عن عَزلِ “المُلتَحين” عن خدمة الدولة المِصريّة “نهائيّاً”: هل “اللِّحية” فِعلاً ليست إلا شِعاراً دينيّاً؟.. وكيف سيتحوّل هؤلاء إلى قُنبِلةٍ موقوتة؟

المجهر نيوز

تتحوّل الدَّولةُ المِصريّة رويداً رويداً في عهد نِظامِها الحاليّ، إلى دولةٍ بوليسيّةٍ، قمعيّةٍ، ويَجرِي فيها مُصادَرة أيّ شَكلٍ من أي أشكال دولة المُؤسَّسات، وسيادة القانون، وإلى ما ذلك من أشكال “تشويه” الديمقراطيّة، وتحويلها تماماً إلى دولةٍ ديكتاتوريّة، يغيب عنها العدل وبغيابه ينعدم الأمان.

الحديث الديكتاتوري لا يبدأ في إقرار قوانين لمُراقبة حتى الرسائل الخاصّة لمُستخدِمي حسابات مواقع التواصل، تحت عُنوان قانون الجرائم الإلكترونيّة، ولا يَقتصِر بمُصادَرة الرأي الآخر، واقتصار المنابر على من يُطالبون باغتيال زُملاء المهنة مِن الضِّفَّةِ الأُخرَى، وينتهي أخيراً بمُوافَقةِ مَحكمةٍ مِصريّةٍ في النَّظر بدعوى مرفوعة من “أحد المُحامين”، تُطالب بعزل ضُبّاط الشرطة المُلتحين “نهائيّاً” من الخِدمة” وفق إشارة مَسؤولٍ قضائيّ.

ووِفقاً لهذه الدعوى، سيتم تعليق قرار إعادة جميع رجال الشرطة المُلتحين إلى وزارة الداخليّة الصادر عن المحكمة العُليا، الذي ألزم التراجع عن قرار وزير الداخليّة السابق القاضي بعزلهم، ويقول المحامي حامد سالم صاحب الدعوى أنّه قام بذلك بسبب “مخاوف” انتماء هؤلاء إلى التيّار الإسلامي، وهو يُطالِب المحكمة بعزل الضبّاط نهائيّاً من الخدمة، وعدم الاعتداد بحُكم المحكمة الإداريّة العُليا.

تبدو هذه الدعوى للوهلةِ الأولى وكأنها جاءت بمُبادرة فرديّة من هذا المحامي، وكأنّ في بلادنا العربيّة قرارات تحتمل “الاجتهاد” والتصرُّفات الفرديّة، كما اللافت وللمُفارَقة أنّه رفعها أي الدعوى في توقيتٍ تتحوّل فيه بلاده إلى مِقصَلةٍ دَمويّةٍ ضِد الإسلاميين، ورُموزِهم، وقادتهم، مع صُدور أحكام الإعدام أخيراً بحق قادة جماعة الإخوان المُسلمين، ومنهم محمد البلتاجي و 74 آخرين إخواني في قضيّة “فض رابعة”، والذين إن اتفقنا معهم أو اختلفنا، تم “الانقلاب” على رئيسهم المُنتَخب الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي.

يَصعُب علينا بالطّبع، أن نتفهّم “مخاوف” هذا المحامي المِصري الفرديّة التي من وجهة نظره مصالح وطنيّة وأخلاقيّة، فهي مخاوف بل تعليمات عُليا، تأتي بالتأكيد لتتماشى مع حالة “إقصاء” الإسلاميين و”فوبيا” جماعة الإخوان وتحميلهم “تَهَكُّماً” مسؤوليّة غرق سفينة “تايتانيك”، و”نزع” تواجدهم من جميع أجهزة الدولة (الشرطة مِثالاً)، وجميع مظاهر الحياة السياسيّة، والاجتماعيّة، بل وشيطنتهم حتى على أشكالهم الخارجيّة، وبالنًّظر إلى عدالة القضاء المِصري وشفافيّته هذه الأيّام، وتشكيك جمعيّات حُقوق الإنسان بنزاهته، لا يبدو أنّ الدَّعوة ستُرَد.

نُدرِك تماماً أن قواعد الانضباط بوزارة الداخليّة المصريّة، تقوم على عدم السَّماح للعاملين فيها بإطلاق لحاهم، ويُحال المُخالفون منهم إلى الاحتياط، على أن تتم إعادتهم لاحقاً للخِدمة في حال حلقها، لكن ارتيابنا حَقيقةً يأتي من التوقيت المشبوه للدعوة القضائيّة ضِد أصحاب اللِّحى، والإسلاميين عُموماً في مِصر، وطلبها “عزلهم نهائيّاً” من الخِدمة، وهي طريقة “قانونيّة” للتخلُّص منهم بشكلٍ أو بآخر أو حيلة، لإنهاء تواجدهم في بُنيان الدولة الرسمي بكافّة أجهزتها، ومُؤسَّساتها.

اللافت في كُل هذا أنّ المحامي سالم صاحب الدعوى، يَجزِم بما لا يدعو للشَّك أنّ “اللحية” في الدول العربيّة لا بُد أن تكون شِعاراً دينيّاً، ولا يُمكن أن تكون أمراً عاديّاً في تعليقه على أسباب رفعه الدعوى، أي أنّه وهو المحامي الجامعي، يَحكُم نفسه ومن خلفه في طلب رفع الدعوى، على المظهر الخارجي للإنسان، وبناءً عليه يُحَدِّد اتجاهاته الدينيّة، وعليه يقطع رزقه، وبالرُّغم أنّ إطلاق اللِّحى قد يخضع لضَوابطٍ غير دينيّة، فالقادة الثَّوريين أيضاً يشتركون مع الإسلاميين باللِّحى.

هَذهِ الدَّعوى رُفِعت لكي يتم إقرار ما جاء من طلبٍ فيها، وهي دعوى تَدُل على حالةِ خوفٍ تعيشها الدولة المِصريّة حتى من “الرُّموز الإسلاميّة”، وسعيها خلف مُصادرة حتى الشَّكليات، وهذا النَّوع من الدعاوى، لا يخدم وزارة الداخليّة والدولة المِصريّة، ويُحصّنها من “نقمة” التيّارات الإسلاميّة عليها، إن كان المُتشدِّدة التي تُحارِبها في سيناء، والمُعتدلة كجماعة الإخوان المُسلمين التي تُريد قلعها من جُذور البِلاد.

وبل على العَكس ستُحفِّز تلك الجماعات على غضب وكُره إضافي لتلك الدولة، التي تُحاربهم حتى في مظهرهم الخارجي، وتُلغي قرارات عودتهم للخدمة بلحاهم، إيماناً منها بحُريّة المُعتقدات، والتعايش السلمي السياسي والاجتماعي، فماذا لو حلق الإسلاميّون لحاهم تَجنُّباً لقرار عزلهم، وتحوّلوا إلى قنابل موقوتة؟.. الإجابة نَترُكها للقارِئ!

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق