من إندفاع ” ترامب” الذي يهدد الأصدقاء قبل  الأعداء بالعقوبات الإقتصادية، وهوما يرفع من سهم التحالف الروسي الصيني..

 لكن العرب والمسلمون  “كالأيتام على موائد اللئام ”  فهذه القوى المتصارعة ظاهرا سرعان ما تتفق عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين، والمثال الحي هوإنقلاب روسيا  على الحليف التركي في إدلب، والتلويح باستعمال القوة العسكرية ضد الوجود العسكري التركي على الأرض السورية، وفي ذلك لَيْ لدراع تركيا واستغلال لوضعها السياسي الحرج بفعل الأزمة الاقتصادية وحالة الاحتقان التي تتعمق بين  تركيا و الغرب ..

وإذا كانت تركيا المتماسكة والقوة الصاعدة،  تعاني من سياسة الأحلاف ومن الابتزاز السياسي الأمريكي  والروسي، فإن الوضع في بلدان الخليج وباقي الإقليم العربي أشد سوءا، لذلك نتمنى أن تدرك البلدان والإسلامية  أن مصيرهم مشترك وخروجهم من الأزمة بيدهموصدق القائل: “ما حكَّ جلدكَ مثلُ ظفركَ  ” …

لذلك، نتمنى أن يحاول العرب التخلص من حالة الفزع النفسي من  أمريكا وغيرها من القوة الدولية و التحلي بقدر من الشجاعة والمروءة والسعي نحو استقلال قرارهم السياسي وتحريره من الإرادة الأجنبية وتحقيق المصالحة مع الشعوب وبين الشعوب، وتجاوز حالة الإستبداد وكبث الحريات ،  فشعب غزة المحاصر إستطاع حصار إسرائيل وتقليم أظافرها بأسلحة محلية الصنع وبأدوات بدائية ومنها الطائرات الورقية الحارقة، والمقاومة العراقية أخرجت المحتل الأمريكي رغم كل مخططاته الطويلة الأمد، ونفس الأمر في أفغانستان ، فالاستقلال اوالخنوع، والعزة والذل.. قرار نفسي وسياسي بالدرجة الأولى والشعوب العربية قادرة على الدفاع عن كرامتها ودينها وأوطانها إذا إمتلكت قرارها السياسي، فالبحث عن بدائل للخروج من حالة الذل والخنوع أصبح مطلبا شرعيا وعقليا، وتحدي محلي وإقليمي وشرطا لابد منه للبقاء وإلا سوف نُنْحر كما ينحر الشعب السوري..

لذلك، أدعوالبلدان العربية والإسلامية إلى الكف عن تبني قرارات  لا تخدم مصالحهم وأمنهم، ومن ذلك  العداء المجاني لإيران  و معارضة طموحها النووي، فلما لا تسعى السعودية أومصر أوغيرها من البلدان العربية إلى إطلاق برنامج نووي عسكري؟! والانسحاب من اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية ، لاسيما وأن إسرائيل تتوفر على السلاح النووي وهي العدوالأول للعرب والمسلمين، ولا حاجة  للاستمرار في خدمة الأجندة الأمريكية – الصهيونية..

 فإذا فجرت إيران قنبلتها النووية ، فذلك كسر للهيمنة الصهيونية، ولِتسْعَى باقي البلدان العربية إلى نفس الهدف، خاصة وأن الموارد المالية التي تنفق للتسلح تكفي لتحقيق ذلك، كما أن الكفاءة العلمية العربية والإسلامية متاحة ، لكن شريطة  توفر القرار والجرأة السياسية ، وتوحيد  الجهود العربية والإسلامية وتوجيهها نحوخدمة مصالح البلدان والشعوب العربية والإسلامية..

لكن للأسف علينا أن نقر بأن إمكانية الحصول على قنبلة نووية عربية يُعَد أمرا أقرب للعقل في الظروف الراهنة، لكن أن تَتَحقَق وحدة عربية وإسلامية على غرار التحالف الروسي الصيني، فذلك قرار  شديد الصعوبة في   ظل أنظمة عربية تحكمها عقلية “العبيد” ولها قابلية الاستعباد للغير،  في مقابل الإستعلاء على الإخوة والأشقاء …والله غالب على أمره ولكن أمثر الناس لا يعلمون ..

أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني والشرق آسيوي…

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق