فلسفة العفو القانونية

المجهر نيوز

المحامي إبراهيم محمد أبو حماد

قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم  (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين )(199) الأعراف  صدق الله العظيم

ويعتبر مفهوم العفو ذو سياقات مختلفة دينية واجتماعية وقانونية وان مبدأ العفو القانوني له جذور راسخة في العهد الإسلامي ،فعند فتح مكة قال الرسول صلى الله عليه وسلم” اذهبوا فأنتم الطلقاء “وهو تجسيد للمصالحة المجتمعية وتحقيق السلم والعدالة بالصفح بعد الظفر، وكذلك الحال في العفو عن الأسرى ببدر ،فالإسلام دين التسامح وإن التعامل حاليا مع الاسرى في المجتمعات العربية ،لا يدعونا إلا للقول بأن الدول العربية تم افرقتها وان دوامة الموت لن تتوقف ، وإن السلام والعدالة لا يجتمعان معا طالما ان سياسة الاستنزاف مستمرة، وهذا ما دعا الى إيجاد مفهوم العدالة الانتقالية في الدول التي تعاني من منازعات لإحلال السلام .

والعفو في اللغة لا يدلل على اسقاط الحقوق بل ادائها دون مماطلة أو تسويف ،والشاهد  على ذلك أن العفو عن القتل يستوجب دفع الدية ،وفي اتجاه اخر يرى بعض الفقهاء أن العفو مجاني ،وأما الصلح فيكون على عوض ، إلا أن قوانين العفو العام لا تسقط الحقوق ،وقد اعتبر فقهاء المسلمين بأنه ليس  لولي القاصر حقاً بالقصاص والعفو  ، إنما للقاصر ،ولذا يرجئ القتل والعفو لبلوغ القاصر سن الرشد وعلى ذلك ،استشهدوا بواقعة تأجيل القصاص  هدبة بن الخشرم(تأجيل العقوبة ) والذي قُتل بعد بلوغ القاصر سن الرشد لعدم العفو ،وعند قتله قال :

إن تقتلوني في  الحديد فإنني قتلت أخاكم مطلقا غير مقيد

ومن روائع نظمه اعترافه شعرا بقتل غريمه أمام معاوية بن ابي سفيان حيث قال :

رمينا فرامينا فصادف رمينا منايا رجال في كتاب وفي قدر

فإن تك في أموالنا لم نضق بها ذراعا وإن صبرا فنصبر للصبر

والصبر القتل دون معركة

فقال له معاوية : أراك قد أقررت بقتل صاحبهم .

فقال :هو ذاك .

ودفع الديات عادة عربية لإشاعة السلام في المجتمع العربي ،وبذلك يعتبر زهير بن أبي سُلمى ، شاعر السلام ويتضح بحكمته الواردة في  معلقته الشهير بمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف والتي مطلعها .

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم       بحومانة الدراج فالمتثلم

 

وفي الاسر  قال عبد يغوث الحارثي يطالبا بافتدائه :

فإن تقتلوني تقتلوا بي سيداً     وإن تطلقوني تحربوني بماليا

 

و مؤسس نظرية العفو القانوني هو الفيلسوف الالماني هيجل وللعفو انواع مختلفة  وتتداخل بمفاهيم مختلفة ومنها :-

-1العفو العام ويصدر بقانون ويَجتث الحالة الاجرامية  من أساسها ،ومن شروط بعض الوظائف المخالفة لدستور منع التوظيف حتى لو كان الجرم قد صدر بشأنه عفو عام، ومنها قانون اللامركزية .

-2العفو عن الجرائم المرتكبة من القوات العسكرية وهو امر عفى عليه الزمن لاصطدامه بحقوق الانسان ،مثل العفو الصهيوني عن جرائم العسكريين في كفر قاسم وحرب حزيران ومعارضي فك الارتباط مع غزة وتشكيل لجان تحقيق لإغلاق ملفات تعذيب وقتل شعبنا الفلسطيني.

-3العفو الضريبي مثل العفو من الغرامات .

-4محو الجزاء التأديبي او اعادة الاعتبار، ويرد بنصوص القانون وفي كل عفو صادر في فرنسا.

6-استخدام العقوبات البديلة، ويرد بنصوص القانون وفي كل عفو صادر في فرنسا.

 

-7تأجيل العقاب مثل تأجيل حكم الاعدام .

 

-8تأجيل النطق بالحكم  .

 

-9وقف تنفيذ العقوبة.

-10الاعذار المخففة.

-11الاعذار المحلة.

 

-12رد الاعتبار ومحو السجل الجنائي للإعادة للحياة الوظيفية وحرية العمل بالخارج والسفر.

 

-13استبدال الغرامة بالحبس .

 

-14الحصانات القانونية الدائمة ترقى لدرجة العفو اذ يجب ان تكون مؤقته لسلامة العمل الوظيفي.

 

-15العفو الضمني وهو محاكمة شكلية تنتهي بالبراءة او منع المحاكمة

-16العفو الشرطي  وهوعفو بتنسيب وزير الداخلية لرئيس الدولة ضد الاحكام القضائية.

 

-17العفو العسكري  وهوعفو بتنسيب وزير الدفاع لرئيس الدولة ضد الاحكام القضائية العسكرية.

-18 العفو قبل الإدانة وذلك لتشجيع الشركاء على الإدلاء بمعلومات عن شركائهم .

-19العفوالخاص.
ولقد أثار جدلا واسعا بالانتخابات الفرنسية والامريكية لتوظيفه لغرض سياسي واعتباره ازدراء لأحكام السلطة القضائية ،إلا أن العفو والرحمة لمرض المحكوم ، وتصحيح الخطأ القضائي، والاعتبارات السياسية يجد مكانا في الدستور بمنح صلاحية العفو الخاص لرئيس الدولة الذي يجسد شخصيتها وترأسه للسلطات الثلاث ،ويستوجب القانون توقيع مجاور لتوقيعه من الوزير المختص اي وزير العدل.

وإن تنسيب وزارة العدل وتوقيع الوزير المجاور لرئيس الدولة يكون لضمان عدم مسؤولية رئيس الدولة بمواجهة القضاء والبرلمان بحيث يتم محاسبة الوزير والذي لا يجوز له عدم التوقيع بجوار رئيس الدولة والا اصبح يملك الفيتو على صلاحية الرئيس فهو ناصح لا رافض مع تحمله لمسؤولية القرار والايعاز بتنفيذ العفو باعتبار التنفيذ من اختصاصه، ولذا فان من الخدمات التي تقدمها وزارة العدل هي تلقي ودراسة طلبات العفو الخاص ،وقد يصدر العفو الخاص بناء على مصالحة في دعوى جزائية لم يشملها العفو العام او بناء على اتفاق سياسي بين الحكومة والبرلمانيين وعلما ان هذا العفو قد يشمل الغرامات  ،ففي كل عهدة رئاسية جديدة فرنسية  ،يصدر عفو بمشروع قانون  عن الجنح والمخالفات البسيطة والعقوبات الإدارية والمهنية مثل عام (995و2002)

( http://www.assemblee-nationale.fr/12/dossiers/amnistie.asp)))

 

وفي الكيان الصهيوني تتعاطف مؤسسة الرئاسة الصهيونية مع السجناء اليهود دون الفلسطينيين لإصدار العفو الخاص وتم في الآونة الاخيرة  تم دراسة ملف موشيه كتساف الرئيس السابق لدولة الاحتلال لإصدار عفو رئاسي بحقه بسبب مرضه، وبعد رفض ادارة السجون والرئاسة ،عاود الكرة ولم يطعن بقرار ادارة السجون حتى تم له ذلك .

 

الرقابة القضائية على العفو

ولقد استقر الاجتهاد القضائي المقارن على حرية رئيس الدولة باجراء العفو حتى لو بلغ درجة التعسف ولقد اصدر القضاء الدستوري الارجنتيني والجنوب افريقي حكما بعدم دستورية قانون العفو عن مجرمي الحرب ويلاحظ ان القضاء الدستوري المقارن يراقب العفو ويبين فلسفته القانونية ويناقش الاشكاليات القانونية المطروحة وبما يعزز الثقة بالقانون ،ولا يتوقف عند شكليات الدعوى لان للقضاء الدستوري دور فلسفي ارشادي توجيهي للحد من المنازعات الدستورية وتامين جودة الاحكام الدستورية لذا فإن العديد من الانظمة القضائية المقارنة لا تعتبره من اعمال السيادة.

 

دساتير مقارنة

وتتوسع دول العالم الثالث في اصدار العفو العام نظرا لظروفها الاستثنائية ،التي ترزخ تحتها ،ونظرا للوائح الضبط الإداري ،وانخفاض العدالة الاجتماعية ،وانتهاكات  حقوق الإنسان

،وعدم اصلاح أنظمة السجون ،وللحد من حالة الاحتقان المجتمعي ، ولذا تنص دساتير العالم الثالث على حق العفو العام ، أما دساتير الدول المتقدمة فتنص على حق الرئيس بالعفو الخاص (م 17) دستور فرنسي لعام 958 وتعديلاته ،ولقد نص الدستور الأمريكي (م 2 فقرة 2)على حق الرئيس بتأجيل انفاذ الأحكام أو العفو عن الجرائم ما عدا جرائم المسؤولين ،وكذلك الدستور الألماني (م 60/2) )،https://www.senat.fr/lc/lc177/lc177_mono.html#toc37

ويكون حق العفو العام من اختصاص السلطة التشريعية صاحبة الولاية العامة ، وقد يكون ذلك ضمنيا أو بموجب القانون الجنائي  ،وتنظم دول اخرى مثل اسبانيا وايطاليا(م 79 )العفو  بالدستور  ،وعلاوة على ذلك الغت بلجيكا عقوبة الاعدام المدني ،بحيث يكتفى بالعقوبة التي تم محاكمة الشخص  عليها،ويصدر العفو في بلجيكا سندا للمادة (110) وفي هولندا يمنح العفو بقانون (م122).

وبالإضافة لذلك  فالمفاهيم الغربية في نظام العقوبة مختلفة حد التناقض مع دول  العالم السائرة نحو التقدم ، في العفو والصفح وعدم جواز محاكمة الشخص عن جرم مرتين وجمع العقوبات والعقوبات البديلة واصلاح السجون ومثال ذلك ما كتبه العقاد في مؤلفه السدود والقيود ( 1930) والتعويض عن البراءة  والعفو والصفح والمغفرة  ” grant general pardon.  Remission and   amnesty”حيث يبلغ العفو لاسترداد الأموال المصادرة نتيجة الإدانة” restoration” أي إعادة البناء.

 

 

ولذا فإن اكتظاظ مراكز الاصلاح والأهيل الى حد تفوق القدرة الاستيعابية لها ،والتوسع في التوقيف الإداري ،وعدم بسط القضاء الإداري رقابته على قرارات التوقيف خارج نطاق مدة الطعن ،على الرغم من تعارضها مع حقوق الإنسان ،واستمرارية أثرها وتجددها مما يجعل من صلاحية التوقيف الإدارية مطلقة ،يدعونا لتسوية الأوضاع بالعفو ،وعلاوة على ذلك فإن تكلفة النزيل  البالغة 750 دينار شهريا ،وبكلفة سنوية للنزلاء بقيمة 92 مليون دينار ،مما يجعل من الافراج عن النزلاء واستمرار الغرامات تحقيق وفر مالي للخزينة ،واخلال بتواتر النصوص القانونية وتكرارها عبر الزمن ،إذ أن هذه المحاسبة تدلل على أن الخزينة لا تخسر ،من نتيجة العفو ،وإن استمرار ارتفاع الأسعار لتمرير قانون العفو والضريبة الذي يعزز الغرامات القاسية والتقدير الجزافي ، تشكل صفقة غير عادلة ،وحيث أن فرنسا تصدر عفو عن العقوبات البديلة ،فإن تمسك وزير العدل ورئيس اللجنة القانونية بمجلس النواب ،بعدم إصدار عفو عام لتشريع نصوص قانونية غير عاملة يخالف القانون المقارن ،وينحو نحو التشدد بالعقوبة ،وعلاوة على ذلك فإن الحبس المدني يخالف التصديق على الاعلان العالمي لحقوق الانسان ،مما يجعل استمرار حبسهم مخالف للمعاهدات الدولية ،وبالإضافة لذلك فإن الاصلاحات القانونية الاخيرة ،لم تخرج عن الاطار الشكلي الهيكلي ،إذ أن معايير التوقيف مثلا غير مطابقة للمعاهدات الدولية ،و في ظل التدخل العلني بالقضاء ،مما يدعونا للتشديد على العفو العام .

 

إن التواصلية السياسية بين المجتمع والحكومة في تقرير قانون ضريبة الدخل والعفو العام ،تنم عن عدم القدرة على التواصل في ظل غياب فعال ومستمر لمؤسسات المجتمع المدني ،مما صعد من الإشاعة والرفض ،مما أسقط حكومة هاني الملقي ، ،إن السياستين المالية والنقدية ،أضفت أعباء على المواطن في ظل سياسة التحرر الاقتصادي ،مما يجعل من الوطن في حالة ظروف استثنائية ،وعلاوة على ذلك فإن الدول العربية المجاورة ،نهجت هذا النهج بإصدار عفو عام ،ما عدا حكومة المملكة ،مما يجعل من العفو حاجة مجتمعية ،ومثلا مصر وسوريا تصدر سنويا العفو الذي تمنينا به لسنوات .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق